نظرة عامة:
تشكل الروابط المعنوية بين المعلم والطالب، وبين المادة الدراسية وما تحمله من دروس حياتية، حافزًا لاهتمام المتعلِّمين وتبقى في الذاكرة كإرثٍ دائمٍ لمن علّموا بإتقان وشغف.
من السهل على كثير منا أن يستحضر ذكرى معلِّمه المفضّل ويتخيّله في “مملكته الصفية”. بالنسبة إليّ، يبرز في ذهني السيد همفيل: رجل قوامه قوي، وشعره فاتح يخفّ، يرتدي دائمًا قميصًا أبيض وربطة عنق، ويدحرج أكمامه. قادنا في رحلة استكشاف نحو سواحل الهندسة والجبر وثمّ التريغونومتريا. أتذكّر بوضوح موقفًا عندما كنت في الصف الأخير عام 1967، أحاول بلا جدوى حل مسألة في المثلثات، فتوقفت عن الكتابة وحدقت في السقف باحثًا عن حل — أو كأنما أستجير بالسماء. اعترض السيد همفيل نبرة تمنّيّي تلك بلطف وقال: «الجاوب ليس هناك يا فرانكي، هو أمامك». كان الجواب حقًا أمامي، لكنه محاط بضبابٍ أعاق رؤيتي للحلّ التفصيلي.
أن تظلّ صورة معلّم في الذاكرة بعد قرابة ستّينَ عامًا يعني، جزئيًا، أنه نجح في بناء علاقة تقوم على اللّطف والصبر والدعابة، وعلى تحفيز الطالب ليؤدّي أفضل ما عنده. وتجربتي الشخصية في التدريس تؤكد أن إضافة إبراز الروابط بين المادة الدراسية وتخصّصات أكاديمية أخرى، والإشارة إلى الدروس الحياتية التي تحملها المادة، يثير اهتمام الطلاب ويمدّ الأساس الذي تُبنى عليه عملية التعلّم.
اكتسبت جزءًا من خبرتي التعليمية كمحاضر متفرّغ في كليات محلية بينما كنت أعمل في القطاع المصرفي. بعد تقاعدي في 2017 تطوّعت للتدريس في مدرسة ابتدائية ومتوسّطة، وهناك علّمتني تلميذة رائعة اسمها نينا درسًا لا يُنسى في الربط بين الرياضيات والفلسفة واللاهوت. عندما سألتها: ما الفرق بين المستقيم والمقطع؟ أجابت بعمق بديع: «المقطع له نقطة بداية ونقطة نهاية، أمّا المستقيم فيمتدّ إلى ما لا نهاية، مثل الحياة». تشكّل هذه الإجابة جسرًا بين التفكير الرياضي والتأملات الكبرى حول الحياة — سواء فسّرناها كحياة الإنسان أو كحياة الروح. لسنا نفتأ عن تخيل راهبة الصفّ الأول، الأخت ماري أغنيس، وهي تفسّر جواب نينا بأن الروح تسير نحو السرمدية كما يسير المستقيم نحو اللانهاية.
علّمتني نينا أن أضمّن في جلسات الدروس أمثلة تجعل مفاهيم الرياضيات تتصل بتخصصات أخرى، ما يزيد من رغبة التلميذ في الاستكشاف. خذوا الكسور مثلًا: تبدو ظاهريًا عادية، لكن عند تعمّق النظر تكتشف لها معانٍ أعمق؛ كل كسر هو جزء أقل من الكلّ، له هويّة خاصة (ثلث، سدس، إلخ) لكنه في الوقت نفسه جزء من كلّ أكبر. وإذا نقلنا هذا التصوّر إلى البشر، نجد أن كل فرد يحمل هويته، وأن التآلف بين الناس يحتاج إلى قواسم مشتركة، كما تحتاج الكسور لمقامٍ موحَّد لتُجمَع. بهذا التحوّل في وجهة النظر تصبح الكسور أدوات لا لتقسيم الواقع فحسب، بل لربطه بدروس مدنية وإنسانية.
بجانب الربط بين التخصصات، تُعلِّمنا الرياضيات مهارات حياتية ثمينة، حتى لمن يشعرون بأن لديهم «حساسية» تجاهها. لقد وجدت جدوى في مشاركة وتناول مقاطع من كتاب يرصد قيمة التفكير الرياضي في صقل العقل، ومنها فكرة أن الرياضيات تتطلّب انتباهًا دقيقًا وتأملًا منهجيًا في المسائل، ما يغذّي قدراتنا على التفكير المنظّم — وهي ميزة نافعة في شتّى ميادين الحياة. يذكّرنا من كتب عن التجربة الإنسانية أن آبراهام لنكولن أمضى سنة يقرأ إقليدس ليتمرّن على الفكر المنطقي، وهي شهادة على أن حتى من لا يقدّر جمال الهندسة الإقليدية يدرك أهمّية المهارات التي تنميها.
المعلم في المدرسة الثانوية، والتلميذة في المرحلة الابتدائية، والمؤلِّف الذي يستعرض قيمة الرياضيات — كلّهم يعلّموننا درسًا واحدًا: أن التواصلات المتعدِّدة — الشخصية بين المعلم والطالب، والصلات بين المادة وتخصّصاتٍ أخرى، والمهارات الحياتية التي تُنمّى عبر المادة — تساهم في تشكيل فسيفساء جميلة من التعلّم. التحدّي الذي نواجهه هو كيفية توظيف هذه الروابط بذكاء بحيث، وبعد أن نفرق بيننا، يبقى بعضنا في ذاكرة طلابه كأفضل من علّموهم في مملكة الصف.