تكنولوجيا الدم السفير البريطاني · المتهم بالاعتداء الجنسي · شركة بالانتير · غزة أخبار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

الجزء الثاني من سلسلة «تكنولوجيا الدم»

هذه الحلقة تتناول كيف تستمر حكومات حول العالم — بما في ذلك من انتقدوا اسرائيل — في توظيف تقنيات جرى تجريبها على الفلسطينيين. العلاقات بين شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة بالانتير وحكومة المملكة المتحدة تواجه تدقيقًا متزايدًا بعد توقيف السفير البريطاني السابق لدى واشنطن بيتر ماندلسون على خلفية صلاته بالمُدان الراحل جيفري إبستين.

دور بالانتير وتورطها

كانت شركة بالانتير زبونًا لشركة الاستشارات التي أسسها ماندلسون، Global Counsel، وتتهم تقارير بأنها لعبت دورًا محوريًا في دعم ما وصفته منظمات حقوقية وأمم متحدة بأنه حملة إبادة إسرائيلية في غزة واستمرار الاحتلال في الضفة الغربية. رغم مواقف حكومية علنية ناقدة لَبالانتير وللشخصيات المرتبطة بها، دخلت الحكومة البريطانية في عقود واسعة مع الشركة، من بينها عقد دفاعي بقيمة 240 مليون جنيه إسترليني (نحو 323 مليون دولار) مُنح في يناير، وعقد آخر بقيمة 330 مليون جنيه إسترليني (نحو 444 مليون دولار) مرتبط بوزارة الصحة مُنح في نوفمبر 2023 عقب عملية مناقصة؛ ومحتوى العقد الأخير لا يزال محذوفًا بكثافة بحسب دعاة الشفافية.

دعم لاسرائيل وتكامل تقني عسكري

إلى جانب مشاركتها في سياسات إدارة ترامب بشأن الهجرة، والتي اتهمت بتسبّبها في وفيات وعمليات ترحيل غير قانونية، أقامت بالانتير شراكات واسعة مع المؤسسة العسكرية الاسرائيلية وأنشطتها في غزة والضفة. افتتحت الشركة مكتبها الأول في اسرائيل عام 2015، وبحسب منصات ترصد تورط الشركات في جرائم الحرب، قامت بتجنيد عناصر سابقين من وحدة 8200 للاستخبارات الإلكترونية. وبعد إعلان «شراكة استراتيجية» مع اسرائيل في يناير 2024، كثفت بالانتير عملياتها في غزة والضفة المحتلة، مدمجة قواعد بيانات من اتصالات مصطادة، وصور فضائية وبيانات إلكترونية لتجميع قوائم استهداف، ما وصفتها تقارير بأنها «قوائم قتل» تُستخدم ضمن حلقات القيادة والسيطرة الإسرائيلية.

تقول بالانتير إن أدواتها تحليلية وليست منظومات استهداف مباشرة، لكن دمج تقنياتها في سير عمل القيادة والسيطرة استدعى انتقادات باحثين حقوقيين، كما أكد مسؤولون رفيعو المستوى في الأمم المتحدة أن تقنيات من هذا النوع تضبط من واقعها وتسرّع من وتيرة وحجم استهداف المدنيين.

تصريحات مديرها والردّ الرسمي

في مايو الماضي، ردًا على استهجانات من جمهور في واشنطن، قال المدير التنفيذي أليكس كارب مع تعليق ضاحك إن «المصدر الرئيس للوفاة في فلسطين» هو إدراك حماس لوجود «ملايين الأغبياء المفيدين»، في تعليق أثار استنكارًا واسعًا. وفي رد مكتوب لِـالجزيرة، قال متحدث باسم بالانتير في بريطانيا: «كشركة، ندعم اسرائيل. اخترنا دعمها بسبب أحداث 7 أكتوبر المروّعة، ولأننا نؤمن بدعم الغرب وحلفائه — واسرائيل حليف مهم للغرب».

يقرأ  مستوطنون إسرائيليون يدنسون مسجدًا في الضفة ويشعلون النار فيه خلال رمضانأخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

خلفيات وملابسات ماندلسون واللقاءات الرسمية

الحملة الإسرائيلية في غزة انطلقت بعد هجوم قيل إن مقاتلي حماس نفذوه في 7 أكتوبر 2023 وأسفر عن مقتل نحو 1,200 شخص في جنوب اسرائيل. وحصل تفجّر في الاهتمام حول علاقات ماندلسون وبالانتير بعد توقيفه في فبراير، وذلك استنادًا إلى وثائق إبستين التي تشير إلى استمرار علاقة بين ماندلسون وإبستين بعد إدانته عام 2008 واحتمال تبادل معلومات ذات حساسية مالية.

مطالبات برلمانية ومخاوف بشأن لقاءات رفيعة المستوى

دعا نواب في المعارضة ومنظمات مجتمع مدني إلى مراجعة شاملة لعقود بالانتير؛ ووصف بعض النواب الشركة بأنها «مرعبة» و«مشكلة أخلاقية». وقد أثارت زيارة جمعت ماندلسون ورئيس الوزراء كيير ستارمر بمقر بالانتير في واشنطن في فبراير 2025 قلقًا كبيرًا، إذ جرت قبل 11 شهرًا من اختيار المملكة المتحدة للشركة في عملية مناقصة لم تَشهد منافسة لاستخدام تقنياتها في خدمات عسكرية. ووصفت وزارة الحكومة لقاءً لاحقًا على طلب حرية معلومات بأنه «غير رسمي» ولم يدوّن محضر له. في المقابل ردّت الحكومة بأن الوزراء يلتقون شركات متعددة خلال سفراتهم للترويج للتجارة والاستثمارات، وأن اختيار المورّدين يتم وفق متطلبات تشغيلية ومعايير القيمة والالتزام الأمني والقانوني وخضوعهم لعمليات فحص دقيقة.

قضية العقد مع هيئة الصحة الوطنية

كما أثارت علاقة بالانتير مع هيئةُ الصحة الوطنية البريطانية تساؤلات، خاصة بعد تقارير عن قبول الشركة مبلغ جنيه إسترليني واحد فقط في مارس 2020 لعقد طارئ لمساعدة هيئة الصحة في إدارة جائحة كوفيد — وهو ما استدعى تحقيقات ومطالبات من منظمات حقوقية ومجموعة ضغط التقنية العادلة Foxglove ومؤسسات أخرى بالكشف عن تفاصيل الاتفاق وشروطه.

خلاصة

القضية تكشف تداخلًا معقدًا بين مصالح تجارية وتقنيات متقدمة، واستراتيجيات أمنية ودبلوماسية، واعتبارات أخلاقية وقانونية حول استخدام أدوات رقمية يمكن أن تسرّع من ارتكاب انتهاكات إنسانية. الشفافية والمساءلة تبقيان محور النقاش العام والدعوات لتدقيق أوسع في عقود وتعاونات شركات مثل بالانتير مع دول وحكومات حليفة. سمح العقد لشركة بالانتير بالوصول إلى بيانات خدمة الصحة الوطنية (NHS)، وحصلت الشركة في النهاية على مكافأة مالية معتبرة — فالاتفاق الحالي بين بالانتير وNHS يقدر بنحو 23.5 مليون جنيه إسترليني (31.6 مليون دولار).

يقرأ  الإيرانيون يودِّعون خامنئي فيما تهدّد إسرائيل باغتيال خليفتهأحدث تطورات الصراع الإيراني–الإسرائيلي

في سبتمبر 2022، زعم صحافيون من بلومبرغ أنهم اطلعوا على مستندات تشير إلى «خطة سرية» من بالانتير لترسيخ وجودها داخل NHS بعيداً عن رقابة الجمهور، وهو ما يُعرف عادة بتقنية «احتجاز المورّد» (vendor capture).

وذكرت بلومبرغ رسالة إلكترونية نسبتها إلى رئيس المنطقة في بالانتير، لويس موزلي، بعنوان «نشتري طريقنا للدخول…!» تضمنت، بحسب التقرير، استراتيجية لـ«امتصاص» الشركات المنافسة الأصغر العاملة في خدمة الصحة الوطنية بهدف «استحواذ رقعة واسعة وكسر الكثير من المقاومة السياسية».

وقال متحدث باسم الشركة لاحقاً إن اختيار اللغة كان «مؤسفاً».

مع ذلك، واصلت بالانتير توسيع حضورها داخل NHS، بما في ذلك إرسال مندوبين إلى عشاء أقامته مجموعة مانديلسون الاستشارية العالمية في فبراير 2023، حيث ذُكر مينغ تانغ، مسؤول البيانات والتحليلات في NHS، كـ«ضيف الشرف».

جاء ذلك منذ نحو تسعة أشهر قبل أن تُختار بالانتير لقيادة منصة البيانات الموزعة الجديدة لـNHS، وهو عقد تقدر قيمته بمئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية.

تُظهر هذه الصورة، التي لم يُحدد زمن التقاطها أو مكانها والتي قدَّمها مكتب القضاء الأمريكي في 19 ديسمبر 2025، السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة بيتر مانديلسون (يسار) وجيفري إبستين (يمين)، الذي توفي في السجن عام 2019 أثناء انتظاره المحاكمة بتهم الاتجار الجنسي بقاصرات [AFP].

الدولة الأسيرة

لم يرد كل من وزيرَي الدفاع والصحة البريطانيين، جون هيلي ووز ستريتنج على طلب الجزيرة للتعليق.

إلا أن هيلي قال لبلومبرغ في فبراير إنه ليس لمانديلسون أي دور في تأمين عقد بالانتير الذي نُفِّذ دون معارضة مع وزارة الدفاع، وإن القرار كان قرارَه وحده.

أما ستريتنج، الذي كان يشغل منصب وزير معارض في يونيو 2024، والذي أقر في رسائل خاصة على واتساب إلى مانديلسون في يوليو بأن إسرائيل «ترتكب جرائم حرب أمام أعيننا»، فقد رفض الانتقادات الموجَّهة إلى بالانتير وإلى وصولها إلى أنظمة بيانات NHS، قائلاً إن مثل هذه المخاوف «لا تُقنعني».

يقرأ  مقتل بحّارين على الأقل إثر غرق سفينة شحن في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه

وقال ستريتنج للصحافيين: «لقد اتُّخذ قرار وطني مع استثمار كبير من المال العام. هذا أمر حيوي للمرضى. المضي قُدُماً، وبسرعة.»

قالت آنا باتشاريللي، باحثة أولى في الذكاء الاصطناعي بمنظمة هيومن رايتس ووتش، للجزيرة إن حكومات المملكة المتحدة المتعاقبة تتحمل المسؤولية عن تمكّن بالانتير من الوصول إلى بيانات الخدمات العامة.

«بفضل حكومات المملكة المتحدة المتعاقبة، باتت بالانتير راسخة في عدة خدمات عامة، بينما تتعاقد أيضاً مع حكومات أخرى تمارس انتهاكات، بما في ذلك الهجمات الإسرائيلية على غزة وحملة تشديد الهجرة لدى الإدارة الأمريكية»، قالت باتشاريللي.

«كل الشركات تتحمل مسؤلية ضمان ألا تتسبب منتجاتها وخدماتها في انتهاكات حقوق الإنسان أو تسهم فيها. ومن واجب حكومه المملكة المتحدة إجراء فحوصات دقيقة لجميع المتعاقدين، لا سيما في ضوء وصول بالانتير الحالي إلى بيانات الصحة الحساسة للسكان والبيانات المتعلقة بالأمن القومي البريطاني.»

وبالرغم مما قد تدّعيه بالانتير من دوافع، تتزايد المخاوف بين النشطاء وجماعات الحقوق والمستخدمين النهائيين بشأن ارتباط بريطانيا بالشركة.

وقال توم هيغارتي، رئيس قسم الاتصالات في منظمة فوكسغلُوف، للجزيرة في تعليقات عبر البريد الإلكتروني: «نرى ما يبدو أنه احتجاز مورّد في وزارة الدفاع، ويبدو واضحاً أن نية بالانتير هي جعل قدر كبير من مؤسسات الحكومة البريطانية معتمداً على منتجاتها بقدر الإمكان.»

وأضاف متناولاً بعض المقاومة التي واجهتها بالانتير داخل خدمة الصحة الوطنية نفسها، والتي أثارتها تصورات عن الشركة الأمريكية، فضلاً عن تساؤلات حول القيمة التي قد تضيفها تقنيات بالانتير إلى أنظمة المستشفيات والسلطات الصحية الإقليمية القائمة في ليدز ومانشستر.

«لقد قالت بالانتير صراحة في الماضي إنها تهدف إلى أن تصبح «نظام التشغيل» للحكومات. كما حققت اختراقات لدى شرطة العاصمة وبعض المجالس المحلية، لا سيما في كوفنتري»، قال.

«ما إذا كان ذلك سبباً يدعو الحكومة لوقف منحهم عقوداً ضخمة فذلك شأن الوزراء لتقريرهم»، أضاف هيغارتي.

أضف تعليق