باريس، فرنسا — تتوجه فرنسا الى صناديق الاقتراع يوم الأحد في جولة حاسمة من الانتخابات البلدية لاختيار رؤساء البلديات وأعضاء المجالس البلدية.
تُعتبر هذه الانتخابات، التي تسبق بعام الاستحقاق الرئاسي، مقياساً مبكراً يتيح لمحة عن المشهد السياسي في البلاد.
نتائج الجولة الأولى أظهرت أداءً أقل قليلاً مما كانت تتوقعه أحزاب اليمين المتطرف، وعلى رأسها حزب التجمع الوطني، مع مكاسب ملموسة في مدن جنوبية محورية مثل نيس وتولون ومرسيليا. وفي حديث لـ«الجزيرة»، قال الصحفي جان-فرانسوا بوبلين من مرسيليا إن «النتائج أسوأ مما كان مأمولاً للتجمع الوطني واليمين المتطرف عموماً، لأن هدفهم كان تكريس موطئ قدم في مدن متوسطة الحجم والتوسع خطوة بخطوة، لكن هذا لم يتحقق بالكامل». وأضاف أن الحزب مع ذلك «زاد عدد البلديا̷ت التي سينافس فيها مقارنةً بعام 2020».
في الجولة الأخيرة لرئاسة البلديات، كان اليمين المتطرف يسيطر على أغلبية في 17 بلدية؛ لكن مؤشرات الأحد ترجّح فوزه في 24 بلدية، بينما يتقدم مرشّحو اليمين المتطرف في 60 بلدية أخرى. نيس وتولون تبدوان كأكبر مدينتين قد تنتخبان رؤساء بلديات من هذا التيار.
مرسيليا: احتمال مفاجآت غير سارة
في مرسيليا، يتواجه الرئيس الحالي للبلدية، بينوا بايان، في جولة إعادة مع مرشّح التجمع الوطني فرانك أليسيو. يقول بوبلين: «قد نشهد مفاجآت غير سارة. قد تنقلب مدن كبرى مثل نيس وتولون إلى الجهة الأخرى. وبما أن حزب فرنسا الأبية (لا فرانس اينسوميز) انسحب مؤخراً في مرسيليا، نأمل ألا تميل المدينة إلى اليمين».
مسألة الامتناع عن التصويت كانت أيضاً عنواناً بارزاً: بلغت نسبة المشاركة في الجولة الأولى 57 في المئة، وهي ثاني أدنى نسبة في تاريخ الجمهورية الخامسة بعد انتخابات 2020 التي تأثرت بجائحة كوفيد-19، وفق بيانات وزارة الداخلية. وفي أحياء مرسيليا الشعبية «كانت نسبة المشاركة منخفضة، خصوصاً حيث كان من المتوقع أن يحقق حزب اليسار نتائج أفضل»، قال بوبلين، مضيفاً أن الامتناع سيكون قضية محورية في الجولة الثانية للبلديات وفي السباق الرئاسي لأن الامتناع يُسهم غالباً في صالح التجمع الوطني.
مكاسب حقيقية وملموسة
بابتست كولين، مساعد إنتاج مسرحي يبلغ من العمر 31 عاماً في مرسيليا، قال للجزيرة: «الكثيرون من حولي لم يصوتوا؛ ثمة نقص في الاهتمام». وفسّر أيضاً أن كثيرين لم يفهموا قواعد الاقتراع الجديدة؛ ففي مرسيليا اضطر الناخبون للتصويت لرئيس دائرة ثم لرئيس البلدية، وإضافة إلى ذلك، شعور كثيرين أن نتائج الجولة الأولى كانت متوقعة بسبب قوة التجمع الوطني في استطلاعات الرأي.
بالنسبة إلى كولين، يشكل السباق الضيق لرئاسة المدينة مصدر قلق: «أنا قلق، خصوصاً في مرسيليا، من صعود التجمع الوطني، لأن هذه مكاسب حقيقية وملموسة. اليمين المتطرف صار فعلياً يمثل اليمين الجديد. ومرسيليا مثال كلاسيكي على انهيار اليمين التقليدي وتحويل أصواته إلى التجمع الوطني».
تحوّل في الخريطة الحزبية
تؤكد الباحثة في القانون العام ريم-سارة علوان أن اليمين التقليدي يتفكك في أجزاء واسعة من فرنسا، محذّرة من «تطبيع» اليمين المتطرف مع اليمين التقليدي. وشرحت أن النتائج في عدد من البلديات تُظهر تزايد النفاذ المتبادل بين هذين الفضاءين السياسيين. وأضافت أن الانتخابات البلدية 2026 يمكن قراءتها على أنها اختبار مبكر قبل الدورة الرئاسية المقبلة، وتبيّن أن المشهد السياسي في حالة انتقال وتجزئة واستقطاب إقليمي؛ فلا قوة سياسية واحدة تبدو قادرة على الهيمنة وطنياً.
رغم أن اليمين المتطرف لم يحقق المكاسب الضخمة التي أخاف البعض، حذّرت علوان من أن الانتصارات التدريجية تثير القلق: «اليمين المتطرف يربح ببطء لكن بثبات مزيداً من الناخبين، سواء عن اقتناع أو كتصويت معارض. ليس نصرًا مدوياً، لكن هذه طريقة تقدمه: خطوة خطوة، واستراتيجيته تؤتي ثمارها».
آثار محلية واجتماعية
عندما يثبت اليمين المتطرف سلطته في بلدية ما، يصعب عادة نقله عن السلطة لسنوات. ويشير بوبلين إلى أن سياساتهم تتمركز حول تقليص الضرائب والسلامة العامة والحد من الدعم للمؤسسات «الجماعية»؛ وغالباً ما تُستهدف منظمات تعمل في أحياء الطبقة العاملة أو مع الفئات الضعيفة والمهاجرين. ونتيجة لذلك تتضاءل الخدمات الاجتماعية أحياناً أو تختفي، كما حدث تدريجياً في مراكز المجتمع في فريجوس، بحسب تحليله للحسابات الإدارية لعشر بلديات في جنوب شرق فرنسا.
حذف مراكز الشباب يؤدي إلى تأثيرات سلبية ممتدة على الحي بأكمله: «هؤلاء أولاد لم يعد لديهم أين يلتقون أو يلعبون، فبقوا في الخارج مما أدى إلى سلوكيات ومشكلات؛ نرى بذلك جيلاً ضائعاً في تلك الأحياء»، قال بوبلين.
مع ذلك، يظل بعض الأمل لدى الناخبين. كولين، الذي سيعود للتصويت في الجولة الثانية، يحتفظ ببصيص أمل بأن النتيجة لن تكون خسارة تامة. «ما زالت هناك مكاسب على الجانب الأيسر»، قال كولين.
ولأول مرة يأمل أن تهطل أمطار في المدينة الجنوبيه فتبعد الناس عن البحر وتدفعهم صوب صناديق الاقتراع.
«الطقس لم يكن على ما يرام نهاية الأسبوع الماضي، وهذا بالفعل شجع الناس على التوجه إلى التصويت بدل الذهاب إلى الشاطئ»، وأضاف: «آمل ألا يتحسن الجو في الاحد أيضاً حتى يتكرر نفس الأمر».