لم تولد بذور أعمال إيفرسون الجديدة بين ليلة وضحاها؛ فقد استغرق تطورها وقتاً طويلاً من التخمر والتقلبات الأسلوبية الجذرية قبل أن تستقرّ حيث هي الآن. والحقيقه أنها بدأت فعلاً برسم المناطق الصناعية في سياتل، تنفيذ مشاهد واقعية في الهواء الطلق بأسلوب البلاين‑آر.
تتذكر إيفرسون أنه كلما تمحورت لوحاتها حول الصناعة اقتربت أكثر فأكثر نحو الخطوط والأشكال والألوان، حتى أخذ العمل يتفتت ويقارب لغة التجريد غير الموضوعي. ومع ذلك لا يمكنها وصفه بأنه غير موضوعي تماماً لأن الحاوية تبقى دلالة قابلة للرؤية دائماً. سارَت في رحلة من الواقعية المطلقة إلى تجريد شديد، ثم اصطدمت بنقطة توقف جعلتها تتساءل كيف تستعيد الإحساس بالرضا الفني؛ عندئذٍ التقطت القلم، شرعت في الرسم بالكولاج واكتشفت صدفةً هذه السلسلة الجديدة.
تتألف السلسلة الجديدة من مزيج بين ما تسميه «لوحات المجلات» ولوحات زيتية غنية على القماش، متأثرة إلى حد بعيد بمدرسة نهر هدسون أو ما يُعرف باللومينيزم—وعلى نحوٍ خاص بأعمال ألبرت بيرشتاد، توماس موران وفريدريك إدوين تشيرش. في كثير من النواحي علّمتها هذه الشخصيات، رغم رحيلهم منذ مطلع القرن العشرين، كل ما احتاجت إليه لابتكار مجموعتها الراهنة.
في بدايات السلسلة كانت تقلّد لوحات بيرشتات، تخطّ خطوط المنظور وتدرج الحاويات داخل التركيب. وبعد أن أنجزت عدداً منها وتعلّمت مفردات تلك المدرسة اللومينيستية، بدأت في إنتاج مناظر طبيعية واسعة بأسلوبها الخاص. تتسم مشاهدها بتأثيرات ضوئية ضبابية، بمنظور جوي وبسكونٍ طبيعي يبعث على التأمل. من خليج بوجيت إلى جراند كانيون، تسافر إيفرسون إلى المواقع التي تصوّرها، وتستخدم صوراً من المجلات ملتقطة من زوايا متميزة كمرشد. تصل إلى المتنزه أو المنطقة المحمية، تنصب معسكرها، تلتقط الصور، ترسم سكيتشات، تتنفس الهواء، تختبر الضوء وتمتص التجربة، ثم تعود لتجسيدها على القماش.
جزء من رضى عمليتي ينبع من هذه التجربة الحسية بالذات؛ فالتجربة المباشرة تصنع لوحة أكثر نجاحاً. حاولت مرة أن أعمل اعتماداً على صور مستعارة من آخرين، لكنها لم تعطِ النتائج نفسها كما لو أنني زرت المكان فعلاً. أظنّ أن هذا ما جذبني إلى رسّامیّ كاللومينيستيين—بيرشتات وموران وتشيرش—فهم أيضاً كانوا يسافرون إلى تلك البقاع ليشهدوها ويسجلوها ويعيدوها للجماهير: أن ينقلوا تجربة طبيعة عظيمة، مخيفة وجميلة في آن، ما يسمّى بالـ«السامي». لذا فإن العمل بنفس المنهج يمنحني إشباعاً عميقاً ويقوّي صلتي بما رسموه وبالعالم الطبيعي ذاته.
ومع ولائها لأسلوب وروح الاستكشاف لدى اللومينيستيين، تباينت لوحات إيفرسون بوضوح في نقط عدة، أولها الشبكة الحاضرة دوماً من حاويات الشحن التي صارت الرمز المركزي في أعمالها.
تشرح إيفرسون: «في مخيلتي تمثل الحاويات الشعوب والاقتصادات وحالة العالم وثقافة الاستهلاك. كل حاوية علامة على امتداد الاستهلاكية. عندما تراها مجمعة—مكدّسة في ميناء أو على ظهر سفينة—تدرك بصرياً حجم الأثر أكثر بكثير من مجرد أرقام على ورق». وتضيف أنها كمعلّمة تعرض على طلبتها أعمالها وتحدّثهم عن الحاوية؛ فيردّ طلاب السنة الأولى ببراءة «ما هذه الحاوية؟» فتجيبهم: «ألا تعرفون القطارات والشاحنات الكبيرة؟» فيتبدّى لهم فجأة مصدر أشيائهم—«واو، صحيح!»—فتتضح لهم أن هذه الحاويات ممتلئة بالأشياء وأننا نادرًا ما نفكر في أثرنا.
وتختم ملاحظةً بسيطةً ذات طابع عام: «الأمر يشبه المدرسة الثانوية—من هي الدولة الشعبية؟ في السابق كانت الولايات المتحدة؛ كنا لاعبوا كرة القدم التي يرغب الجميع أن يكونوا مثلها، أما اليوم فالصين وسنغافورة هما المثالان.»