بيروت — اتهم رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الحرس الثوري الإيراني بأنه يتولى إدارة عمليات حزب الله ضد إسرائيل، وذلك في وقت تتدنى فيه علاقات الحزب الشيعي بالحكومة اللبنانية إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات. ومع ذلك يرى محلّلون أن العداء السياسي لا يلغي بالضرورة صحة تقييم سلام للوضع.
في مقابلة مع قناة “الحدث” السعودية قال سلام إن الحرس الثوري — ذراع عسكرية في ايران تجيب مباشرة لمرشد الجمهورية — يوجّه حزب الله في قتالِه مع إسرائيل، كما اتهمه بإطلاق طائرات مسيّرة من لبنان تجاه قبرص. ومنذ بداية الهجمات الإسرائيلية على لبنان في أوائل مارس قُتل أكثر من 1,000 شخص وتهجّر ما لا يقل عن 1.2 مليون لبناني، أي أكثر من 20% من السكان، فيما يرى باحثون في هيومن رايتس ووتش أن النزوح الواسع قد يرقى إلى جريمة حرب.
بينما يصعب إثبات مزاعم سلام بشكل قاطع، فإن تقارير خبراء واستقصاءات صحفية تشير إلى دور محوري للحرس الثوري في إعداد حزب الله للعودة إلى القتال الذي تجدد في لبنان منذ 2023.
IRGC يوجّه الميدان
في مقابلته وصف سلام الحرس بأنه “يدير العملية العسكرية في لبنان” وادّعى أنه أطلق طائرة مسيّرة على قاعدة للقوات الجوية البريطانية في قبرص أواخر الشهر الماضي، كما زعم أن مسؤولين من الحرس دخلوا لبنان بجوازات سفر مزورة. في 2 مارس أطلق حزب الله ستّ صواريخ عبر الحدود، وقال إن ذلك ردّاً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير وردّاً على أكثر من عام من العدوان الإسرائيلي الذي أودى بحياة المئات.
أثار القرار صدمة واسعة داخل النخبة السياسية والشعبية اللبنانية، خصوصاً بعد تأكيدات نقلت عن حزب الله بأنه لن يدخل مباشرة في الحرب دعمًا لإيران، وهو ما كان يطمئن حلفاءه في الحكومة بمن فيهم رئيس البرلمان نبيه برّي. ردّت الحكومة اللبنانية التي كانت قد بدأت إجراءات لتقييد قدرات الحزب العسكرية بحظر أنشطته العسكرية وطالبت بعض الإيرانيين المرتبطين بالحرس بمغادرة البلاد، لكن هذه الإجراءات لم تُحدث تغييرًا جوهريًا على الأرض حيث يواصل الحزب جهودَه العسكرية ضد إسرائيل، بما في ذلك المواجهات البرية في جنوب لبنان التي يرى سلام أنها تُدار بتوجيه من الحرس.
علاقات ممتدة
ترتبط علاقة حزب الله بالحرس الثوري بعقود من الزمن؛ فقد تأسس الحزب عام 1982، بعد ثلاث سنوات من الثورة الإسلامية، بالتنسيق مع الحرس الذي أصبح منذ ذلك الحين الراعي والداعم الروحي والمالي للمجموعة. وبعد وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 أرسلت ايران ضباطًا من الحرس إلى لبنان لإجراء مراجعة ما بعد الحرب وإعادة هيكلة، بحسب تقارير رويترز. وأُعيد تنظيم تسلسل قيادة الحزب من هيكلية مركزية إلى خلايا أصغر تتمتع بقدر أكبر من الاستقلالية في اتخاذ القرار — نهج يطبّقه الحرس ويُعرف دفاعيًا بـ”الفسيفساء”.
نيكولاس بلانفورد، زميل غير مقيم في مجلس الأطلسي، قال إن مصادر داخل حزب الله والحكومة اللبنانية أفادت بأن الهجوم الصاروخي الأول في 2 مارس نفذته “المقاومة الإسلامية” الجناح العسكري لحزب الله، وربما بتنسيقٍ مباشرٍ مع قوة القدس، الوحدة الخارجية للحرس، وقد لا يكون قادة الحزب الكبار على علم بخطط الهجوم. “أعتقد أن الحرس يقود المشهد”، قال بلانفورد.
حكومة بلا بدائل
أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية يوم الثلاثاء السفير الإيراني شخصًا غير مرغوب فيه ومنحته مهلة حتى يوم الأحد لمغادرة البلاد، في خطوة تُظهر محاولة بيروت للتقليل من النفوذ الايراني داخل أراضيها. جاء ذلك قبل ساعات من إعلان وزير دفاع إسرائيل أن الجيش سيقيم “منطقة أمنية” في جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، أي احتلال فعلي للمناطق الواقعة شمال الحدود بنحو 30 كلم.
ويقول محلّلون إن الخيارات المتاحة أمام لبنان محدودة ما دام القتال مستمراً. فالحكومة كانت تعمل تحت ضغط دولي مكثف على مسألة نزع سلاح الحزب خلال فترة التهدئة من نوفمبر 2024 وحتى الشهر الجاري، لكن الأمم المتحدة أفادت بأن إسرائيل انتهكت وقف النار أكثر من 10,000 مرة. ولتحقيق أي تقدم في مسألة النزع المسلح، يشدد المحلّلون على أن الهجمات الإسرائيلية يجب أن تتوقف أولاً. كما قال الباحث زياد ماجد لـ”الجزيرة”: “كان المفترض تنفيذ نزع سلاح تدريجي للحزب، وهذا ما يتمنى كثير من اللبنانيين حدوثه، لكنه لا يمكن أن يتحقق بينما إسرائيل تقصف.”
الآفاق القريبة لا تبدو مبشرة بوقف فوري للأعمال القتالية؛ أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أن مبعوثيه أجروا مباحثات مع ايران حول احتمال إنهاء الحرب، ونفت طهران حدوث محادثات. وفي لبنان يخشى كثيرون أن لا تُدرج الحملة الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية ضمن أي اتفاق محتمل بين ايران والولايات المتحدة وإسرائيل لإنهاء النزاع، فيما تبدو تصريحات إسرائيلية عن مواصلة التوغّل حتى الليطاني دليلاً على نية الاستمرار عسكرياً.
تهديدات حزب الله
تواجه جهود الحكومة لاستعادة السيطرة على الجنوب عقبات إضافية مع تجدد حماسة حزب الله. قياديون بارزون في الحزب أطلقوا تصريحات لاذعة؛ فقد شبّه محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب، الحكومة اللبنانية بحكومة فيشي الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية، وهو ما أثار انتقادات واسعة ثم قال لاحقًا إن مقصوده أُسيء فهمه. أما وافيق صفا، الذي كان حتى وقت قريب رئيس وحدة الربط والتنسيق لدى الحزب، فأرسل رسالة واضحة للحكومة في مقابلة صحفية: “سنُجبر الحكومة على التراجع عن قرار حظر الأنشطة العسكرية للحزب بعد الحرب، وبغض النظر عن الطريقة.”
الواقع اللبناني يظل معقَّداً ومتقلبًا: مواجهة عسكرية ممتدة، ضغوط داخلية وخارجية على السلطة، وشبكات تأثير إقليمية تعمل خلف المشهد، كل ذلك يجعل أي حلّ سياسي أمراً بعيد المنال ما لم تنجح جهود دولية جدّية لوقف إطلاق النار واستئناف عملية سياسية شاملة.