في يوم الجمعة صعدت مجموعة من الأطفال بملابس حمراء خشبة مسرح برنامج الألعاب التلفزيوني «ميدان العجائب»، المعروض على التلفزيون الروسي منذ أواخر الحقبة السوفياتية. غنّى الأطفال بمرح: «لا نريده، لا نريده… لا نجلس على النت» — أغنية اختتمت بتفاؤل، مقترحةً أن لقاء الأصدقاء في الحي أمتع من التمرير المستمر على الشاشات.
ورغم أن اللعب في الهواء الطلق مفيد للصغار، إلا أن كلمات الأغنية بدت موجهة أيضاً إلى الكبار، في ظل الحرب المستمرة مع أوكرانيا. فقد شهدت مناطق الحدود، حيث تسربت الاشتباكات من أوكرانيا، انقطاعات متقطعة للاتصال على مدى العام الماضي، ثم امتدّ هذا الشهر ليطال مدناً كبرى مثل موسكو وسانت بطرسبرغ.
يرى مراقبون أن المؤشرات تدلّ على تشدّد قبضة الكرملين على الفضاء الإلكتروني. تبدو الانقطاعات مقتصرة على بيانات الهاتف المحمول في الغالب، بينما يبقى الواي‑فاي عاملاً، وقد نجت أجزاء من العاصمة، لا سيما الضواحي، من هذا الإغلاق. لكن الانتقال إلى وضعية عدم الاتصال عطَّل الحياة اليومية: صار من المستحيل مراسلة الأصدقاء أثناء التنقل أو استخدام الخرائط والإرشادات على الهواتف.
«لا يوجد لدينا إنترنت محمول عملياً الآن»، قالت ديانا، معلمة في سانت بطرسبرغ في منتصف الثلاثينيات، لقناة الجزيرة. «هذا يعني أنك لا تستطيع استخدام الخرائط أو التطبيقات، وفي موسكو لا يمكنك حتى إجراء مكالمات من وسط المدينة؛ الهاتف يصبح مجرد قالب حطام. ولا يمكنك سوى الدفع نقداً. باختصار، تشعر وكأنك عدت عشرين عاماً إلى الوراء.»
قدّر صحيفيّة كوميرسانت في وقت سابق من الشهر أن الاقتصاد في موسكو خسر ما بين ثلاثة وخمسة مليارات روبل (حوالي 36–65 مليون دولار) خلال خمسة أيام فقط من الانقطاع. وتبرّر السلطات هذه الانقطاعات بأنها «ضرورية للأمن» في ضوء هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية الأخيرة.
«هذا التبرير لا يبدو مقنعاً كثيراً»، قالت أناستاسيا زيرمونت، مديرة السياسات لشرق أوروبا وآسيا الوسطى في مجموعة الحقوق الرقمية Access Now، للجزيرة. «تعطيل وصول المدنيين إلى الإنترنت أداة خشنة ويعتبرها الخبراء غير فعالة لمواجهة التهديدات المشار إليها.» واقترحت زيرمونت تفسيراً أكثر واقعية: أن هذه الانقطاعات تُستخدم لاختبار ما يسمى «القائمة البيضاء» للمواقع المسموح بها، بحيث تبقى خدمات ومنصات مختارة متاحة فيما يُحجب كل شيء آخر.
وأثارت الانقطاعات سخطاً واسعاً حتى بين من عادةً ما يؤيدون الكرملين. فقد انتقد فياتشيسلاف غلادكوف، حاكم إقليم بيلغورود المواجه للحدود مع أوكرانيا والذي تعرّض لقصف مدفعي وهجمات بطائرات مسيّرة، بقوّة سياسة قطع الإنترنت ودعا روسكومنادزور — سلطة الرقابة الإلكترونية الروسية — إلى «المساءلة أمام القضاء». وفي بث مباشر الأسبوع الماضي تساءل: «من سيجيب عن وفيات أشخاص لم يتمكنوا من الحصول على معلومات عن الطائرات المسيّرة بسبب اغلاق الإنترنت المحمول؟ هل من استخدم هذه الإجراءات فكّر قليلاً؟»
امرأة تتحدث في هاتفها وهي تمر بجانب لوحة إعلانية تروّج للخدمة العسكرية التعاقدية في قوات الأنظمة غير المأهولة للجيش الروسي في أومسك — مشهد بات مألوفاً في مدن تعيش توتراً أمنياً واجتماعياً.
الإنترنت السيادي
تدرّجت الحكومة الروسية في فرض الرقابة الإلكترونية منذ عشرينات العقد الماضي، فوكلت إلى روسكومنادزور مهمة وضع مواقع على قوائم الحجب بزعم محاربة الترويج لتعاطي المخدرات والانتحار وإساءة معاملة الأطفال. وفي الواقع، شملت هذه الممارسات حجب صفحات تقدم مساعدة ونصائح لمن يعانون، وحتى مقالات ويكيبيديا المعنية بتلك القضايا.
في عام 2019 أُقرت «قانون الإنترنت السيادي» الذي ألزم مزوّدي الخدمة بتركيب معدات مراقبة تسيطر عليها الدولة داخل مرافقهم، مما أتاح ترشيح المرور في الزمن الحقيقي، والمراقبة، والحجب الانتقائي لحركة البيانات. «الإنترنت السيادي نموذج لحوكمة الإنترنت تسعى فيه الدولة إلى إحكام السيطرة على البنية التحتية الرقمية وتدفّقات البيانات والمحتوى داخل حدودها»، أوضحت زيرمونت. «بتقييد الوصول إلى المنصات الخارجية، تقلل الدولة من التعرض للتقارير المستقلة ووجهات النظر البديلة، وهو ما يعزّز قدرتها على تشكيل السرد العام لأغراض دعائية.»
وأضافت أن تمرير حركة الإنترنت عبر بنية تحتية خاضعة للرقابة يعزّز قدرات المراقبة، ما يسهل تتبّع الاتصالات وتحديد المعارضين. «هذا يخلق فضاءً رقمياً مداراً بإحكام حيث يتم ترشيح المعلومات والتحكم فيها وقمعها عند الحاجة. ومن هذه الزاوية، لا يتعلق الإنترنت السيادي بالاستقلال الرقمي فحسب، بل بالتحكم في المعلومات وتمكين الحملات الدعائية والمراقبة والرقابة على نطاق واسع.»
منذ غزو 2022 لأوكرانيا شهدت الرقابة الإلكترونية في روسيا تسارعاً كبيراً؛ فحُظرت شبكات اجتماعية شعبية مثل فيسبوك وإنستغرام ومنصة الألعاب روبلوكس وتطبيق المراسلة واتساب بذريعة استخدامها في نشر «أخبار كاذبة» عن الحرب. وتبنى المسؤولون أساليب أكثر غموضاً أيضاً، مثل «الإبطاء المتعمد» للخدمات — أي إبطاء السرعات إلى درجة يدفع المستخدم للاستسلام عناء المحاولة. عندما تعرّضت منصة يوتيوب للتقييد في عام 2024، حمّلت السلطات تباطؤ سرعتها إلى خوادم شركة جوجل، وهو ما نفته الشركة لاحقًا. كما اتخذت السلطات الروسية خطوات للضغط على متاجر التطبيقات ليُحذف منها برامج الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) التي تُستعمل لتجاوز القيود.
أظهرت استطلاعات «ليفادا» المستقلة أن أكثر من ثلث الروس يستخدمون شبكات VPN، لكن الغالبية، ولا سيما كبار السن، لا يزالون يعتمدون على الإنترنت دون مثل هذه الأدوات. ووفقًا لزيرمونت، «بناءً على طلب روسكومنادزور، أزالت آبل بهدوء عشرات خدمات الـVPN من متجر التطبيقات الروسي، ورصدت المراقبة المستقلة اختفاء ما يقرب من مئة تطبيق فعليًا». وأضافت أن «البنية التحتية للفلترة التقنية قادرة على اكتشاف وحجب العديد من بروتوكولات الـVPN الشائعة».
أُغلق الوصول إلى تيليغرام لوقت مؤقت الأسبوع الماضي، وعاد الاتصال فقط يوم الأحد بعد أن واجهت محاولات روسكومنادزور للحجب صعوبات تقنية، وهو ما تنفيه الهيئة. ولم ترد روسكومنادزور على طلبات التعليق من القناة الصحفية.
الاستهداف لتيليغرام
«في رأيي، يُعد تيليغرام اليوم أهم مصدر للتواصل والمعلومات لدى الروس»، قال السياسي الاجتماعي الديمقراطي نيكولاي كافكازسكي. وأضاف: «السبب الأوضح، من وجهة نظري، أن السلطات تسعى إلى تقييد حرية التواصل والتعبير بين المواطنين الروس، رجالًا ونساءً، رغم أن الدستور الروسي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان يكفلان هذه الحقوق… كما تريد قطع الصِلات بين الشتات المعارض ومن تبقّى داخل البلاد».
مؤسس ومدير تيليغرام، المولود في سانت بطرسبرغ باڤل دوروف، الذي اعتُقل في فرنسا العام الماضي بتهم تتعلق بعدم منع أنشطة غير قانونية على التطبيق، كان على مدى سنوات في صراع مع الحكومة الروسية بشأن حرية التعبير. في 2014 باع حصته في منصة التواصل الاجتماعية الشهيرة التي أسسها (VKontakte) وغادر روسيا. ومنذ ذلك الحين تصف السلطات تطبيقه بأنه أداة يستغلها حلف الناتو والمخابرات الأوكرانية.
في سياق الحرب الروسية–الأوكرانية استُخدم تيليغرام كأداة تواصل من طرفَي النزاع، لكن وسائل إعلام روسية مستقلة أبلغت عن أوامر تُعطى للجنود بحذف التطبيق وإلا فسيُعاد توزيعهم إلى كتائب «ستورم-زد» المرعبة، المرسلة في مهام انتحارية إلى خطوط العدو. وفي فبراير فتحت روسيا تحقيقًا جنائيًا ضد دوروف بتهمة تسهيل «الإرهاب»؛ وفي تلك الأثناء بدأ تقييد تيليغرام تمهيدًا لحجب كامل مقرر دخوله حيز التنفيذ في الأول من أبريل.
قَلّل ديما، مستشار سياسي مقيم في موسكو في أوائل الثلاثينيات ولم يرغب في الكشف عن اسمه الكامل خشية تداعيات، من وطأة الانقطاع: «تيليغرام ظل يعمل حتى من دون VPN، لكنه كان يعرض النصوص فقط. باختصار، حُرم العاديون وكبار السن الذين لا يملكون VPN من تيليغرام. أصبح تيليغرام نادٍ للنخبة. بخلاف ذلك، لم يتغير شيء».
فضاء إلكتروني بديل وظهور «ماكس»
سعت الحكومة إلى الترويج لفضاء إلكتروني بديل يحلّ محل تيليغرام ومنصات التواصل الأخرى. بعد تقييد يوتيوب ظهرت عدة محاولات روسية مقلّدة لليوتيوب، أُطلق عليها تسميات مثل «قاتلي يوتيوب» مثل Nuum وPlatforma، لكنها واجهت صعوبات في اكتساب شعبية حقيقية. أما VK Video المرتبط بشبكة VK فظل الوحيد تقريبًا الذي ينافس يوتيوب من حيث المشاهدات.
لكن التطبيق الجديد الأكثر حديثًا جدلًا هو «ماكس». فـماكس يتجاوز كونه مجرد بديل للدردشة ومشاركة الأخبار، إذ صُمم ليكون تطبيقًا فائقًا يلبّي مجموعة واسعة من احتياجات المواطنين. قالت ديانا، المعلمة: «نزلتُه على هاتفي الثاني. الآن لم تعد لدينا خيارات — إذا أردت حجز موعد طبي أو دفع ضرائب، على سبيل المثال، عليك إنجاز ذلك عبر ماكس. رمز الوصول إلى الخدمات الحكومية لا يصلك من أي مكان آخر».
لم تُثبّت ديانا ماكس على هاتفها الرئيسي خوفًا من أن يكون التطبيق، إلى جانب مشاركة فيديوهات قطط مرحة، أداة مراقبة جماعية. وتقول زيرمونت إن «ماكس لا يَكتفي بتسجيل رسائل المستخدم أو بيانات التعريف فحسب. ماكس قادر على الإبلاغ عن تحركاتك في الزمن الحقيقي — أداة قد تكشف عن حضور المظاهرات أو التجمعات السياسية، أو تتبّع اتصالاتك وتنقّلاتك»، وأضافت أن التطبيق يجمع بيانات المستخدمين: العمر، الجنس، الروابط بحسابات أخرى، وحتى سجل البحث، ما يعرض المستخدمين لغرامات وعقوبات لمجرد البحث عن ما تعتبره السلطات محتوى «متطرفًا» — كمصطلح فضفاض يشمل، على سبيل المثال، «الحركة الدولية للمثلية الجنسية».
وبحسب زيرمونت، فالتطبيق قادر على عمليات أكثر توغّلًا تقضي بتفعيل الميكروفون أو الكاميرا أو تسجيل الشاشة صامتًا حتى حين يعتقد المستخدم أن التطبيق في وضع الخمول؛ وهو ما يثير رفضًا وانتقادات من طيف سياسي واسع، سواء من المعارضين مثل كافكازسكي أو من المدونين المؤيدين للحرب الذين صار تيليغرام منصة رئيسية لهم.
خلال الشهر الماضي قامت السلطات بقمع احتجاجات ضد قيود تيليغرام في أنحاء البلاد. ويقول كيريل، من سانت بطرسبرغ (39 عامًا): «لقد حُرمت الأجيال الشابة من كل خدماتها الشعبية، وقبلًا كان يُمكن إلقاء اللوم على العقوبات الغربية عندما تُعطّل أنظمة مدفوعات مثل SWIFT، أما الآن فالدولة الروسية هي من تسحب هذه الخدمات منا. الجيل الأصغر لا يرى إلا انتهاكات لحدوده الشخصية».
ترى زيرمونت أنه بينما ستُستعاد الخدمات المعتمدة من الدولة لتهدئة السخط الشعبي، فإن المسار العام يشير إلى تطبيع انقطاعات الإنترنت بحيث تتمكن الحكومة من التحكم في الوصول أثناء «لحظات حسّاسة». ومع ذلك، من غير المرجح فرض حظر تام على شبكات الـVPN حتى تسمح لبعض المنظمات الاحتفاظ بوصول «لاستخدام مشروع». ومع ذلك، وبالنظر إلى المسار الأوسع للسيطرة الرقمية في السنوات الأخيرة، فإن «لا شيء يمكن استبعاده تمامًا»، كما خلصت.