الادعاءات بإصابة أو وفاة مجتبى خامنئي لن تغيّر مسار إيران — حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران

عند الإعلان عن انتخاب مجتبى خامنئي زعيماً أعلى جديداً لإيران اعتبر كثير من المراقبين ذلك بالأساس تأكيداً على بروز نظام متشدد جديد في طهران. أما الشائعات اللاحقة عن إصابته أو وفاته، التي اشعلها غيابه عن الظهور العام، فقد زادت من التكهنات حول انعكاسات ذلك على النظام الإيراني.

قليل من التحليلات تدرك أن عملية توطيد السلطة الجارية في إيران هي عملية بنيوية أكثر منها مسألة شخصية. ما عززته الحرب ليس مجرد خليفة محدد، بل نظام أوسع لحكم أمناني تتجاوز منطقُه أي خليفة بعينه. وهذه الديناميكية ستستمر سواء بقي مجتبى خامنئي في القمة أم غاب عنها.

إعادة هيكلة اقتصادية

لفهم التحولات الجارية في إيران يجب تجاوز حبكات الخلافة والعودة إلى الاقتصاد السياسي. بعد نهاية الحرب مع العراق في 1989 دخلت إيران مرحلة ممتدة من “إعادة هيكلة موجهة نحو السوق”. وتحت شعارات الخصخصة والتنمية الاقتصادية لم يختفِ دور الدولة، بل أعيد تنظيمه.

انتقلت أصول عامة إلى يد تكتلات شبه حكومية، مؤسسات وقف ثورية، ومؤسستات ذات صلات سياسية. ما نشأ لم يكن دولة أقل حضوراً، بل تكويناً مختلفاً للسلطة: أقل خضوعاً للمساءلة وأكثر امتلاءً بآليات إعادة التوزيع نحو الأعلى.

على هذا المسرح تشكل ما أسميه «المجمع العسكري-الوقفي». بعد تعديل المادة 44 من دستور 1979 التي سمحت لـ«الكيانات العامة وغير الحكومية» باقتناء ما يصل إلى 80% من أسهم الصناعات الكبرى، شهدت السنوات التي تلت 2006 نقل أصول واسع النطاق من الوزارات الحكومية إلى شركات مرتبطة بالحرس الثوري وجمعيات وقفية ثورية مثل مؤسسة المستضعفين، ستاد، آستان قدس الرضا، ومؤسسة الشهداء.

وبالتالي كانت التكتلات ذات الصلة بالأمن من بين المستفيدين الرئيسيين من هذه «التحريرات السوقية». وبحلول نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة تشكلت كتلة كثيفة ربطت بين مؤسسات القمع ورأس المال الشبه حكومي: شبكة سيطرت على قطاعات رئيسية من الاقتصاد بينما وسعت نفوذها في قلب الدولة غير المنتخب.

يقرأ  «بادرة حب»المطبخ الإيطالي ينضم إلى قائمة التراث الثقافي لليونسكوأخبار الفن والثقافة

العقوبات وترسيخ السلطة

بعد أربع جولات من عقوبات مجلس الأمن الدولي بين 2006 و2010 غيّرت الولايات المتحدة استراتيجيتها نحو فرض تدابير أحادية وسلطوية تستهدف صادرات النفط الإيرانية ونظامها المالي ووصولها إلى البنوك الدولية. وتفاقمت العقوبات مجدداً بعد انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي في 2018.

لم تُقلب هذه العقوبات التحول البنيوي في الدولة، بل عمّقته. على خلاف التصور الشائع للعقوبات كأدوات تهدف إلى إضعاف الأنظمة الاستبدادية من الخارج، كانت نتائجها في إيران أكثر اختلالاً وانعكاساً.

ألحقَت العقوبات أضراراً هائلة بالاقتصاد العام، وفي الوقت نفسه منحت نفوذاً انتقائياً لمن هم في أفضل وضع للعمل ضمن غموض، القسر، والتهرب من العقوبات. ومع تقلص سبل التجارة والتمويل الرسمية ازداد قيمة الشبكات الظلية، القنوات المحمية، وتكتلات الوساطة والأمن.

النتيجة لم تكن دولة أضعف فحسب، بل دولة أكثر أمننة. وتحمّلت الطبقات الفقيرة والكادحة كلفة هذا النظام: تضخّم، بطالة، عمل هزيل، تقليص دعم، اتساع الفوارق، واستبعاد سياسي متزايد.

هذا هو السياق الأوسع الذي يجب أن توضع فيه انتفاضات العقد الماضي: من احتجاجات 2017 و2019 إلى موجة «زن، زندگی، آزادی» واحتجاجات يناير 2026 التي سبقت الحرب الراهنة. هذه الحركات لم تنشأ من فراغ، ولا يمكن اختزالها بصراعٍ بسيط على الحريات الاقتصادية والاجتماعية. لقد نشأت من أزمة مركبة في المعيشة والشرعية والتمثيل. عبّرت عن غضب ليس فقط من القمع، بل من نظامٍ باتت استبعادهاتُه مادية كما هي قضائية: نظام جمع بين تجريد neolibERAL (النيوليبراليّة) من الحقوق وإدارة العقوبات مع تشديد إغلاق سلطوي.

الحرب وآفاق سياسية ضيقة

الانتفاضة التي كانت واشنطن وتل أبيب تدعوان إليها عند اندلاع الحرب لم تتحقق. بدلاً من ذلك أعلن قائد الشرطة الوطنية الإيرانية، أحمد رضا رادان، أن الدولة تنظر الآن إلى «كل قضايانا» من منظار الحرب، محذراً من أن من يخرجون إلى الشوارع سيعاملون ليس كمحتجين بل كأعداء.

يقرأ  الولايات المتحدة تسحب تأشيرات مسؤولين تنفيذيين هنود إثر اتهامات تتعلق بالفنتانيل

وعندما قال إن «أصابع القوات على الزناد» كان المقصود واضحاً: تحذير مباشر بأن أي معارضة داخلية ستقابل بالقوة المسلحة في ظل شروط الحرب.

هذا لا يعني أن الجمهورية الإسلامية كانت قبل الحرب أكثر تساهلاً مع المعارضة. بالعكس، لطالما واجه النظام الانتفاضات الشعبية بعنف فائق. على مدار العقد الماضي كانت الاحتجاجات أكثر امتداداً جغرافياً، أكثر تبايناً اجتماعياً، وأكثر وضوحاً في طابعها المناهض للنظام، فتصاعد رد الدولة تماشياً.

ما غيّرته الحرب ليس وجود القمع، بل منطقُه السياسي ولغته الشرعية. فقد منحت المواجهة الخارجية للنظام إطاراً جديداً لتجريم المعارضة الداخلية، عسكرة مطالبها، وقمعها استباقياً. ويتم عن عمد طمس الفاصل بين العدو الخارجي والمعارض الداخلي.

المسألة أكبر من مجرد زيادة كمية القمع؛ لقد سرّعت الحرب تحول القواعد اللغوية للسلطة نحو منطقٍ عسكري يُنظر فيه إلى المجتمع في المقام الأول ككائن يجب مراقبته وتأديبه وإدارته كتهديد. الحرب إذن لا تُصلب السياسة الخارجية فحسب، بل تعيد تشكيل الحقل الداخلي، وتوسع سلطة المؤسسات الأكثر اعتماداً على حالة الطوارئ والأمن والقوة.

إيران مع أو بدون مجتبى

لهذا السبب تكمن أهمية انتخاب مجتبى خامنئي في الاستمرارية لا في الحداثة. ولو تبينت صحة شائعة وفاته، فمن غير المرجح أن تتغير هذه المسارات جذرياً.

خلال حكم والده علي خامنئي تحوّل مكتب المرشد إلى قيادة مؤسسية مركزية للنظام، تمتد نفوذها عبر الأمن والمالية والاتصالات والحوزات والدولة الواسعة غير المنتخبة. لم يكن ذلك مجرد توسع إداري، بل ردٌ سياسي على عجزٍ في السلطة. مقارنة بخميني، افتقر علي خامنئي إلى نفس السطوة الكاريزمية والوقوف العلمي، فعوّض ببناء المؤسسة حوله.

النتيجة أن للمكتب الآن أهمية تفوق الفرد الذي يشغله. وإن غاب مجتبى فسيأتي خلفٌ له على الأرجح من نفس محيط رجال الدين والأمن، وسيظل متوائماً مع المجمع العسكري-الوقفي الذي يهيمن اليوم على مركز الدولة coercive والاقتصادي.

يقرأ  وفاة زعيم المعارضة الكاميرونية المثير للجدل أثناء الاحتجاز عن عمر يناهز 74 عاماً

حتى لو افتقر الخليفة الجديد مبدئياً إلى تموضع مجتبى السياسي أو إلى رصيد علي خامنئي من السلطة المتراكمة، فإن بنية المكتب مصممة لتجميع السلطة مع الوقت. سيبقى البعد الديني هامّاً، لكن بشكل متزايد كمصدرِ شرعيةٍ لنظامٍ مركز ثقله الحقيقي في الأجهزة الأمنية والمؤسسات المحيطة بمكتب المرشد.

ما ستنتجه إيران بعد الحرب على الأرجح ليس نظاماً يتجاوز القيادة العليا، بل جمهورية إسلامية أكثر تشدداً وأمْنية. عملياً، يعني ذلك نظاماً أكثر قساوة وضيقاً وعسكرةً. بدلاً من فتح أفق للتغيير فإن الحرب ستعمّق الاتجاهات الجارية: تضييق المجال السياسي، مزيد من الاعتماد على القسر، ونظام حكم أكثر غموضاً.

آراء الكاتب في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظره الخاصّة ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.

أضف تعليق