عندما تتحول جرائم الحرب إلى أمرٍ مألوف أمرٌ يجب أن يُرعبك — الحرب الأميركية‑الإسرائيلية ضد إيران

على مدى عقود، اعتاد قادة مسؤولون عن جرائم حرب أن يتظاهَروا بالجهل أو يزعموا أنها أخطاء معزولة وأن أياديهم نظيفة. ما تغيّر في الشرق الأوسط اليوم هو ذلك الاحتقار المتعجرف الذي أبدته الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، حين تجاهلوا أو سخروا أو تحدّوا القوانين الدولية التي تحمي المدنيين. وإذا لم يعِد المجتمع الدولي بسرعة تأكيد دعمه لتلك القواعد، فقد ينسى نفسه ويقبل بتقويضها.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي صرّح لصحيفة نيويورك تايمز بأنه «لا يحتاج إلى القانون الدولي» وأن الضابط الوحيد على سلطته هو «أخلاقه الشخصية»، ووزير الدفاع بيت هيغسِث الذي ازدرى ما وصفه بـ«الشرعية الفاترة» مفضِّلاً «الفتك الأقصى»، أظهرا علناً تجاهلاً طبيعياً لسلامة المدنيين المتأثرين بالحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، والتي دخلت شهرها الثاني.

بعد إعلان البيت الأبيض أنه «دمر» جزيرة خارك الإيرانية، قال ترامب لقناة NBC: «قد نضربها مرة أو مرتين أخرى من باب المتعة». وصرّح هيغسِث بأن «لا رحمة» ستُمنح لأعداء إيران—عبارة تبيح قتل من ينوون الاستسلام بدل القبض عليهم، وهو سيناريو تُدرّسه الأكاديميات العسكرية الأميركية كنموذج لجريمة حرب.

لاحقاً، لم تقتصر المخاطبات الاستفزازية على الولايات المتحدة وحدها. وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيلي كاتس هدَّد بهدم منازل في جنوب لبنان ومنع مئات الآلاف من المدنيين من العودة إلى قراهم، في تكرار بليغ لخطاب التحقير نفسه الذي شهدناه في غزة.

من جهة أخرى، أعلنت الحرس الثوري الإيراني أن المصارف والشركات الاستثمارية والسفن التجارية الأميركية أهداف مشروعة رغم طابعها المدني. وهدد متحدث باسم الحرس بأن أي احتجاجات شعبية ستقابل «ضربة أشد» من مجزرة يناير التي راح ضحيتها آلاف. ومذيع على قناة رسمية ذهب أبعد من ذلك، مهدداً المغتربين بعواقب «تجعل أمهاتهم تبكي على فقدانهم».

يقرأ  باراماونت وسكايدانس تستعدان لتقديم عرض بقيمة ٧١ مليار دولار لشراء وارنر بروس ديسكفري — تقرير

ينبغي أن يلفت انتباهنا هذه العبارات ليس فقط لأنها تنم عن تجاهل صارخ لحياة المدنيين، بل لأن القادة الذين نطقوا بها يبدو أنهم يقصدونها بجدّية.

حتى الآن قُتل أكثر من 2000 شخص في إيران، وأكثر من 1200 في لبنان، و17 في إسرائيل. وقد أجبر عددٌ من السكان يصل إلى عدة ملايين في الخليج وإسرائيل ولبنان على النزوح أو الفرار من منازلهم. وبناءً على تقرير عسكري أميركي أولي، كانت القوات الأمريكية مسؤولة عن هجوم قاتل استهدف مدرسة ابتدائية في ميناب بإيران، قضى فيه أكثر من 170 طفلاً وموظفاً.

أطلقت القوات الإسرائيلية قنابل الفسفور الأبيض، الذي يحرق حتى العظم، على منازل لبنانية رغم الحظر الواضح لاستخدامه كسلاح في مناطق مأهولة. وإيران أطلقت عنقَاتٍ عنقودية محظورة دولياً على مدن إسرائيلية وهجمت سفناً تجارية في مضيق هرمز.

الجهاز القانوني الدولي المصمَّم لحماية المدنيين أثناء النزاع لم ينهدم بين ليلة وضحاها. إن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أثناء عمليات عنف واسعة النطاق ضد السكان الفلسطينيين في غزة—الذي شمل تدمير مستشفيات وشبكات مياه، وعمليات قصف جوي مدمرة حولت أحياء كاملة إلى أنقاض وقتلت عشرات الآلاف على مدى عامين ونصف—أوجد شعوراً بأن بعض القادة فوق القانون.

وتستمر تلك الازدواجية فتُفقد الاحترام للقانون الدولي مصداقيته. عندما ضربت إيران منشآت طاقة في الخليج، جاءت الإدانة في ساعات معدودة، بينما حين أسقطت إسرائيل فسفوراً أبيض على أحياء لبنانية، خفتت أصواتٌ عدة حكومات. على القادة أن يقولوا بصراحة وبدقة مماثلة إن هجمات على محطات طاقة إيرانية، ومنازل لبنانية، ومنشآت مدنية خليجية هي انتهاكات لقوانين الحرب، بغض النظر عن الفاعل. وإلا تحولت القواعد إلى مطية لمعاقبة الخصوم فقط.

اتفاقيات جنيف تلزم كل دولة ليس فقط الالتزام بقوانين الحرب، بل أيضاً العمل على ضمان احترامها عالمياً، بما في ذلك رفض تسليح قوات تُتهم بخرقها.

يقرأ  استكشف فنّ وحياة الفنان جان ميشيل باسكياتموارد قابلة للطباعة مجانًا

ورغم ذلك، تستمر الأسلحة في التدفق إلى أطراف متحاربة من جهات متعددة دون مراجعات دقيقة لتأثيراتها المتوقعة. الحكومات الأوروبية التي تزود أسلحة أو تمنح حقوق عبور وإقامة لقوات تقصف المدنيين بصورة غير قانونية ليست متفرجة فقط. وإذا كانت أفعال القوات الأمريكية والإسرائيلية تطابق الخطاب غير المسؤول لقادتها، فقد تجد الدول التي تزوِّدها بالسلاح أو تساعدها أنها شاركت فعلياً في جرائم حرب.

كما في حروب يوغوسلافيا السابقة أو في أوكرانيا مؤخراً، لا بد من توثيق ومساءلة فورية أثناء استمرار النزاع، لا بعده. اليوم، تعمل أطراف القتال في الشرق الأوسط على منع ذلك: فرضت إيران قطعاً شاملاً للإنترنت واعتقلت من شاركوا لقطات للغارات؛ إسرائيل حجبت البث المباشر واعتقلت صحفيين؛ دول خليجية احتجزت مواطنين لنشرهم صوراً؛ وفي الولايات المتحدة هدّد مجلس الاتصالات الفدرالي بإلغاء تراخيص إذاعات تغطِّي الحرب على إيران بمساس غير مؤاتٍ لإدارة ترامب.

على حكومات تملك قدرات استخباراتية متقدمة أن تحفظ وتشارك الآن أدلة جرائم الحرب: صور فضائية، اعتراضات اتصالات، فِيديوهات منشورة. تحتاج هيئات التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى موارد إضافية فورية. وعلى الحكومات أن تتحدث بوضوح عن أهمية تحقيق العدالة في جرائم الحرب.

إن تأجيل هذه الجهود إلى ما بعد وقف إطلاق النار قد يمحو الأدلة، وقد يتبدل الإرادة السياسية للمساءلة بسرعة. الخصوم يعرفون ذلك، وربما يعوّلون عليه.

القادة الذين ينقضون اليوم قوانين الحرب قد يتصورون أنهم سيكسبون من عالم بلا قواعد، حيث تحسم القوة الغاشمة كل المسائل وتُعد كل الأضرار المدنية خسائر عرضية. لكن بتجاهلهم مبدأ عدم المعاملة بالمثل—الذي يبيّن أن انتهاكات طرف لا تبيح انتهاك الطرف الآخر—أطلقوا دوائر من الضرب المتبادل التي تهدّد جنودهم ومدنييهم على السواء.

من يرى في النظام القائم وسيلة لجم وحشية الحرب عليه أن يدافع عنه الآن. وإلا فقد يضطر يوماً إلى تبرير الصمت أمام أجيال قادمة بينما كان كل شيء يحترق.

يقرأ  كيف أضاعت وكالة الاستخبارات المركزية جهازًا نوويًا في جبال الهيمالايا؟

الآراء الواردة في هذا المقال تخص كاتبها ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.

أضف تعليق