لم تكن جيسيلا كولون تخطّط أبداً لأن تصبح فنانة.
«درست القانون لأنني ظننت أنه سيحميني»، تقول كولون، تستذكر طفولة في بورتو ريكو تشكّلت بقدر ما باللااستقرار قدر ما بالمزرعة في أطراف بيامون حيث نشأت.
غادرت سان خوان عام 1987 بعد نيلها منحة ترومان، وشقّت طريقها في مهنة القانون البيئي في كاليفورنيا، أمضت عقديّها الثاني والثالث في الحياة في تربية ولديْن. كانت ممارسة الفن، التي تعلمتها من والدتها الرسّامة، أمراً ثانويّاً. لم تعد إليه بكامل وجودها إلا عندما غادرا أولاداها إلى الجامعة. «كانت تلك وقتي»، تقول.
مقالات ذات صلة
بعدما قاربت مسيرة طويلة تقارب الأربعين عاماً، باتت كولون اليوم موضوع عرضين منفردين مؤسّسيين: «الأرض المضيئة» في متحف بروس و«الجبل، الكتلة الأحادية» في متحف الفن المعاصر في بورتو ريكو — عرضان ثنائيان يشكلان في آنٍ واحد محطة مهنيّة وعودة إلى الموطن. تمثلها في المعارض الوكيل والتر أوتيرو، وعلى مدى العقد الماضي بنَت حضوراً دوليّاً بأعمال تركّت آثارها من مشاركات في Desert X العُلا إلى مواقع قرب أهرامات الجيزة، ودخلت أعمالها مجموعات مثل متحف مقاطعة لوس أنجلوس للفنون، ومتحف بيريز للفن في ميامي، وإل ميوزيو ديل باريو.
ثمة حوار فضفاض بين عملها والتخليّة (مينيماليزم) وحركة الضوء والمساحة وفن الأرض، لكنها تفضّل تسميتها الخاصة: «التقليليّة العضويّة» — طريقة لوصف منحوتات تُعنى أقل بالشكل منه بالمادّة؛ بما صُنعت منه وإلى أين ينتمي مصدرها.
في متحف بروس يتجلّى هذا التفكير في مجموعتين من العمل. الأولى «حبّات» مركّبة على الجدران تبدو حيوية الشكل، شبيهة بالخلايا، بين موضوع تصميمي وكائن حي. أمّا الكتل الأحادية، فهي أطول وأكثر تقشّفاً، وتغيّر ألوانها مع تحرّك الضوء الطبيعي داخل القاعة.
«إنها تجربة سحريّة عندما تقف أمامها»، تقول مارجريتا كاراسولاس، أمينة معارض في بروس التقتها أول مرة العام الماضي في صالة تريبيكا لإفرين لوبيز وساعدت في إحضار المعرض إلى المتحف. «تتبدّل مع الضوء… يتوقف الناس في مساراتهم».
«ما تراه لا يصبح ممكنًا إلا بكيفية استخدامها لهذه المواد»، تضيف دانييل أوستيين، المشاركة في إعداد المعرض، مشيرة إلى استعمال كولون للبلاستيك والأصباغ الهندسية لخلق سطوح تتغيّر بازدياد حركة المشاهد حولها.
كانت كاراسولاس تفكّر في كيفية تفعيل صالة النحت المُوسّعة والمشرقة بالمتحف، فراغ يجتمع عنده الفن والعلم. عمل كولون، الذي يدمج مواد بدرجة ناسَبيّة لصناعة الطيران ويتعاون مع عمليات علمية، انسجم طبيعياً مع هذا الإطار.
قد تبدو المنحوتات وكأنها صُنعت آليّاً، لكنها ليست كذلك. كل قطعة تُصبّ وتُبنى باليد بطبقات، مع أصباغ مرتبطة بأماكن محددة. في بروس، تشير عدة كتل إلى مواقع بورتوريكية — أنظمة نهريّة، كهوف، تكوّنات ساحلية — بينما الأحجار المرتّبة حولها جاءت من صحراء كاليفورنيا قرب استوديو كولون، لابتكار مناخٍ صغير داخل المعرض.
كولون كثيراً ما تتحدث عن عملها بمصطلحات الزمن. الحبات تتعلّق بالجسد والإدراك. الكتل تشير إلى أبعاد أطول، جيولوجية أو حتى روحية. عندما تتحدث عن أعمالها، تبرز كأنها امتداد جسدي لها.
«أشعر أنه في حياة سابقة كنت صخراً. كنت قطعة بازلت. كنت جبلًا. الجبال داخلي»، تقول.
هذه الفكرة تعود جذورها إلى طفولتها في بورتو ريكو، حيث نشأت بين سان خوان وبيامون. كان والدها كيميائياً؛ ووالدتها علمتها التعامل مع اللون منذ الصغر. تتذكر أنقص اللحاء من شجر الأوكالبتوس في مزرعة جدها، ومراقبة الطبقات وهي تنكشف ثم تلتئم.
«كان ذلك درسًا مبكراً»، تقول، «في كيفية تحوّل الطبيعة».
في أعمالها تظهر تلك التجارب الأولى في المواد نفسها. الأصباغ تستحضر مناظر طبيعية محددة. الأشكال تردد الكهوف والأنهار والجبال. التاريخ الشخصي مطوي داخل البنية المادية للأشياء.
يجعل عرضها الموازِي في سان خوان هذا الارتباط صريحًا. في متحف الفن المعاصر تُعاد الأعمال إلى التضاريس التي شكلتها، من غابات إل يونكي المطيرة إلى كهوف كاموي، حيث تشبه التكوينات المعدنية التي شُكّلت على مدى ملايين السنين الأشكال التي تتخذها منحوتاتها. إنه، بحسب تعريفها، لحظة إغلاق للدائرة.
في الوقت نفسه، باتت بورتو ريكو نفسها أكثر بروزاً في الحوار الثقافي العام، مدفوعة جزئياً بشخصيات مثل باد باني. ترحّب كولون بتلك الأضواء لكنها تقاوم الفكرة أنها بداية.
«أعتقد أنه جلب الانتباه»، تقول. «لكننا كنا هنا دائماً».
ثم تبدأ في تعداد الأسماء: روبرتو كليمنتي، ريتا مورينو، راول جوليا، ريكي مارتن. بورتو ريكو جزيرة صغيرة، يزيد طولها قليلاً عن مئة ميل، لكنها تنتج على مقياس يبدو غير متناسب.
«كيف يحدث ذلك؟» تسأل. وإجابتها بسيطة: «أتعلمون أن بورتو ريكو، الجزيرة الفعلية، مكوّنة من بقايا بركان غاص ثار قبل ملايين السنين»، تقول. «إنه استعارة جميلة لأنني أحياناً أشعر أننا على وشك الانفجار، أتعلمون؟ الناس يرون قليلاً فقط، ما على السطح، لكن تحت ذلك كان هناك دائماً جبل من الطاقة».
تُرى تلك الفكرة في العمل. تبدو الكتل كأنها تشكّلت على مدى زمن بدل أن تُصمّم دفعة واحدة. الحبات توحي بشيء ينمو ببطء وباستمرار. حتى لوحاتها الأحدث، المصنوعة بغبار نيزكي ومواد بركانية، تدفع تلك الفكرة إلى أبعد من ذلك، إذ تدمج مواد من أماكن مختلفة في سطح واحد.
غادرت بورتو ريكو لأنها ظنّت أنها مضطرة لذلك. وعادت لتكتشف أنها كانت هناك دائماً — أقل مكانًا وأكثر شيئًا شكل طريقتها في رؤية العالم.