«نرفض الاحتفال» — المسيحيون في غزة يحيون عيد الفصح في أجواء حزن وسط اتهامات بالإبادة الجماعية

غزة — عيد الفصح: احتفال يكتنفه الحزن

يُعد عيد الفصح مناسبة احتفالية للمسيحيين حول العالم، لكنَّ قلة المسحيين في غزة وجدت فيه عطلة كئيبة أخرى في ظل ما تصفه منظمات وناشطون بأنه إبادة جماعية مستمرة على يد إسرائيل.

وسط موجات التهجير ونقص الحاجات الأساسية، احتفل المسيحيون يوم الأحد بأهم أعيادهم التي تُحيي ذكرى قيامة يسوع المسيح، في صلوات وخدمات وجلسات هادئة حمَلت معانٍ عميقة للعائلات المتشبثة بالأمل في البقاء والسلام.

تُقدَّر أعداد المسيحيين في غزة بأقل من ألف شخص. كانت الجالية صغيرة قبل اندلاع الحرب، وقد قتل العديد من أفرادها منذ ذلك الحين في هجمات استهدفت منازلهم وكنائسهم. وهم من بين أكثر من 72 ألف فلسطيني قتلوا بفعل العمليات الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023، تاريخ بدء الحرب على غزة بعد هجمات قادها حماس داخل إسرائيل. لجنة تابعة للأمم المتحدة ومنظمات حقوقية وصفت الحرب بأنها إبادة جماعية ضد الفلسطينيين.

في كنائس غزة، كانت الصلوات والطقوس والاجتماعات الهادئة محطات للتسليم بالمعنى والذكرى، بينما أحست العائلات بمرارة الفقد وجسامة التحديات.

فرّ كثير من أعضاء الجالية من قطاع غزة، الذي عاش فيه المسيحيون بلا انقطاع لأكثر من ألفي عام. لكن شح السلع الأساسية لقي بظلاله على الاحتفال: الكهرباء والمياه والطعام، بما في ذلك البيض المستخدم في تقاليد الفصح، كلها نادرة.

لسنوات طويلة، كانت إسرائيل تفرض قيوداً على دخول وخروج البضائع من وإلى غزة، وقد تكاثفت هذه القيود خلال ما تصفه الجالية بالابادة الجماعية. ورغم وجود ما يُسمى «وقف إطلاق نار» منذ أكتوبر، استمر الإسرائيليون في ممارسة الخنق والقيام بهجمات على القطاع الذي يسكنه أكثر من مليوني فلسطيني، الغالبية العظمى منهم نازحون.

فؤاد أيّاد، مدرِّب في مجال الطاقة الحيوية ومهجّر من منزله قرب مستشفى الرنتيسي للأطفال بغرب غزة، قال إنه بحث عن بيض في أسواق غزة لكنه لم يجده. «نزيّن البيض للأطفال الصغار، وأحياناً يزورنا أطفال مسلمون ليأخذوا بيضاً ملوناً»، قالها لقناة الجزيرة.

يقرأ  مجلة جوكستابوز لنجتمع بازدهار في متحف بوفالو إيه كيه جي للفنون

غداء جماعي

نَدِم فؤاد على أن عائلته لن تُقيم الغداء الجماعي المعتاد في عيد الفصح لأن اللحوم نادرة وغالية الثمن. استعاد في حديثه ذكريات زيارات الأقارب والأصدقاء خلال العيد، وجو الفرحة والعديد من التقاليد: «كنا نجتمع لتناول الغداء الجماعي ونلون البيض. كان عيداً جميلاً ملؤه السرور»، مستذكراً ما قبل الحرب. «كنا نزور كبار السن ونصلي لأجلهم ونُعاين بعض الجيران المسلمين».

تعرضت كنيسة العائلة المقدسة، التي كان فؤاد يرتادها، لعدة هجمات خلال الحرب. «في هذه الكنيسة، فقدت ثلاثة من أقاربي، وفي هجوم آخر قُتل أكثر من عشرين مسيحياً»، قال. هذا العام تراجع حضور صلوات الفصح في الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في غزة بسبب نزوح عدد من المصلين. «رغم أننا أقلية صغيرة، سنستمر في الصلاة في كنائسنا»، أضاف.

«أدَّينا الصلوات فقط، وامتنعنا عن الاحتفال احتراما لشهدائنا»، قال لفؤاد للجزيرة، مضيفاً: «نحن المسيحيون جزء من هذه الأرض وتشاركنا المعاناة مع الجميع في غزة». وأضاف: «بغض النظر عن أجندتك السياسية أو دينك، كلنا نحن الفلسطينيون مستهدفون من قبل الأحتلال».

قيود إسرائيلية حالت دون سفر المسيحيين إلى المدينة القديمة في القدس الشرقية لحضور طقوس كنيسة القيامة خلال العامين الماضيين. الأسبوع الماضي منعت الشرطة الإسرائيلية البطريرك اللاتيني للقدس، الكاردينال بييرباتيستا بيتزابالا، من دخول كنيسة القيامة، ثم تراجعت عن القرار بعد إدانات دولية. كما أُغلِق المسجد الأقصى، ثالث أقدس موقع في الإسلام، أمام المصلين المسلمين منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً على إيران.

«فقدت أصدقاء»

إلياس الجلدة من حي تل الهوا في مدينة غزة اضطر للفرار من منزله مع أسرته المؤلفة من خمسة أفراد بعدما دمره القصف. «لجأت إلى كنيسة العائلة المقدسة أثناء الحرب، ومنذ وقف إطلاق النار وأنا أستأجر شقة في حي صبرا»، قال الرجل الستيني.

يقرأ  متلازمة المحتال في التعلمكيف تُعطِّل نموّ المهارات؟

«مثل كثير من المسيحيين، رفضت النزوح إلى جنوب غزة وبقينا في الكنائس رغم الخطر. أقام بعضنا في كنيسة القديس بورفيريوس، لكن معظمنا بقي في كنيسة العائلة المقدسة»، أضاف. وقد تعرضت الكنيسة لعدة ضربات، كما قال إلياس، مشيراً: «فقدت أصدقاء وجيرانًا وأقارب، كثيرون منهم قُتلوا بينما كانوا يحاولون البقاء قرب منازلهم وإيمانهم».

كان عيد الفصح بالنسبة إلى إلياس وقتاً للفرح والاحتفالات: «كانت العائلات تحتفل في المنازل بزيارة الأقارب واستقبال الأصدقاء. كانت الكنائس والبيوت تفيض بتقاليد مثل تلوين البيض، والكحك، والمعمول، والعيدية»، وتابع: «ولبعض العائلات كانت الاحتفالات تمتد إلى الضفة الغربية حيث تُقام أكبر الاحتفالات».

لكن الاحتفالات هذا العام محدودة، وإلياس، شأن فؤاد، يفتقد أجواء الماضي. «الطقوس التقليدية ناقصة، لا يوجد بيض على الإطلاق في القطاع. للأطفال لا مكان للتسلية—لا ملاهي، لا ساحات لعب، لا حدائق ولا مطاعم بأسعار معقولة»، اشتكى. وأشار أيضاً إلى أزمة الكهرباء الحادة: «لا تزال الكهرباء مشكلة رئيسية للفلسطينيين. وارتفاع أسعار الديزل وزيت المولدات فاقم الأمر».

آمال ومساحات من الحزن

أمَل المصري، مواطنة تبلغ من العمر 74 عاماً — اسمها في المقال الأصلي أمل المصري — كانت تقيم في حي الرمال الذي تعرّض لقصف مبكر. نزحت Amal إلى الجنوب وتبدلت مكان إقامتها مع زوجها ثلاث مرات: أولاً إلى الزهراء، ثم إلى رفح وخان يونس. «لِسنتين في الجنوب لم يكن هناك عيد على الإطلاق»، قالت. «حتى في عيد الميلاد لم نحتفل. لم تكن لدينا كراسي واضطررنا للجلوس على الفرش أثناء الصلوات».

استحضرت أمل تلك الروح الخاصة بالاحتفالات قبل ما تصفه الجماعة بالإبادة الجماعية، حاملة في كلماتها مزيجاً من الحزن والحنين إلى أيام تكاد لا تعود. أفادت أنّ العائلات كانت تدعو بعضها إلى مآدب الغداء والعشاء، وتتبادل الحلويات وتستمتع بصحبة بعضها البعض. «كنا نقضي النهار بأكمله معًا ناكل ونتحدث ونحتفل.»

يقرأ  كيف توسّع مقالتك بأسلوبٍ أخلاقيّ

هذا العام تحاول امل ومجتمعها الالتزام بالطقوس الأساسية لعيد القيامة، لكن كثيرًا من التقاليد التي كانت تمنح الأطفال الفرح لا تزال غائبة، لا سيما البيض الملون.

«بحثت عن البيض في كل مكان، لكنّي لم أجد أيًا منه في القطاع بأكمله.»

أضف تعليق