ضرورة مراعاة سير العدالة في قضية كريم خان، المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية

في كانون الثاني/يناير وكلتني نيابة المدّعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، الذي كان خاضعاً لتحقيق بشأن مزاعم سوء السلوك وسوء استعمال السلطة. كلفت بإجراء تحليل يأخذ بعين الاعتبار حساسية النوع الاجتماعي للأدلة التي جُمعت، والتي كانت في تلك المرحلة غير منشورة، من قبل مكتب الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة (OIOS)، بعد أن عهد إليها رئيس جمعية الدول الأطراف بإجراء هذا التحقيق.

كما توليت قيادة إعداد مذكرات الدفاع المقدمة إلى الهيئة القضائية المؤلفة من ثلاثة قضاة مرموقين اختارهم مكتب جمعية الدول الأطراف، الجهة التنفيذية للإشراف على عمل المحكمة. كانت مهمة الهيئة القضائية وصف أي وقائع يقرها مكتب الرقابة من الناحية القانونية — إجراء لم يكن منصوصاً عليه في لائحة المحكمة، بل صممه ونفذه المكتب خصيصاً للتعامل مع هذه الشكوى.

بصفتي مقبلاً على الاطّلاع على الإفصاحات، وقعت اتفاقية سرية تمنعني من مناقشة الأدلة مفصلاً. ومع ذلك، يحق لي الرد على أي معلومات غير دقيقة أو مضللة تُنشر في المجال العام، وأعتزم الالتزام بتلك الالتزامات في هذا المقال.

بدأ تحقيق مكتب الرقابة في نوفمبر 2024 واستمر حتى ديسيمبر 2025. خضع جميع الأطراف لمقابلات مطوّلة وأُتيح لهم تقديم أي مواد اعتبروها ذات صلة. كما أجرى المحققون مقابلات مع عدد كبير من الأشخاص وجمعوا موادَ مستقلة. وعلى خلاف ما ورد بشأن مزاعم السلوك الجنسي، لم تظهر شهودات مؤيدة. وامتدّ حجم المواد المجمعة إلى أكثر من خمسة آلاف صفحة.

استغرقت الهيئة القضائية ثلاثة أشهر لمراجعة تقرير مكتب الرقابة والكمّ الهائل من المواد الأساسية. وفي آذار، أصدرت الهيئة تقريراً من 85 صفحة استعرضت فيه الأدلة وقيّمتها. وخلاصة ما أورده القضاة، كما نُشر علناً، أن الهيئة كانت «متفقة بالإجماع على أن النتائج الواقعية التي توصل إليها مكتب الرقابة لا ترسخ وجود سلوك مسيء أو خرق للواجب بموجب الإطار القانوني المعمول به».

يقرأ  مغادرة المدير العام لتيفاف بعد عام واحد— استمرار دوران إداري مرتفع

لم يكن هذا الاستنتاج مفاجئاً لي. فلغاية الأدلة التي جمعها مكتب الرقابة، لم تكن، من وجهة نظري، كافية لبلوغ معيار الإثبات المتعارف عليه المتمثل في تجاوز الشك المعقول. ولا أرى أن تطبيق معيار أدنى كان ليفسر نتيجة مختلفة؛ الشكوك المتأصلة في الأدلة لم تكن مجرد معقولة، بل كانت جوهرية وجدية.

إلى هنا الأمور تبدو واضحة وبسيطة. لكن فور انتشار خلاصة الهيئة القضائية، تعاقبت أحداثٌ لافتة.

أولاً، نشر المكتب ملخصاً بعنوان «ملخص تقرير OIOS» لم يلخّص الجزء الختامي التنفيذي في تقرير المكتب المعنون «النتائج»، بل استند بدلاً من ذلك إلى العرض السردي المقتضب الوارد في قسم افتتاحي عنوانه «نظرة عامة». وبدا الخلط بين الملخص ونتائج مكتب الرقابة جليّاً، ليس فقط من قراءة قسم «النتائج» نفسه، بل أيضاً من تحليل الهيئة القضائية لتقرير المكتب الذي أعاد، مراراً، التأكيد على افتقار التقرير إلى نتائج واقعية حاسمة.

هذا الملخص، الذي أعطى انطباعاً بأن مكتب الرقابة توصل إلى استنتاجات واقعية قاطعة بشأن مزاعم السلوك الجنسي، سُرّب على الفور.

وبالتزامن مع ذلك، بدأ عدد من الأفراد والمنظمات في الفضاء العام، ممن لم يكن لديهم اطلاع على الأدلة، بالضغط على المكتب لتجاهل التحليل المدرّج والاستنتاج المجمع عليه من قبل الهيئة القضائية. وكان موقفهم معاكِساً لما اتخذوه أثناء مجريات التحقيق نفسه.

على سبيل المثال، أصدرت المنظمة الدولية لحقوق الإنسان (FIDH) في أيار بياناً تشرح فيه أن «التقييم القانوني يجب أن يجريه خبراء ولا يجوز أن تقوم به هيئة سياسية. ومن الضروري أن تقوم جهة مستقلة ومتميزة عن مكتب جمعية الدول الأطراف بإجراء التقييم القانوني لنتائج مكتب الرقابة لضمان العدالة والحياد والمصداقية المؤسسية».

تحت سطح هذه الوقائع الغريبة يبدو أن هناك اقتناعاً، تشكّل على الرغم من أن هؤلاء الأفراد والمنظمات لم يطلعوا على السجل الأدلي أو يدرسواه، بأن النتيجة الوحيدة الصحيحة هي نتيجة تقضي بوجود سوء سلوك جسيم.

يقرأ  مراهقون يرفعون طعناً على قانون أمام المحكمة العليا

الاعتقاد بأن العدالة تتحقق حصراً من خلال نتيجة محددة يعرض للظلم. أولاً وفوراً، تُهملْ مبدأُ قرينة البراءة، وهو حجر زاوية في سير العدالة. وتبرّر الحجج الضعيفة والاستعداد لخداع الرأي العام، باسم ما يُظن أنه خيرٌ أعظم.

لم تُدرك الأخطار الناجمة عن تبنّي معتقدات لا تستند إلى الأدلة تماماً؛ فقد أفسح ذلك الباب، بشكل مروّع، أمام احتمال أن يغض دبلوماسيون في المكتب النظر عن خبرة وتحليل قضاة مرموقين توصلوا إلى حكم متأنٍ ومجمع عليه بأن الوقائع لا تثبت وجود سلوك مسيء أو خرق للواجب. وإذا ما جرى عزْل أو معاقبة مدّعٍ عام للمحكمة من جهةٍ سياسية بعد تبرئته من قِبل هيئة قضائية مستقلة، فسيسفر ذلك عن تساؤلات خطيرة بشأن استقلال مكتب المدّعي العام، لا سيما عندما وسّع هذا المكتب رقعة اختصاص المحكمة إلى ما يتجاوز قدرات دول أضعف جيوبوليتيكياً.

يصوغ الناس غالباً شعوراً حدسياً بالعدالة. الواقع أن هذا الحدس لا يغني عن الاطلاع والتحليل. ولكن هذا الاعتقاد هو ما يجعل مواقف الأفراد بشأن «النتيجة الصحيحة» ثابتةً، رغم إدراكهم أنهم لم يتعمقوا في الأدلة.

العدالة ليست مسألة اعتقاد، ولا يمكن أن تُستبدَل بالمناورة السياسية.

أقرب ما وصلنا إليه من تصميم نظم عدالة ذات مغزى هو ضمان وجود تحقيق جوهري يشارك فيه جميع الأطراف ويعاملون فيه بكرامة، مع احترام حقوق الإجراءات القانونية للمُعني بالأمر قبل أن يُنظر في السجل الأدلي كاملاً من قبل قضاة أو هيئات محايدة ومؤهلة، مع التطبيق الحازم لمعيار الإثبات المحدد سلفاً. وهذا ما جرى هنا.

إذا تجاهل المكتب، بوصفه كياناً سياسياً، التحليل الدقيق والاستنتاج المجمع عليه للهيئة القضائية المرموقة — وبذلك خالف الاجتهادات القانونية التي تلزم المكتب — فإن ذلك سيطرح أسئلة بالغة الخطورة حول حيادية واستقلالية عملية ستحدد مستقبل مدّعي عام المحكمة ومسارها المستقبلي.

يقرأ  البابا ليو يطلق لقب القديس على سبعة أشخاص جددمن بينهم ثلاث راهبات

بعد تحقيق امتدّ عاماً ومراجعة أدلّة استغرقت ثلاثة أشهر، قدّمت الهيئة القضائية المستقلة والمحايدة حكمها الطويل المتأني، وحددت بالإجماع أن النتائج الواقعية التي توصل إليها مكتب الرقابة لا ترسخ وجود سلوك مسيء أو خرق للواجب من جانب المدّعي العام.

هذه هي النتيجة المبنية على السجل الأدلي، وهي نتيجة عادلة. يجب على المكتب أن يحترم نتائج الهيئة القضائية المدروسة ويُعلن إغلاق المسألة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعكس رأي الكاتب وحده ولا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق