من هو رولف ماير، السفير الجديد لجنوب إفريقيا لدى الولايات المتحدة؟

عينت جنوب أفريقيا رولف ماير، الوزير والمفاوض السابق في عهد الفصل العنصري، سفيراً لدى الولايات المتحدة في خطوة أعلنها الرئيس سيريل رامافوزا بغية إصلاح العلاقات المتوترة مع واشنطن.

يبلغ ماير 78 عاماً، ويحل محل إبراهيم رسول الذي طُرد من منصبه كسفير لجنوب أفريقيا في واشنطن في مارس من العام الماضي بعدما اتهم دونالد ترامب بقيادة حركة “تفوق أبيض” عالمية. ومنذ ذلك الحين لم تمتلك البلاد تمثيلاً دبلوماسياً دائماً في العاصمة الأميركية.

خلفية الهوية والدوافع
ماير ينتمي إلى مجتمع الأفريكانرز الأبيض، الذي قاد حكومة الفصل العنصري لعقود؛ وقد اتهم ترامب حكومة جنوب أفريقيا بالتمييز ضد هذا المكون الأبيض. وقد بات هذا البعد العرقي جزءاً من الخطاب الذي سمّم العلاقة بين البلدين.

لماذا تدهورت العلاقات بين واشنطن وبريتوريا؟
سوء العلاقة تفاقم منذ تولي ترامب الرئاسة في يناير 2024. انتقد الرئيس الأميركي سياسات التمييز الإيجابي التي اعتمدتها جنوب أفريقيا لمعالجة آثار الفصل العنصري، وادّعى زوراً وجود “إبادة بيضاء” في البلاد، كما عرضت إدارته تسهيلات منح جنسية لمزارعين أفريكانرز بيض قالوا إنهم يعانون من تمييز حكومي على أساس العرق.

تحركت علاقات البلدين أيضاً على خلفية خطوة جنوب أفريقيا لرفع قضية إبادة جماعية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، وهو ما أغضب واشنطن. وزاد من التوتر توجيه دعوة لإيران للمشاركة في مناورات عسكرية قرب سواحل جنوب أفريقيا ضمن فعاليات بريكس، قبل أن تُطلب من السفن الإيرانية الانسحاب. وتضم المناورات دولاً مثل الصين وروسيا، وتُنظر إليها إدارة ترامب كتهديد اقتصادي محتمَل لهيمنة الغرب.

تزامن ذلك مع حشد للقوات الأميركية في الشرق الأوسط وتصاعد عمليات قتالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ما أسفر وفق تقارير عن آلاف الضحايا قبل توقيع هدنة وسعي جهود دبلوماسية لوضع حد للصراع.

يقرأ  شي جينبينغ يشرف في الصين على عرض عسكري ضخم بحضور بوتين وكيم جونغ أون

قضايا داخلية وضغوط دولية
جمّد البيت الأبيض مساعدات خارجية لجنوب أفريقيا على خلفية قانون أرضي تقول واشنطن، زوراً بحسب منتقدين، إنه يستهدف الأقلية البيضاء. كما انتقد الملياردير إيلون ماسك ــ المقرب من ترامب ــ سياسات الحكومة التي وصفها بأنها تمييز عنصري ضد البيض، مستشهداً بقانون يتطلب أن تكون نسبة 30% على الأقل من ملكية الشركات أو مشاركتها الاقتصادية مخصّصة لجنوب أفارقة سود كي تكون مؤهلة للعمل. تأتي هذه الإجراءات ضمن سياسات تمكينية لمعالجة فقر الأغلبية السوداء، بينما يملك الأفريكانرز، الذين يشكّلون نحو 8% من السكان، أكثر من 70% من أراضي البلاد.

لماذا اختير رولف ماير سفيراً؟
وصفه الرئيس رامافوزا بأنه “جنوب أفريقي مخلص ووطني تميّز في مجالات عدة”، وقال إن ماير مؤهل لإعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة والتواصل مع جهات فاعلة متعددة هناك. وقد أجرى ماير اتصالات مع أعضاء في الكونغرس ودوائر حكومية أميركية، وصرّح سابقاً بضرورة العمل على إصلاح العلاقات التي أغفلتها بلادنا لسنوات.

انتقد ماير مجموعات أفريكانرية روجت لفكرة أن المزارعين البيض يتعرضون لاستهداف عنصري، وقال إن هذه المجموعات لا تعبر عنه كرجل أفريكانر ولا عن الأمة بأسرها، وإنها تسيئ تشويه الصورة.

ردود محلّلين وأولويات العاصمة
ترى الباحثة ثمبيسا فاكودي أن اختيار ماير، كأبيض من أصل أفريكانر، سيسهم في دحض اتهامات ترامب المتكررة بإبادة بيضاء. وقد رافق رامافوزا أثناء زيارته للبيت الأبيض العام الماضي عدد من الشخصيات البيضاء في محاولة لتهدئة هذه الهواجس. لكن فاكودي ترى أن المواطنين في جنوب أفريقيا أقل اهتماماً بمدّ الجسور السياسية لمجرد مواجهة اتهامات “مصطنعة”؛ هم مهتمون أكثر بجذب استثمارات وخلق فرص عمل.

ومن هذا المنظور، تبدو مهمة ماير مركزة على استعادة الاهتمام الأميركي بالفرص الاقتصادية: فالتبادل التجاري بين جنوب أفريقيا والولايات المتحدة يبلغ نحو 26 مليار دولار، وتعد واشنطن ثاني أكبر شريك تجاري لبرتوريا بعد الصين. جنوب أفريقيا عضو مؤسس في إتحاد بريكس، الذي ينظر إليه البعض في الإدارة الأميركية كقوة اقتصادية منافسة.

يقرأ  ماركو روبيو يلتقي بنيامين نتنياهو لمناقشة تداعيات الضربة على قطر

من هو رولف ماير؟
يدير ماير حالياً مؤسسة استشارية عالمية باسم “مبادرة التحول” (In Transformation Initiative)، واستثمر خبرته التفاوضية في عمليات سلام ومبادرات تفاوضية دولية، من إيرلندا الشمالية وسريلانكا إلى رواندا وبوروندي وكوسوفو وبوليفيا. تجربته الطويلة في تسوية عمليات سياسية معقّدة تعزز حجج مؤيديه بأنه مرشح قادر على إعادة توازن العلاقة بين بريتوريا وواشنطن. وشارك أيضاً في مبادرات مماثلة في اقليم الباسك والشرق الأوسط.

ماير، محامٍ بالمهنة، كان كبير المفاوضين عن حكومة الأقلية البيضاء خلال محادثات أفضت إلى إنهاء نظام الفصل العنصري في أوائل التسعينيات.

على الطرف المقابل جلس سيريل رامافوزا، زعيم المؤتمر الوطني الأفريقي الذي قاد النضال ضد الفصل العنصري، ممثلاً الأغلبية السوداء.

ماير عضو سابق في الحزب الوطني الذي سنّ سياسات الفصل العنصري عام 1948، وتولّى عدة مناصب محورية في إدارة الأقلية البيضاء، بينها نائب وزير “القانون والنظام” ومن ثم وزير الدفاع.

بعد قيام الديمقراطية متعددة الأعراق عام 1994، عيّن وزيراً للتنمية الدستورية في حكومة نيلسون مانديلا.

في 1997 شارك في تأسيس الحزب الوسطي اليساري الاجتماعي الديمقراطي المعروف بـ”الحركة الديمقراطية المتحدة” (UDM)، وكان نائبا لرئيسه حتى قرر الانسحاب من الحياة السياسية النشطة عام 2000، ثم التحق بالمؤتمر الوطني الأفريقي عام 2006.

ولد رولوف بيتروس (رويلف) ماير في بورت اليزابيث على الساحل الجنوب الشرقي لمقاطعة كيب الشرقية عام 1947.

لم تمرّ مسألة تعيينه دون انتقادات؛ فحزب “مقاتلي الحرية الاقتصادية” (EFF) المعارض اعتبر خطوة الحكومة انعكاساً لـ”استعداد خطير” للتملق أمام نزوات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المرتبطة بتفوق البيض.

وقال الـEFF إن مشاركة ماير في عملية انتقال جنوب أفريقيا في التسعينيات لا تكفي لـ”تبييض” دوره السابق في دعم نظام الأبارتايد أو محوه.

يقرأ  هرتسوغ: «جادلت من منطلق الاحترام» مع رئيس وزراء بريطانياأخبار الصراع الإسرائيلي‑الفلسطيني

وأضاف الحزب في بيانه أن وزارة “القانون والنظام” كانت مسؤولة مباشرة عن منظومة الشرطة التي نفذت قوانين الفصل العنصري وقمعت المعارضة السياسية وحافظت على نظام استند إلى الخوف والعنف.

ويلمح منتقدون آخرون إلى أن بلوغ ماير 78 عاماً يغلق الباب أمام دبلوماسيين شابين وموهوبين لتمثيل البلاد على الساحة الدولية.

وقال فاكودي إن “المسألة ليست خاصة بجنوب أفريقيا فقط، بل عالمية: أن تعهد مسؤوليات كبرى لأشخاص في سن متقدمة وتتجاهل من هم أصغر سناً”، مضيفاً: “وعندما أقول الشباب فأنا أقصد من هم في الخمسين وما فوق الذين لا يُمنحون فرصة للمشاركة.”

أضف تعليق