شابات جنوب السودان في عالم عرض الأزياء: يصنعن مساحة لإبراز مواهبهن | الفنون والثقافة

جوبا، جنوب السودان — تقول خلوى نياندّا، البالغة من 21 عاماً، إن النساء والفتيات اللاتي نشأن من حولها تعلّمن «أن يكنّ صغيرات ولا يحتلنَ المساحات».

لكن عارضة الأزياء وطالبة الحقوق في جامعة جوبا سارت على غرار غرائزها ونماذج قدوة أظهرت لها أن ثمة مساراً آخر ممكناً.

قصص موصى بها

«أدوت آكيش حولت هويتها كلاجئة إلى تاج»، تقول نياندّا في إشارة إلى العارضة الجنوب سودانية المعروفة دولياً التي قضت أيامها الأولى في مخيم للاجئين قبل أن تنتقل مع أسرةها إلى الخارج.

صعود أيقونات جنوب السودان مثلها هو الدليل الملموسه الذي كانت نياندّا تأمل الاستناد إليه لإقناع أسرةها بأن العمل في هذا المجال قد يكون مهنة ممكنة لابنتهم.

«95 بالمئة من العارضات اللاتي ترين من جنوب السودان سيقُلن لك الشيء نفسه: أدوت آكيش هي الشرارة»، تؤكد نياندّا.

تجلس نياندّا بوضعية متقنة في بيت الباوباب في جوبا، وهو مركز ثقافي أصبح ملاذاً للعديد من الفنانين والمبدعين في العاصمة. تتحدث بثقة هادئة عن محطات مسيرتها والحقائق التي غالباً ما تُحجب عن التداول لكنها كانت تظلّل طريقها.

تُعرَّف حياة نياندّا بالحركة. وُلِدت في ييرول، على بعد نحو 200–250 كيلومتراً شمال غربي جوبا، أمضت طفولتها في نيروبي بكينيا، ثم عادت لاحقاً إلى جوبا.

في عام 2016، عن عمر 14 عاماً، قررت أن عالم عرض الأزياء هو ما تريد أن تتبعه، لكن لسنوات ظلّت أسرتها تنظر بإحساس من القلق إلى التداخل بين حياتها الأكاديمية وحلمها.

مستوحاة من النجاح الدولي لعارضات مثل آكيش، بدأت نياندّا العمل في عرض الأزياء عام 2023. ومع ذلك، بقيت أسرتها غير مقتنعة بالمهنة كخيار مهني.

تحوّل الرفض داخل هذا النظام الأبوي إلى تيار من النفور. وفي النهاية فقدت نياندّا شبكة دعمها، بما في ذلك أخوها غير الشقيق الذي ربّاها منذ كانت في السابعة من عمرها. تفاقم ذلك بعد رفضها رجلاً اختاروه لها للزواج.

«هم لا يدعمونني»، تتأسف نياندّا.

أدوت آكيش تحضر معرض «سوبرفاين: تفصيل الأسلوب الأسود»، حفل مؤسسة الأزياء لعام 2025، في متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك — تايلور هيل/غيتي إيماجس

يقرأ  محكمة العدل الأوروبية: على بولندا احترام زيجات الأشخاص من نفس الجنس في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي

عوائق

رغم ظهور مواهب واعدة، تعمل البنية الداخلية الضعيفة في جنوب السودان كقفص يقيّد مدى وصول الطموح.

بالنسبة لعارضات المستقبل، غياب «وكالات الأم» الموثوقة والحامية يجعل الشابات عرضة بشكل خاص لوكلاء مفترسين ومدرّبين مسيئين، بحسب العارضات أنفسهن.

تقول نياندّا إنها واجهت هذه التعقيدات بصورة مباشرة عندما رفضت تقدمات مدرّب عرض أزياء. بعد أن امتنعَت عن مواعدته، تقول إن ذلك أشعل توترات شخصية كلفتْها فرصاً مدفوعة الأجر وتركتها بأحلام محطمة.

على الورق، تبدو نياندّا محترفة يتطلّب عملها تنقلاً وهوية هجينة — تتنقّل بين ثقافات وبلدان وعواصم الموضة. لكن واقع جواز سفرها الجنوب سوداني صار حاجزاً آخر.

منذ 2023، واجهت رُفضاً متكرراً في طلبات التأشيرة، رغم تعاقدها مع وكالات في لندن وباريس وإيطاليا.

أُرفِضت المحاولة الأولى لحضور أسبوع الموضة في ميلانو 2023 من السفارة الإيطالية في نيروبي بسبب مشاكل في كشف الحساب المصرفي المرتبط بوكالتها الصغيرة. وفشلت محاولة ثانية، عبر وكالة I Am Model Management لباريس، مرتين أمام السفارة الفرنسية في كمبالا بأوغندا.

لا تملك كل من فرنسا وإيطاليا سفارات في جنوب السودان، لذا يضطر الطامحون للحصول على أوراق السفر من دول مجاورة، مما يضيف عراقيل وتكاليف إضافية.

«إنها جدار أحاول تحطيمه بيدي العارية»، تقول نياندّا.

أليك مايِن جارَانغ

الدعم

مثل نياندّا، تسعى أليك مايين جارَانغ، البالغة من العمر 20 عاماً، أيضاً لموازنة طموحاتها في عرض الأزياء مع دراستها طالبة في الصف النهائي بالثانوية.

وُلدت جارَانغ في منطقة جونقلي الكبرى بشرق جنوب السودان، على بعد نحو 200 كيلومتر شمال جوبا، ونشأت في رنك، المقاطعة الشمالية التي تحد السودان.

عندما كانت صغيرة، انتقلت أسرتها إلى كمبالا بأوغندا. لكن صراع 2016 أعادهم إلى جنوب السودان، مضيفاً طبقة أخرى من الاضطراب إلى سنوات تكوينها.

تستلهم جارَانغ شهرتها من الأيقونة العالمية أنوك ياي، الأمريكية من أصل جنوب سوداني التي نالت لقب عارضة العام في جوائز الموضة البريطانية 2025.

مثل نياندّا، واجهت جارَانغ مقاومة شديدة في المنزل عندما طورت اهتمامها بالانخراط يوماً في هذه الصناعة وهي في العاشرة من عمرها. كانت أسرتها قلقة بشأن كيفية توازنها بين التعليم ومتطلبات منصة العرض.

يقرأ  الجسر الصيني الجديد المحطم للأرقام القياسية: أكثر من مجرد معبر فوق وادٍ سحيق

ومع ذلك، وعلى عكس نياندّا، وجدت جارَانغ حليفاً حاسماً داخل أسرتها: حضرت أختها الكبرى عرضها الأول على المنصة عندما كانت في الثامنة عشرة وساهمت في بناء ثقة متبادلة بينها وبين والديهما.

«أتذكر أنني أخبرت أبي عن العرض…» تذكّرت قائلة إنّه بدا متردِّداً إزاء هذه الصناعة، وسأل أختي: «ما هذا التمثيل؟ لا أعلم عنه الكثير».

كانت تلك أول فعالية أحضرها في ساعة متأخِّرة من الليل، ولم تَتحقق إلا بعد أن وافق على مرافقة أختي.

بالنسبة إلى غرانغ، كانت الصعوبات الأولى تقنيّة أكثر منها دبلوماسيّة: تعلّم المشي بكعب عالٍ، والحفاظ على القوام عبر حميات صارمة، والتمسّك بروتين عناية بالبشرة دقيق للغاية.

مثل كثير من العارضات الشابات، تبقى مخاوف الرفض هي الشبح الذي يطاردهن في تجارب الأداء والاختيارات. ومع ذلك، تشبثت بعهدٍ بسيط لا يتزعزع: ألا تستسلم أبداً.

أنوك ياي تمشي على المدرج خلال عرض أزياء شانيل لموسم خريف/شتاء 2026-2027 ضمن أسبوع الموضة في باريس (9 مارس 2026).

الهيمنة على الممشى

تأثير جنوب السودان على عالم الموضة بات مرئياً بالفعل.

تسعة من أفضل خمسين عارضة على مستوى العالم وفق تصنيف models.com من أصولٍ جنوب سودانية، إحصاء لافت يعكس عمق المواهب وشغف الشباب بأن يُرى ويُسمع صوته.

تحوّل كثير من العارضات السابقات إلى مهن تصميمية، من بينهن أكور ماجوك التي اتجهت من عروض الأزياء إلى شغفها بتصميم الأزياء؛ داوسون داو أمّو مؤسس أسبوع موضة جنوب السودان؛ وديفيد شيغولد المتخصّص في ابتكار فساتين زفاف مفصّلة خصيصاً.

برزت أيضاً وجوه مخضرمة باتت مدرِّبات وتنشط في كشف المواهب الجديدة، مشيرات إلى تزايد حضور العارضات السوداء على منصات العرض الدولية. هؤلاء المخضرمون غالباً ما يصرّون على ان التعليم الأكاديمي والطموح المهني يمكن أن يتعايشا، ويحثّون الشابات على الموازنة بينهما.

في المقابل، يطفو قلق جديد: احتمال أن تحلّ نماذج مولّدة بالذكاء الاصطناعي محل العارضات البشريات مع تقدّم التكنولوجيا، ما يضيف طبقة جديدة من الهشاشة إلى مِهنٍ أصلاً غير مضمونة.

يقرأ  إيران تقيم جنازة جماعية للفتيات والموظفين الذين قتلوا في هجوم على مدرسة تُنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل

على المستوى الداخلي، يتزايد القلق بشأن ضعف تفاعل وزارة الثقافة والمتاحف والتراث الوطني في دعم وتسمية صناعة العروض. كثيرون يعتقدون أن للوزارة دوراً حاسماً في توعية المجتمعات والأهالي بأنّ عرض الأزياء مهنة شرعية ومحترمة.

من دون ذلك، تظل الأسر متردِّدة في السماح لبناتها وأبنائها بالدخول الى هذه الصناعة؛ يخشى بعض الآباء أن يقود العمل في العروض إلى إهمال الأعراف الثقافية أو إلى فقدان أبنائهم لروابطهم مع الوطن.

تواصلت الجزيرة مع وزارة الثقافة لطلب تعليق، لكنها لم ترد في الموعد المحدد للنشر.

خلوى نياندا

الالتزام تجاه جنوب السودان

في هذا السياق، لا تجوب نياندا وغرانغ المدرجات وتُتقن زوايا الكاميرا فحسب، بل تتفاوضان مع التقاليد والبيروقراطية والتقنية، في الوقت الذي تُطالبان فيه بحقهما في انتزاع مساحة.

رغبتهن في السير على منصات أسابيع الموضة الدولية تصطدم بواقع المحافظة الاجتماعية، وبنيّة تحتية هشة، وسياسات الحركة العالمية التي تُقوِّض قدرتهن على التنقّل.

تصطدمن بأنظمة تعيق طموح النساء من خلال العزلة الاجتماعية، والممارسات الاستغلالية، وتكرار رفض منح التأشيرات في القنصليات حول العالم. ومع ذلك، تبقيان مصممتين على مطاردة حلمهما في بلد لا يزال في طور التكوين — مدفوعتين بإمكانية أن يعيدا رسم حدود الممكن للأجيال القادمة.

في مارس، فازت غرانغ بجائزة في فئة «الإبداع» في مسابقة ملكة جمال الجنوب الوطنية. ومنذ ذلك الحين اتسع طموحها من النجاح الشخصي إلى التزام أوسع بتشكيل مستقبل صناعة الموضة في جنوب السودان، بما في ذلك دعم وتوجيه المواهب الصاعدة.

لم تكن طموحات نياندا يوماً مجرد سعي وراء الظهور أو الغرور. تحمل خطة خيرية جذرية: لا تحلم فقط بالوقوف لصالح دوريات ديور ولويس فويتون، بل تسعى إلى استخدام نجاحها لبناء مؤسسات في وطنها.

إلى جانب طموحاتها في عرض الأزياء، تنوي استثمار مدخراتها المستقبلية في إنشاء وكيل أمين محلي في جنوب السودان، إلى جانب مدرسة ومستشفى للأيتام، لإعادة استثمار النجاح في بلادها.

«جنوب السودان ليس مكاناً أهرب منه، بل هو المكان الذي أركض من أجله.»

أضف تعليق