الكتلة الشيعية الحاكمة في العراق تتسابق لاختيار رئيس وزراء واشنطن وطهران تراقبان — أخبار الحرب الأميركية‑الإسرائيلية على إيران

بغداد — مر أكثر من خمسة أشهر على الانتخابات البرلمانية في العراق، ولا يزال “إطار التنسيق” — أكبر كتلة شيعية في البرلمان — عاجزاً عن ترشيح مرشح رئاسة الوزراء بسبب صراعات داخلية على السلطة وتباينات في المصالح.

رئيس الوزراء الحالي محمد شيا السُّوداني يسعى لولاية ثانية، لكنه يواجه تحدياً من كتلة يقودها رئيس وزراء سابق، نوري المالكي، وهو شخصية مثيرة للجدل وقريبة من إيران، وتعارض الولايات المتحدة ترشحه.

يمتلك إطار التنسيق نحو 185 مقعداً من أصل 329 في البرلمان، ويُلزم الدستور الإطار بترشيح رئيس للوزراء بحلول 26 أبريل. وبينما يواجه العراق مهمة حسّاسة في موازنة علاقاته بين الولايات المتحدة وجاره الشرقي المؤثر، تزداد الضغوط الدبلوماسية على بغداد مع امتداد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران إلى الأراضي العراقية، حيث نفذت فصائل مسلحة موالية لإيران هجمات على منشآت أمريكية تضامناً مع طهران.

وقد لعبت إيران دوراً بارزاً في المشهد السياسي العراقي منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، من خلال تعزيز علاقاتها مع أحزاب شيعية عدة. وفي محاولة لكسر جمود التوافق القيادي، زار إسماعيل قاآني، قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني، بغداد نهاية الأسبوع، وفق مصادر مطلعة.

وجاءت الزيارة المفاجئة — بحسب مصادر — بطلب من رئيس الوزراء بالوكالة السُّوداني لإقناع إطار التنسيق بعدم ترشيح باسم البدري، المُقرب من المالكي، لمنصب رئاسة الوزراء. وتوسط في الزيارة فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي وأحد قادة ائتلاف السُّوداني، فيما تُعد هيئة الحشد مظلةً لفصائل مسلحة غالبيتها شيعية لها علاقات وثيقة مع إيران وتشكل جزءاً من “محور المقاومة”.

الولايات المتحدة تراقب نفوذ إيران عن كثب، لا سيما عبر شبكتها من الحلفاء في المنطقة مثل الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان. التقى قاآني أبو فدك المحمداوي، رئيس أركان الحشد، إضافة إلى المالكي والسُّوداني وقادة آخرين من الإطار، فيما تُشير مصادر إلى أن المحمداوي يقود دراسات داخل الإطار لعرقلة ترشح السُّوداني لولاية ثانية.

يقول أكيل عباس، باحث مقيم في واشنطن، إن الإيرانيين يواجهون تحديات وجودية أكبر بسبب الحرب الأميركية ــ الإسرائيلية، وهم غير معنيين بحل ملف رئاسة الوزراء العراقية؛ بل يفضّلون رئيس وزراء ضعيفاً يحقق طموحاتهم.

غالباً ما تكشف التعيينات السياسية للمناصب العليا عن الانقسامات الطائفية والعرقية في ظل نظام المحاصصة المتبع منذ تشكيل الحكومة الأولى بعد 2003: الرئاسة للكرد، ورئاسة البرلمان للعرب السنة، وموقع رئاسة الوزراء للعرب الشيعة.

في 11 أبريل تم تعيين نزار أميدي رئيساً للجمهورية بعد أشهر من المساومات السياسية، ويُلزم الإطار بترشيح رئيس للوزراء خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تنصيب الرئيس. ودعت الأمانة العامة لإطار التنسيق إلى اجتماع يُعقد الاثنين في دار عمار الحكيم، زعيم ائتلاف القوى الوطنية، وهو عضو محوري في الإطار، وبنقطة وحيدة على جدول الأعمال: اختيار مرشح المنصب.

يقرأ  مشرعو نيو مكسيكو يفتحون تحقيقًا في مزرعة «زورّو» المرتبطة بإبستين بشأن اتهامات بالاعتداء الجنسي

أفاد مصدر داخل الإطار أن آخر ثلاث اجتماعات بشأن الموضوع تأجلت بسبب عجز القادة عن الاتفاق على اسم.

ماذا يريد الإطار؟

قادة الإطار يبحثون عن شخصية يمكنها أن لا تنافس الكتلة الشيعية الأكبر نفوذاً. بالمقارنة مع السُّوداني والمالكي اللذين يقود كل منهما حزبه، يبرز اسم باسم البدري كخيار توافقي. يملك ائتلاف السُّوداني نحو 46 مقعداً، بينما يسيطر حزب الدعوة بقيادة المالكي على 29 مقعداً.

يشغل البدري حالياً رئاسة “هيئة المساءلة والعدالة” المسؤولة عن تطبيق سياسات نزع البعث من مؤسسات الدولة، وقد حاز تأييد سبعة من أصل اثني عشر قائداً في الإطار؛ لكنه يحتاج ثمانية أصوات (أغلبية الثلثين داخلياً) لتأمين الترشيح، وفق مصدرين من أحزاب مختلفة داخل الإطار. ما إذا كانت زيارة قاآني قلبت المعادلة لا يزال أمراً غير واضح.

يرى محللون أن مواقف الولايات المتحدة، بما في ذلك منشور سابق للرئيس دونالد ترامب عبر منصة X، تضيف ضغطاً على الموقف السياسي في بغداد، إذ حذّر من أن اختيار المالكي سيكون قراراً سيئاً وأن عودته قادت البلاد إلى فوضى اقتصادية واجتماعية في السابق، وهو ما يُستغل سياسياً في معركة الترشيحات.

لهذا يدعم المالكي في هذه المرحلة بديلًا مثل باسم البدري كخيار تقبله أطراف داخل الإطار، سعياً لاحتواء التصدعات وإعادة رسم توازنات القوى داخل المشهد السياسي العراقي. لكن الاطار لم يضع بعد «معادلة رابحة»، ولن يحدث ذلك حتى يتضح أثر نتائج المفاوضات الإيرانية‑الأمريكية، حسبما قال خزعّل للجزيرة.

الموقف الأمريكي

أوضح مسؤول في سفارة الولايات المتحده في بغداد أنه لا يملك تفضيلاً لأحد المرشحين، عدا موقفه الرافض لعودة المالكي إلى رئاسة الوزراء. وبلغة مباشرة أضاف المسؤول: «نحن ملتزمون بتعليمات الرئيس ترامب التي نصت صراحةً على أن الولايات المتحدة ستوقف دعمها للعراق إذا عاد المالكي إلى منصب رئيس الوزراء. خلاف ذلك، ليس لدينا تفضيلات بشأن من سيتولى المنصب».

تتعاطى الإدارة الأمريكية مع المالكي بوصفه جزءاً من شبكة تأثير إيرانية مباشرة، وتخشى أن تؤدي عودته إلى تقويض مساعيها لتقليص نفوذ طهران في العراق. خلال ولايته بين 2006 و2014 اتهم باتباع سياسات استبعاد طائفية طالت السنة من مؤسسات الدولة تحت ذريعة «اجتثاث البعث»، وتُلقى على سياساته الطائفية مسؤولية صعود تنظيم داعش في العراق.

مع ذلك، تظل قائمة «دولة القانون» التي يقودها المالكي ملتزمة علناً بترشيحه. وكتب هشام الركابي، مدير مكتب المالكي، على منصة X: «لم تُستبدل مرشح الإطار المعلن رسمياً لرئاسة الحكومة. وما يستدعيه اليوم هو قرار واضح — كما جرى الترشيح، يمكن سحبه عبر ذات الآلية والمضي بترشيح جديد دون تأخير».

يقرأ  «منصات التعلم المتكاملة»جاستن سيلي

مصدر داخل تحالف دولة القانون أشار إلى شدة الضغط الأمريكي؛ وقال إن المبعوث الخاص و السفير توم باراك أخبر المالكي أنه إذا تَخلى طوعاً عن ترشيحه فستقبل الولايات المتحدة أي مرشح يختاره. «نحن متمسكون بحقنا في تحديد رئيس الحكومة»، قال المصدر للجزيرة.

يبقى موقف واشنطن من المرشح البدري غامضاً. وأكدت مصادر داخل الإطار أنها لم تتلق رسائل أمريكية بشأن ترشيحه، رغم انتمائه إلى حزب الدعوة واتهامات بتطبيق هيئة اجتثاث البعث لسياسات انتقائية.

الضغط الاقتصادي والأدوات الممكنة

قبل ترشيح المالكي كانت رسائل أمريكية واضحة ترفضه. وإن قررت واشنطن تفعيل تحذيرات ترامب، فإن لديها طيفاً واسعاً من الأدوات: أمر تنفيذي رئاسي أصدره جورج بوش الابن بعد حرب العراق يمنح حماية قانونية لإيرادات النفط العراقية المودعة لدى مصرف الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ويحميها من تجميد دائني العراق. وينتهي عمل هذا الأمر المتوقع في مايو؛ وإذا لم يجدد ترامب فسيستطيع الدائنون المطالبة بأموالهم وقد تصدر محاكم أمريكية أحكاماً بتجميد أصول عراقية، ما قد يعطل تحويلات الدفع للرواتب العامة ويعصف بالاقتصاد العراقي.

وبشكل منفصل، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في 17 أبريل عقوبات على سبعة قادة ميليشيات من عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، فيما أصدرت وزارة الخارجية بياناً يؤكد تلك الإدانات — خطوة غير اعتيادية لأن واشنطن عادة تقتصر على التفاصيل الفنية التي تنشرها الخزانة. يشير هذا التحرك إلى عزم الولايات المتحدة على ملاحقة الفصائل الموالية لإيران بغض النظر عن عملية تشكيل الحكومة، وربما قد تلجأ إلى إجراءات منفردة دون انتظار تحرك بغداد.

السوداني ومسألة السيادة

يحاول السوداني موازنة تأثير الفصائل المسلحة المدعومة من إيران مع الضغوط الأمريكية، وكلاهما مؤثر في محاولته الحصول على ولاية ثانية — توازن لم يبدُ ناجحاً. في فبراير، وقبل أي تصعيد إقليمي، منحت حكومته عقوداً لشركةChevron الأمريكية لإدارة حقول نفط في البصرة وذي قار وصلاح الدين، وشملت الاتفاقات نقل إدارة حقل غرب القرنة‑2 من لوتشويل الروسية التي كانت انسحبت بعد العقوبات. جرت التوقيعات بحضور السفير باراك وجوشوا هاريس القائم بالأعمال الأمريكي في بغداد، ومع ذلك تظل هذه العقود غير ملزمة قانونياً لأنها أبرمت في ظل حكومة تصريف أعمال وتحتاج إدارة كاملة الصلاحيات للمصادقة عليها.

في المقابل سمح السوداني للحشد الشعبي بالرد على الضربات الأمريكية التي استهدفت مواقع له، وأتاح لمقاتلي الميليشيات الاحتماء داخل مرافق للجيش العراقي — مواقع كانت الولايات المتحدة تتجنب استهدافها سابقاً. أما وزارة الخارجية الأمريكية فاستدعت للسفارة العراقية نزار الخيرالله للمرة الأولى منذ 2003 وسلمته احتجاجاً رسمياً على ما وصفته بفشل الحكومة العراقية في حماية البعثات الدبلوماسية، بعد محاولة اغتيال لم تُنسب إلى جهة معروفة استهدفت قافلة دبلوماسية أمريكية في 8 أبريل. واستدعت الكويت والسعودية والبحرين والإمارات بدورها سفراء العراق ووجّهت احتجاجات مماثلة.

يقرأ  نكسة قضائية لـ«إكس» المملوكة لإيلون ماسك في معركتها مع الهند حول حذف المحتوى

قال ميثم الخلخالي، محامٍ ومحلل سياسي: «لا يوجد إطار قانوني لمسؤولين أجانب لبحث شأن سيادي عراقي. الطبقة السياسية العراقية تنتهك الدستور باستمرار. عليها إعادة الالتزام بالمسار الدستوري: تكليف مرشح الكتلة الأكبر خلال 15 يوماً. أما محاولة إرضاء الإيراني أو الأمريكي، والانتظار لنتيجة حرب إقليمية لاختيار رئيس وزراء عراقي — فهذا عيب».

تفاقم معاناة العراقيين

بينما يتصارع السياسيون بين طهران وواشنطن حول رأس السلطة المقبلة، يعاني العراقيون ضغوطاً اقتصادية متصاعدة تطلب حكومة مكتملة الصلاحيات لمعالجتها. فرضت تعريفات جمركية جديدة دخلت حيز التنفيذ في 1 يناير بنسبة وصلت إلى 30% على بعض السلع، ما رفع كلفة الواردات من أجهزة كهربائية وأثاث إلى سيارات. وأُعيد فرض ضريبة مبيعات بنسبة 20% على بطاقات شحن الهواتف، ما زاد العبء على المواطنين.

في فبراير خاض التجار إضراباً عاماً أغلق مراكز تجارية رئيسية في بغداد والبصرة وموصل وكركوك، وعلّق أصحاب المحال لافتات كتب عليها «الرسوم الجمركية تقتل المواطنين». وأبلغ تجار في الموصل أن تكلفة استيراد حاوية شحن واحدة ارتفعت من نحو خمسة ملايين دينار إلى ما يصل إلى ستين مليوناً، ما ضاعف أعباء التجار وزاد من احتمالات تذبذب السوق وارتفاع الأسعار. تحمِل العراق أكثر من 90 تريليون دينار (حوالي 69 مليار دولار)، وتبقى ميزانيتها العامة معتمدة على النفط لنحو 90 في المئة من الإيرادات — وذلك بينما البلاد بلا حكومة تعمل بكامل طاقتها لأكثر من خمسة أشهر.

«إن خطاب السيادة الذي يتبناه الإطار التنسيقى يفقد معناه عندما يُقابل بقبول ضمني — وأحياناً بطلبات مباشرة — للتأثير الإيراني والأمريكي على تشكيل الحكومة»، قال عزيز الربيعي، الامين العام لحزب حركة الخط الوطني المعارض.

«المشكلة ليست في وجود مصالح دولية؛ فهذا واقع لا يُمكن إنكاره. المشكلة تكمن في عجز الفاعلين المحليين عن إنتاج صيغة وطنية مستقلة تُدير هذه المصالح من دون أن تتحول إلى أداة بيدها»، أضاف في حديثه للجزيرة.

في هذه الصورة التي وفّرها مكتب إعلام مجلس النواب العراقي، يدلي أعضاء البرلمان بأصواتهم خلال الجلسة الخاصة لانتخاب رئيس جمهورية العراق في بغداد. نزار أميدي انتُخب رئيساً جديداً للبلاد (مكتب إعلام مجلس النواب العراقي عبر أسوشيتد برس)

أضف تعليق