تطبيع العنف والإجراءات القمعية
شهدنا خلال الأيام الماضية سلسلة تطورات كانت في وقت سابق قد تثير نقاشاً أو استنكاراً في أوساط إسرائيلية معيّنة، لكنها باتت اليوم تبدو روتينية: تمويل حكومي واسع لمسيرات قومية متطرفة، تهريب مستوطنين مصَدَّق عليهم يقودون غارات مسلحة مدعومة بالجيش على قرى فلسطينية، وتصريحات لمسؤولين يطالبون بالاحتلال والتوطين الكامل لقطاع غزة. في هذا الإطار وصف خبراء الامم المتحدة السياسة الإسرائيلية بأنها تمارس «تطهيراً عرقياً» في الضفة، عبر هجمات يومية تُسفِر عن قتلى وجرحى وتحيل منازل ومزارع ومعاشات إلى رماد.
غزة: ضربات، مجاعة، وعرض جزئي بشأن الأسلحة
لم تهدأ الاعتداءات الجوية والرصاص والطائرات المسيّرة على امتداد قطاع غزة، فيما تتفاقم الأزمة الإنسانية. في 14 أبريل، أدت ضربة على مركبة شرطة في شارع النفق بغزة إلى مقتل أربعة أشخاص من بينهم الطفل يحيى الملاحي (ثلاث سنوات)، وفق أقوال والده الذي كان يغادر عرساً. في اليوم نفسه، قتلت ضربة مخيماً للاجئين (شاتي) خمسة أشخاص على الأقل. في 16 أبريل قُتِل الأخوان عبد المالك وعبد الستار العطار في بيت لاهيا، في مناطق قال شهود إنها خارج «الخط الأصفر» الخاضع لسيطرة الجيش. في 17 أبريل، أطلق مسيَّر نيراناً على محمود وعيد أبو وردة أثناء محاولتهما الحصول على ماء في حي الشجاعية بغزة؛ كما ضربت طائرة مسيَّرة منشأة تحلية ماء، ما أودى بحياة آخر. وفي اليوم التالي قُتل موظفان مدنيان كانا يقومان بتوزيع مياه نيابة عن اليونيسف في شمال القطاع.
منذ التهدئة في أكتوبر قُتل في غزة 777 فلسطينياً وأصيب 2,193 على الأقل حتى 20 أبريل؛ أما الحصيلة التراكمية منذ 7 أكتوبر 2023 فقد بلغت 72,553 قتيلاً بعد إضافة 196 حالة جديدة اعتمدتها وزارة الصحة في غزة هذا الأسبوع.
ومن جهة المساعدات، لا تزال سبل الإيصال إليها ضيقة للغاية: تُظهر بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية تراجعاً بنحو 37% في تدفقات المساعدات بين الفترتين الثلاثيتين التاليتين للتهدئة، كما خفّضت الأفران إنتاجها بسبب شحّ الطحين والوقود، ما أدى إلى طوابير طويلة أمام المخابز. وأكد مبعوث السلام نيكولاي ملادينوف لقناة مصرية أن القيود الإسرائيلية على المعابر تبقى «العائق الأساسي» أمام وصول المساعدات الكافية.
على الصعيد الدبلوماسي، جرت هذا الأسبوع محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وحماس في القاهرة ركزت أولاً على تنفيذ التزامات المرحلة الأولى قبل أي حديث عن نزع السلاح، ولم تُحرَز أي اتفاقية رسمية بعد.
في المقابل دعا وزير المالية بيزاعيل سموتريش رئيس الحكومة إلى «الاستعداد الفوري للاحتلال الكامل لقطاع غزة» وإقامة مستوطنات هناك إذا رفضت حماس نزع سلاحها بالكامل، وهو ما أعلنه أثناء حضوره مراسم إعادة إحياء مستوطنة سا-نور المهدمة سابقاً.
الضفة الغربية: هجمات منسقة وطرد وسلب
تركزت أعنف موجة عنف هذا الأسبوع في قرى شمال شرقي رام الله (خربت أبو فلاح، المغيّر، وترمسعيا) حيث أقيمت خلال الشهرين الماضيين ثلاث بؤر استيطانية جديدة على أراضٍ خاصة لفلسطينيين في المنطقة المصنفة «ب». إحدى هذه البؤر بُنيت على أراضٍ سبق وأُخرجت منها عائلة أبو ناجحه قسراً من عين سامية صيف 2023.
في 18 أبريل شنّ مستوطنون هجمات متزامنة على القرى الثلاث. في ترمسعيا أحرق مستوطنون منزلاً وسيارة بينما امتنع قوة عسكرية قريبة عن التدخل، وفق ناشطين محليين. في خربة أبو فلاح نَزَل المستوطنون من نقطة استيطانية حديثة وهاجموا منازل فلسطينية، ثم شنت القوات نفسها مداهمة للقرية. في المغيّر أهان جنود طفلين ورموهما أرضاً، وتراجعوا قبل أن يهاجم مستوطنون سائقاً فلسطينيّاً مستخدمين رباعية حكومية.
في صباح اليوم التالي اقتحم مستوطنون حظيرة أغنام في المغيّر وسرقوا حوالي 70 رأساً؛ وعند ملاحقتهم أطلقوا رصاصاً حياً، حسبما أفاد ناشطون. ثم رافق الجيش مؤسس بؤرة أور ناحمان، عاميشاف مالت، وأعاد إدخاله القرية حيث قاد حملة قال إنها لاستعادة الأغنام، أسلوب يتكرر لتبرير مزيد من السلب. ذكر ناشطون أن فلسطينياً تعرض للضرب حتى فقد الوعي على يد الشرطة، وأن جنوداً سهلوا لمحاولة سرقة أغنام نفذتها شخصية أخرى مدانة دولياً باسم نيريا بن بازي. وحصار مدرعات عسكرية مدّت مدخل القرية بعشرين مركبة على الأقل.
وثّقت اعتداءات مماثلة على رعاة ومزارعين في مناطق عدة، من اقتلاع أشجار الزيتون في يطما قرب نابلس إلى سرقة المواشي والمحاصيل في جبعنة ومناطق في مسافر يطا. نصب مستوطنون سلكاً شائكاً على طريق الأطفال من أم الخير إلى مدرستهم، حاجزين بذلك وصولهم الآمن.
في 16 أبريل اغتالت قوات إسرائيلية المراهق محمد ريان (17 عاماً) في بيت دقّو شمال غرب القدس ومنعت إسعافه، ثم نقلت جثمانه حرمته أهله من إجراء مراسم دفن إسلامية مناسبة؛ وأصيب أربعة آخرون بالرصاص الحي. وفي 18 أبريل قتلت قوات أخرى محمد سويطي (25 عاماً) في خربة سلامة جنوب غرب الخليل بزعم اقترابه من مستوطنة نغوهوت.
وفق تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، تسببت الهجمات والهدم والتهجير بما يزيد عن 2,500 نازح هذا العام حتى الآن، منهم أكثر من 1,100 طفل؛ وتشكل اعتداءات المستوطنين نحو 75% من إجمالي حالات النزوح المسجَّلة هذا العام، وسجّل مارس أعلى عدد إصابات بين الفلسطينيين نتيجة اعتداءات المستوطنين منذ بدء التوثيق عام 2006.
القدس الشرقية: هدم وتهجير ممنهج
استمرت عمليات الهدم والإخلاء بوتيرة مرتفعة في القدس الشرقية. هدمت سلطات الاحتلال منزل المريض السرطاني الثمانيني أبو كامل الدويك في حي البستان ببلدة سلوان، وهو على الأقل الهدم الثامن في الحي هذا الشهر. ووفقاً لمؤسسات الإغاثة، هُدمت منذ يناير 2026 نحو 86 منشأة مملوكة لفلسطينيين في القدس الشرقية، مما أدى إلى تشريد أكثر من 250 شخصاً، اضطر نصفهم لهدم منازلهم بأنفسهم لتجنُّب غرامات إضافية.
عائلة الباشا الممتدة — ستة أسر مكوَّنة من 12 شخصاً معظمهم فوق الستين ويقطنون في الحي الإسلامي منذ نحو قرن — تواجه أمراً قضائياً بالإخلاء بحلول 26 أبريل.
تمويل المسيرات القومية وتفشّي النفوذ المتطرف
أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية أن حكومة نتنياهو خصصت نحو 1.2 مليون شيكل لتوسيع مسيرات يوم القدس الشهر المقبل — وهي فعاليات سنوية تميّزها شعارات عنصرية وهُتافات مهينة وهجمات على أحياء فلسطينية. هذا التمويل يعكس مدى النفوذ المتزايد لوزير الأمن الوطني إيتمار بن غفير، الذي تُنسب إليه تهم بتسييس عمل أجهزة الأمن. هذا الأسبوع أمرت محكمة العدل العليا بن غفير بالتوصل إلى اتفاق مع المدعي العام يقيّد تدخله السياسي في شؤون الشرطة، بعد اتهامات متكررة له بانتهاك ترتيبات سابقة. وينتقد معارضون سياساته بوصفها مَدرِجة الشرطة في نهج متشدّد تجاه الفلسطينيين، وهو ما تدعمه توثيقات لحالات تسهيل عناصر الشرطة لهجمات مستوطنين وفي بعض الحالات مشاركتهم المباشرة في العنف.
سؤال المسؤولية
وصلت مراسلات لجهات عسكرية إسرائيلية لطلب تعليقها حول الحوادث المبلغ عنها هذا الأسبوع، لكن لم ترد أي إجابات حتى الآن. الوضع الراهن يعكس تحوّلاً مقلقاً في مشهد الصراع: من إجراءات يُنتقد بعضها علناً إلى ممارسات باتت تُدار علناً وتُبرَّر سياسياً، مع تداعيات إنسانية وقانونية خطيرة على الأرض.