اندماج وارنر براذرز وباراماونت قد يعيد رسم خريطة الإعلام الأمريكي

مستحقّات التصويت وإعادة تشكيل المشهد الإعلامي

يُنتظر أن يصوّت مساهمو شركة وارنر بروس ديسكوفري يوم الخميس على صفقة اندماج قد تعيد تشكيل خريطة الإعلام في الولايات المتحدة، بدمج الشركة مع باراماونت سكاي دانس. وإذا ما أُقرّت بعد موافقة الجهات الرقابية الفيدرالية، فستجمع الصفقة اثنتين من كبرى مؤسسات الأخبار في البلاد — سي بي إس نيوز وCNN — تحت مظلّةٍ واحدة.

مخاوف التحرير والتعيينات

في وقتٍ سابق من الشهر حثّت شركة الاستشارات المستقلة للوكالات الانتخابية (Glass Lewis) المستثمرين على التصويت لصالح الاندماج. يدير باراماونت سكاي دانس ديفيد إليسون، ابن مؤسس أوراكل لاري إليسون، المعروف بقربه من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. يقول منتقدون إن شبكة الأخبار أخذت خطوات بالفعل في اتجاه تلطيف خطابها إرضاءً لتيار مؤيد لترامب.

من هذه الخطوات تعيين كاتب رأي محافظ مثل باري ويس — التي لا تملك خبرة تلفزيونية سابقة — لقيادة شبكة بث تاريخية؛ وتعيين كين وينشتاين، الحامل لتعيين سابق من إدارة ترامب، كأمين شكاوى لمراقبة التحيز؛ وتأجيل أو إلغاء نشر تحقيقات ناقدة للإدارة، من بينها تأجيل تحقيق عن سجن ضخم في السلفادور يُعرف بـCECOT، وهو التحقيق الذي وصفت مراسلة غطّته، شَرين ألفونسي، قرارات تأجيله بأنها «خيار سياسي».

مدخلات استثمارية أجنبية وتتبع تنظيمي

الصفقة أثارت أيضاً تساؤلات بشأن الاستثمارات الأجنبية، إذ تشمل مستثمرين من صناديق سيادية في السعودية وقطر والإمارات، إضافة إلى استثمارات من الصين. دعا السيناتور الديمقراطي كوري بوكر رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية بريندان كار إلى التحقيق في هذه الاستثمارات. وعلى الطرف الآخر من المحيط، أفادت وكالة رويترز أن هيئة المنافسة والأسواق البريطانية (CMA) تستعد لفتح تحقيق في الصفقة المرتقبة.

التحوّلات داخل سي بي إس وقلق الموظفين

يقرأ  تظاهرة ضد حرب غزة في برلين قد تسجّل إقبالاً قياسياً يوم السبت

حتى قبل إتمام الاندماج، عبّر بعض المراسلين القدامى، بمن فيهم مراسل العدالة سكوت ماكفارلين، عن خيبة أملهم من التوجّه العام في سي بي إس تحت إدارة إليسون ووايس، وانتقل بعضهم للعمل في مؤسسات أخرى. وفي تغييرات هيكلية لافتة، أعلنت الشبكة الشهر الماضي إيقاف عمليات إذاعة CBS News Radio، التي تمثل نحو 6% من قوة العمل لديها.

ما الذي يعنيه ذلك لـCNN؟

في حال تمّت الصفقة، ستصبح CNN تحت نفس المظلة المؤسسية. لطالما اعتبر ترامب CNN نقديةً مفرطة، وكانت هدفاً لهجمات متكررة. ونقلت تقارير أن إليسون وعد بإجراء «تغييرات شاملة» في الشبكة إذا أُنجزت الصفقة. تاريخياً تُعرف CNN بأنها شبكة وسطية نسبياً مقارنةً بـMSNBC على اليسار وفوكس نيوز على اليمين. داخلياً، أثار احتمال إدارة عائلة إليسون للشبكة قلق الموظفين وشعوراً بالارتباك لدى بعض العاملين.

الاستقلال التحريري: وعود ونقد

ظهر إليسون أخيراً على قناة CNBC ليؤكد أن الاستقلال التحريري يجب أن يُحافظ عليه وأنه «محمِي في سي بي إس»، ما سارع خبراء حرية الصحافة إلى دحضه باعتبار أن ممارساته السابقة تكشف تناقضات في هذا الادعاء. وصرح سيث ستيرن، مدير الدفاع في مؤسسة حرية الصحافة، بأن إليسون «كشف أوراقه بالفعل في ما يتعلق بالاستقلال التحريري ولا يملك أي مصداقية في هذا الشأن»، مضيفاً أن التحوّل الكامل إلى شبكة تشبه فوكس قد لا يحدث بين ليلة وضحاها، لكن من شبه المؤكد أنه متى ما تعارضت مصالحه التجارية مع التغطية الإخبارية فسيُمنح ترامب – عملياً — تأثيراً غير متناسب على غرفة التحرير.

اتساع التحيّز الحزبي في الأخبار المحلية

تترافق هذه المخاوف مع اندماج آخر مُقارب ضمن منظومة الأخبار المحلية، حيث كان التحيّز الحزبي أقل وضوحاً سابقاً؛ الإندماج بين مشغّلي المحطات المحلية الأكبر — نكستار وتيجنا — قد يُؤدي إلى تركيز يحدّ من تنوّع الآراء، لا سيما وأن الدمج سيغطي نحو 80% من الأسر التلفزيونية في أسواق أمريكية رئيسية.

يقرأ  إطلاق نار نفّذته الشرطة في بنسلفانيا ماذا حدث؟ من المشتبه به ومن الضحايا؟ أخبار الجريمة

وللتوضيح، بينما تملك الشبكات الوطنية مواقفَ تحريريةً خاصة، فإن المحطّات المحلية التابعة لها لا تشارك بالضرورة تلك المواقف. هناك نحو 250 محطة إخبارية مرتبطة بـABC في الولايات المتحدة، لكن ثماني محطات فقط مملوكة ومُدارة فعلاً من قبل شركة والت ديزني، مالكة ABC. وضع مماثل ينطبق على شبكات أخرى: سي بي إس تملك 17 محطة مملوكة ومدارة، فوكس تملك 29، وNBC تملك 11، بينما توجد محطات تابعة في أكثر من 200 سوق.

الشركات التي تُدير محطات تابعة غير مملوكة من قبل الشبكات تتضمن سينكلير وتيجنا ونكستار ومنافسيهم من أمثال غراي ميديا، سكرِبس، هيرست تي في، ألن ميديا غروب وغراهام ميديا.

آلية العمل وأثر التركيز

تعمل المحطة المحلية على إنتاج محتواها الخاص، بما في ذلك نشرات محلية مُكيّفة للجمهور المحلي، ثم ترخّص محتوى الشبكة الوطنية لتملأ بقية جدولها مثل النشرات الوطنية والبرامج الحوارية والدرامية والرياضية. وتُشارك المحطة والشبكة عائدات الإعلانات. هذه البنية تسمح للشبكات بالوصول إلى جماهير وطنية دون امتلاك بنية بث في كل سوق، وللمحطات المحلية بالاستفادة من برامج ذات جاذبية أعلى تحقق إيرادات إعلانية أكبر.

تحوّل تدريجي تجاه التحيّز الحزبي

تغيّر هذا التوازن تاريخياً مع دخول شركات مثل سينكلير إلى الساحة، التي امتدت ملكيتها إلى 85 سوقاً مختلفة وسبّبت جدلاً واسعاً في 2018 عندما أجبرت مذيعين عبر محطاتها على قراءة نص موحّد حمل نقاط حديث ترامب حول حالة الإعلام في الولايات المتحدة. أما نكستار، التي تدير شبكة كابلية باسم NewsNation وكانت تُعرَف سابقاً بالحياد، فقد حشَت صفوفها بكفاءات سابقة من فوكس وتميل الآن نحو اليمين حسب تقارير متخصصة.

خيارات محدودة للمستهلك المحلي والإجراءات القضائية

واجهت عمليات اندماج مشغّلي الأخبار المحليين رقابة من هيئات المنافسة سابقاً؛ ففي 2018 أعاقت لجنة الاتصالات الفيدرالية اندماجاً بين تريبيون ميديا وسينكلير عبر إخضاع الصفقة لتدقيق تنظيمي مطوّل وطالبت بتفريط شركات في بعض المحطات، ما أدى في نهاية المطاف إلى انسحاب تريبيون ومن ثم اندماجها لاحقاً مع نكستار لتشكّل المشغّل الأكبر، متجاوزةً سينكلير.

يقرأ  قصر «جوجو»: جان جوليان يعيد ابتكار ملاذات طفولته — كولوسال

وافق المساهمون في نوفمبر على صفقة تيجنا-نكستار بقيمة 6.2 مليار دولار، وحصلت على تأييد ضمني من الرئيس. وردَّ ترامب ببوست على منصته اتِّباعاً لخطابه النقدي للشبكات الوطنية. وفي مارس، رفعت ثماني نيابات عامة في ولايات عدة دعوى لعرقلة الاندماج، وعلى الرغم من موافقة لجنة الاتصالات الفيدرالية، قدّمت تلك النيابات طلباً مستعجلاً لوقف الصفقة. وقد قام رئيس اللجنة كار بإعادة نشر منشور ترامب على وسائل التواصل — خطوة أثارت انتقادات بشأن حيادية الجهات الرقابية.

الموقف الراهن

حالياً الصفقة مجمّدة بصدور أمر احترازي مؤقت من قاضٍ فدرالي في كاليفورنيا يوقف تنفيذ الاندماج إلى أن تُبت المحكمة في دعوى مكافحة الاحتكار المقامة ضده. تبقى نتائج هذه المعارك القضائية والتنظيمية محورية في تحديد ما إذا كان المشهد الإعلامي الأمريكي سيتحوّل نحو مزيد من التركيز والميول الحزبية أم سيستمر في تعدّد الأصوات.

أضف تعليق