محامية فلسطينية-كندية ومحللة سياسية
منذ اتفاق أوسلو تحوّلت المفاوضات المتزامنة مع توسّع الاستيطان غير القانوني إلى عملية تهدف لإدارة الاحتلال بدل إنهائه. في بدايات الألفية كنت ضمن الفريق الفلسطيني الذي شارك في مفاوضات قيل إنها تهدف إلى إنهاء السيطرة العسكرية واطلاق استعادة الأرض؛ لكن الفكرة كانت منحرفة منذ البداية: أن أهل الأرض يجب أن “يتفاوضوا” من أجل حريتهم، وأن من اغتصب الأرض عليهم أن “يتفاوضوا” لإعادتها.
في تلك الحقبة أُقنعنا، على لسان كثير من قادة الدول الغربية والأميركية، بأن التفاوض هو الطريق الوحيد إلى الحرية. لكن التاريخ يفضح هذه الفكرة: لا دولة حصلت على استقلالها عبر تماهيها مع ظالمها في طاولة تفاوض. بينما استمرّ خطاب “السلام” و”المفاوضات”، استغلت اسرائيل الفرصة لتكثيف الاستيطان وشراء مزيد من الأرض، حتى تضاعف عدد المستوطنين خلال سنوات قليلة بعد أوسلو. أما وعد القادة بأن المفاوضات ستعيد الأراضي المسروقة فثبت أنه وهمٌ لا أكثر.
لم تُعرض خطة بديلة تواكب حقيقة أن سرقة الأرض تُعدّ جريمة بمقتضى القانون الدولي. من جهتها واصلت إسرائيل الادعاء برغبتها في السلام بينما كانت توسّع سيطرتها على الأرض الفلسطينية. وإذا عدنا إلى جذور المشروع الصهيوني، يصبح واضحاً أن التوسع الإقليمي كان هدفاً منذ البداية: لم تقتصر هجمات الحركة الصهيونية عام 1947–1948 على المساحات التي نُسبت لها بحكم التقسيم، بل امتدت إلى ما وراءها، ولا غرابة في العدوان “الوقائي” ضد سوريا ومصر والأردن عام 1967، ولا في استمرار الاحتلال والضم الفعلي للضفة وغزة والجولان بما يخالف القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
ومع اختلاف نبرة بعض قادة إسرائيل في تسعينيات القرن الماضي، فقد صار القادة اليوم أكثر صراحة: إعلان النوايا بضم الضفة، وإعادة السيطرة على غزة، وامتداد أطماع الأرض إلى لبنان وسوريا صار علنياً، وتحت غطاء حالة حرب مستمرة تُمارس عمليات توسيع الاحتلال حتى أثناء “هدنات” مؤقتة، ولعل الأطول منذ سنوات هي الغارات والهجمات داخل لبنان وداخل غزة مستمرة في أعنف صورها.
خلال السنوات الأخيرة عُدّ تطبيع قصف المستشفيات والمدارس والمسعفين والصحفيين والأطفال، وتشييع الاغتيالات، بل وتداول خطاب إبادي، كأمر مألوف. واللافت أن زعماء العالم الذين يدينون هذه الممارسات في الظاهر قد شاركوا عملياً في إيواء إسرائيل سياسياً وفي حمايتها من المساءلة الدولية، ما أتاح استمرار الإفلات من العقاب وتابع عمليات السلب والاستيطان.
قاعدة النظام القانوني الدولي واضحة: لا يحق لدولة أن تسرق أرض دولة أخرى وأن تحتلها. وجود هذه القاعدة يَحمي استقرار العالم؛ إذ إن التسامح مع سرقة الأراضي يولّد حوافز للحروب المتكررة. السؤال الباقي هو ما إذا كانت إسرائيل تعمل فوق قواعد ما بعد الحرب العالمية الثانية أم أن هذه القواعد باتت، كما رُوج لنا، قابلة للتجاوز بسهولة. لبنان سقط في الفخ نفسه الذي وقع فيه الفلسطينيون في التسعينيات، معتقداً أن التفاوض يُخرِج إسرائيل من أرضه؛ وإذا انتهت هذه المفاوضات – إن انتهت أصلاً – فسينتهي لبنان وسوريا بمساحات أقل مما كانتا تملكان، لأن “التفاوض” بهذا الشكل يكرّس بقاء إسرائيل على الأرض.
الخيار أمام المجتمع الدولي واضح: إما أن يواجه النظام القانوني الدولي الانتهاكات الإسرائيلية ويعيد قوته، أو أن يتحوّل ذلك إلى واقع جديد مقبول. أما على مستوى الحقيقة السياسية، فأنماط الاستيلاء والتوسع تُشير إلى أن مواجهة فعّالة لازمة لإيقاف ماكينة الاحتلال والعودة إلى مبادئ لا تسمح بسرقة الأرض.
الآراء الواردة هنا تعبر عن رأي الكاتبة فقط.