قمة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية هل يمكن للاتفاق النووي أن يصمد أمام حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران؟

معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية: مؤتمر مراجعة الخمس سنوات يبدأ في نيويورك وسط هدوء هش بين الولايات المتحدة وايران

افتتح المؤتمر الخماسي لمراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك في ظل وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وايران، وتتركز المحادثات بالدرجة الأولى على مخزون إيران من اليورانيوم المخصب: حجمه الحالي، مواقع تخزينه، والمصير النهائي الذي سيؤول إليه.

مقترحات وسيناريوهات

في 27 فبراير أعلن وزير خارجية عُمان، بدر البوسعيدي، الذي كان وسيطاً في محادثات بين واشنطن وطهران، أن إيران وافقت على «صفر تراكم»، و«صفر تكديس»، مع تحقق كامل من المخزون الحالي عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وأكد أن المخزون القائم سيخضع لخفض مستوى التخصيب إلى مستوى اليورانيوم الطبيعي وتحويله إلى وقود مدني. غير أن ذلك الإعلان تلاشى بعد ساعات عندما بدأت ضربات أمريكية وإسرائيلية.

خلفية قانونية وسياسية

صممت المعاهدة، إلى جانب الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 الذي انسحبت منه واشنطن عام 2018، لمنع سيناريوهات كهذه. وقد استُخدمت المخاوف من البرنامج النووي الإيراني مبرراً لعمليات عسكرية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما أثار اتهامات بالنفاق الدولي عندما تُؤخذ في الحسبان أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي يُعتقد أنها تمتلك أسلحة نووية، رغم أنها لم تعترف رسمياً بذلك ولا توقّعت المعاهدة.

أزمة الثقة في «المقايضة الكبرى»

تعتمد المعاهدة على مقايضة أساسية: الدول غير النووية تتعهد بعدم السعي للحصول على أسلحة نووية، والدول النووية تتعهد بالسعي إلى نزع السلاح في نهاية المطاف، وفي المقابل تضمن جميع الأطراف حق استخدام التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية تحت رقابة دولية. منذ فتح باب التوقيع في 1968 ودخولها حيز التنفيذ عام 1970، أصبحت المعاهدة الإطار الأكثر اتساعاً في تاريخ ضبط التسلح، بوجود 191 دولة طرفاً.

إلا أن هذه «المقايضة الكبرى» باتت، بحسب خبراء، مثقلة بالاختلال: خمس دول معترف بها نووياً رسمياً — الولايات المتحدة وروسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا — كلها أعضاء دائمون في مجلس الأمن، بينما تقيّد جميع الأطراف الأخرى قانونياً من تطوير أسلحة نووية. ترتكز المعاهدة على ثلاثة أعمدة: عدم الانتشار، نزع السلاح، والاستخدام السلمي للطاقة النووية؛ لقد ظل العمود الثالث قائماً إلى حد كبير، أما العمود الثاني فلم يفِ بتعهداته.

يقرأ  شرطة إسرائيل تدرس استدعاء سياسيين للإدلاء بشهاداتهم في فضيحة «قطرغيت»

إضعاف المصداقية وتبعات التسييس

يرى محلّلون أن مصداقية المعاهدة تآكلت نتيجة تحديث الترسانات النووية من قبل الدول المالكة للسلاح بوتيرة مقلقة، ولا سيما الصين. كما اعتُبرت تطبيقات المعاهدة وانتقائيتها في بعض الحالات سبباً إضافياً لفقدان الثقة؛ فالهجمات على منشآت نووية تحظى بضمانات من الوكالة لم تُقابل بردود واضحة ومتسقة من مجلس الأمن أو الوكالة نفسها، مما أغرق الدول غير النووية في مخاوف بشأن العدالة والمساواة في تطبيق قواعد المعاهدة. النتيجة: تصاعد الإحساس بتحول النظام من اطار قائم على القواعد إلى أداة سياسية محكومة بديناميات القوة.

تداعيات تاريخية ومسارات بديلة

كان مؤتمر المراجعة في عام 2000 آخر لحظة توافقية كبيرة قبل أن تمزق حرب العراق (2003–2011) ثقة الدول في نظام ضبط التسلح الدولي، وزادت حدة التوتر بين الدول النووية وغير النووية. وتؤكد بعض الأصوات أن امتلاك الأسلحة النووية مصدر إحساس بالإفلات من العقاب، إذ تستغل الدول النووية ترساناتها ليس فقط كرادع بل أيضاً كدرع جيوسياسي يشرعن أو يسهّل تحركات عسكرية تقليدية. كما غذّى الإحباط من مسار المعاهدة دعماً لمعاهدة حظر الأسلحة النووية (2017) كمسار بديل للنزع الكلي للسلاح خارج هيمنة القوى النووية.

من لم يوقع؟ وأين تكمن الإشكالية الهيكلية؟

أربع دول أعضاء في الأمم المتحدة لم توقع المعاهدة أبداً: الهند وباكستان وإسرائيل وجنوب السودان. اختبرت الهند وباكستان أسلحة نووية عام 1998، وتبنت إسرائيل سياسة غموض قصدي لا تؤكد ولا تنفي امتلاكها للأسلحة، بينما انضمت كوريا الشمالية للمعاهدة عام 1985 ثم اعتُبرت منتهكة لالتزامات الضمانات وانسحبت عام 2003 وشرعت منذ ذلك الحين في إجراء تجارب نووية متعددة.

يُبرز ذلك اختلالاً هيكلياً جوهرياً: الدول التي اختبرت أسلحة نووية قبل 1 يناير 1967 تُعرَف رسمياً كقوى نووية دائمة، بينما تُطلب من الباقي التنازل عن السعي إلى السلاح إلى أجل غير مسمى. اختارت إيران البقاء داخل إطار المعاهدة منذ انضمامها عام 1974، وما زال هذا الوضع يدعم مطالبتها بحقوق مماثلة لباقي الدول الطرف، بما يشمل تخصيب اليورانيوم للمستويات المبرّرة لأغراض مدنية. لكن وجود إسرائيل خارج الاتفاقية وتعاظم قدرتها النووية يعقد هذا الخط من الحُجج: كيف يمكن تطبيق قواعد موحدة حين توجد قوة نووية إقليمية غير طرف في المعاهدة؟

يقرأ  هلا (ثمانية عشر عاماً) ومحمد (ثلاثة عشر عاماً) يكافحان من أجل حياتهما بعد أن أُصيبا برصاص قوات إسرائيلية — حقوق الطفل

خلاصة

الأزمة الراهنة تعيد إلى الواجهة سؤالين أساسيين: هل سيظل نظام منع الانتشار معتبراً وفعالاً في ظل استغلال الترسانات النووية كأدوات نفوذ، وهل ثمة رغبة دولية حقيقية في استعادة ثقة الأطراف عبر تطبيق متسق وعادل لقواعد المعاهدة؟ الجواب على هذين السؤالين سيحدد ما إذا كان مؤتمر نيويورك سيُفرز حلولاً تحفظ المعاهدة أم سيشهد مزيداً من التآكل في بنية النظام الدولي لمنع انتشار السلاح النووي. «لقد أرست هذه الحرب سابقة خطيرة: فإذا تملَّكَت دولة أسلحة نووية صار بوسعها، في نظر البعض، مهاجمة دولة تَعتقد أنها تنوي تطويرها.»

إيران وإنضمامها إلى معاهدتة حظر الانتشار

بعد إنضمام إيران إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ظل برنامجها النووي لفترات طويلة محل رقابة محدودة إلى حد ما. تغيّر هذا الوضع في عام 2002 حين كشفت مجموعة معارضة عن منشآت لتخصيب اليورانيوم لم تُصرّح بها في موقع نطنز، وعن مفاعل ماء ثقيل في أراك.

بحسب خان، ما وضع إيران في مأزق كان عاملين: أولاهما إنشاء منشآت نووية سرية تحت الأرض — وباعتبارها دولة موقعة على المعاهدة كان على إيران الإبلاغ عنها والسماح بتفتيشات الوكالة الدولية للطاقة الذرية — وثانيهما قرار الرئيس محمود أحمدي‑نجيباد بإعادة تشغيل تخصيب اليورانيوم بوتيرة متسارعة. (أحمدي‑نجيباد شغل رئاسة إيران بين 2005 و2013.)

اتفاق 2015 المعروف بالخطة الشاملة المشتركة (JCPOA) الذي أُبرم بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى جانب ألمانيا فرض قيوداً هي الأوسع على دولة غير حاملة لسلاح نووي على الإطلاق: خفضت إيران مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 98% ليصل إلى نحو 300 كيلوجرام، وحدت نسبة التخصيب عند 3.67%، قلّصت عدد أجهزة الطرد المركزي بمقدار الثلثين، وقبلت بأحد أكثر أنظمة التفتيش تطفّلاً وبجملة تدابير رقابية للوكالة، وفي المقابل رفعت العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي.

يشرح خان أن الهدف من الاتفاق لم يكن منع إيران من تخصيب اليورانيوم — فبصفتها موقعة على المعاهدة يحق لها ذلك لأغراض سلمية — بل وضع البرنامج تحت رقابة دائمة وتسييج عمليات التطوير والتخصيب بآليات تفتيش وشفافية لبناء الثقة.

يقرأ  سكان كشمير: حظر الشبكات الافتراضية الخاصة يزيد الضغوط النفسية — أخبار الإنترنت

وقال طارق رؤوف، المسؤول السابق في الوكالة لوكالة الجزيرة، إن معاهدة عدم الانتشار لا تحظر تخصيب اليورانيوم ما دام معلناً لدى الوكالة وخاضعاً لضماناتها ومستخدماً لأغراض سلمية. وقد كانت الوكالة تتثبت مراراً من امتثال إيران، وهو ما عكسته تقديرات أجهزة الاستخبارات الأميركية في حينه أيضاً.

إلا أن الانعطافة جاءت في مايو 2018 حين انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق بأمر من الرئيس دونالد ترامب، الذي وصف الاتفاق بأنه «معيب في جوهره»، وهو قرار اعتبره مصدر الأزمة الراهنة بحسب موسويان. واصلت إيران الالتزام بحدود الاتفاق نحو سنة تقريباً بعد الانسحاب الأميركي قبل أن تتجاوز تدريجياً سقوف التخصيب مع فشل الجهود لإبقاء تخفيف العقوبات قائماً، بحسب رؤوف.

وبحلول أوائل 2025 بلغت نسبة تخصيب إيران 60%، وهو أعلى مستوى تسجله دولة غير حاملة للسلاح النووي، بينما يُعد اليورانيوم بدرجة الأسلحة مُخصباً عادة إلى نحو 90%.

في صميم المأزق الحالي مطلب واشنطن القاضي بصفر تخصيب. وفي هذا الشأن قال خان إن لا سند في المعاهدة لفرض مطلب «صفر تخصيب» وإن مثل هذا المطلب لا يخدم سوى إعاقة الدبلوماسية.

وترد إيران بأن طلب التخلي الكامل عن التخصيب يمثل معيارين متناقضين وانتهاكاً لحقوقها بموجب المعاهدة: إذا سُمح لدول موقعة أخرى بتخصيب اليورانيوم لأغراض الطاقة لماذا لا يُسمح لإيران؟

ماذا سيخرج عن المؤتمر؟

يُعقد المؤتمر بينما تدور حربان كبيرتان، من بينها الصراع الروسي‑الأوكراني، وهو ما أقلق المراقبين بشأن نتائج ملموسة. وكان رؤوف متشائماً إزاء فعالية المؤتمر، قائلاً إن القضايا النووية مثقلة بـ«النفاق والمعايير المزدوجة» لدرجة أنك ستحتاج «فأساً لتقضي عليها».

وأضاف أن آخر ثلاث مرات تم التوصل فيها إلى اتفاقات في مؤتمرات المراجعة أعوام 1995 و2000 و2010 «كانت الدول النووية قد نسيت ما اتفقت عليه بحلول يوم الاثنين»، وأنها إن وافقت على شيء فإنها ستلجأ إلى ألفاظ مُلتوية لتقليل أهميته ومداه.

أضف تعليق