تطرح دار كريستيز في نيويورك في مزاد شهر مايو المقبل 16 عملاً بارزاً من أعلام الفن في القرنَيْن العشرين والحادي والعشرين، كلها من مقتنيات الراحل سيدني إيه. (سي) نيوهاوس، مالك دار كوندي نست، الذي توفّي عام 2017. في قاعة المزادات المكتظة بمركز روكفلر في الثامن عشر من مايو، ستُعرض تحف لفنانين مثل فرانسيس بيكون، جاسبر جونز، هنري ماتيس، بيت موندريان، بابلو بيكاسو وآندي وارهول. وتُقدَّر المجموعة مجتمعة بنحو 450 مليون دولار؛ رقم هائل في أي سوق، وأكثر ما يكون ضخامة في ظل حالة تردُّد في سوق الفن والاقتصاد العالمي.
من بين هذه المجموعة التي تتصدّرها تقديرات فردية تصل إلى مستويات قياسية — من بينها لوحة بيكاسو التكعيبية Homme à la guitare (1913) المقدَّرة بين 35 و55 مليون دولار — تبرز لأسباب تاريخية وأخلاقية، إذ إن نيوهاوس لم يدفع فيها المال وحده. قبل نحو ست وعشرين عاماً اختار نيوهاوس اقتناءها على حساب المقعد القوي الذي شغله طويلاً في مجلس إدارة متحف الفن الحديث في نيويورك؛ إذ اشتراها، بحسب تقارير، بمبلغ عشرة ملايين دولار بعد أن بعها المتحف لتعزيز صندوق الاقتناءات، وبهذه الصفقة انتهك سياسة كانت تحظر على أعضاء المجلس شراء أعمال يتم طرحها من قبل المتحف. وعندما واجهه مسؤولو المتحف استقال، كما أفاد حينها صحفيون.
لنسرد لحظة تاريخ العمل ومصادره اللامعة: باعها التاجر الأسطوري دانيال-هنري كانهايلر في عام 1913 إلى الأديبة الشهيرة جيرترود ستاين. وبعد وفاتها انتقلت عام 1968 إلى مجموعة من كبار المشترين أُنشئت باسم «النقابة» لصالح متحف الفن الحديث، والتي ضمّت شخصيات مثل نيلسون روكفلر وجون هاي ويتني، وكان بعض أعضاءها قد تعهدوا بالتبرع ببعض الأعمال إلى متاحف. ومع ذلك بيعت لوحة Homme à la guitare في ذلك العام نفسه للمصرفي الفرنسي-الأمريكي المقيم في نيويورك أندريه ماير.
بعد وفاة ماير عام 1979، انضمت اللوحة إلى مقتنيات متحف الفن الحديث واعتُبرت من الجوائز الفنية لدرجة أنها عُرضت سريعاً في استعراض بيكاسو عام 1980، وفي معرض 1980–81 للأعمال البارزة من المجموعة. كما عُرضت في معرض بيكاسو 1988–89 في متحف موديرنا بستكهولم، وفي العرض المحوري لمتحف الفن الحديث «بيكاسو وبراك: رواد التكعيبية» الذي أعدّه ويليام إس. روبن بالتعاون مع متحف كونست في بازل.
مع هذا الرصيد من الاعتمادات المعرفية، كان متوقعاً أن تبقى اللوحة في حوزة المتحف وعلى جدرانه إلى الأبد، لكن المؤسسات نفسها كثيراً ما تبيع من مجموعاتها — أحياناً أعمالاً ليست من أعلى الدرجات أو التي تُعتبر زائدة — كوسيلة لتمويل اقتناءات جديدة، وفي عام 2000 عرض المتحف اللوحة للبيع. كما صرح متحدث باسم المتحف وقتها لصحيفة نيويورك بوست قائلاً: «لدينا مجموعة ضخمة من أعمال بيكاسو، ورأى الأمناء أن هذا العمل ليس ضرورياً بصورة مطلقة للمجموعة.»
وأفادت التقارير أن «تاجراً رئيسياً» اشترى العمل ثم باعه لنيوهاوس مقابل عشرة ملايين دولار، وذكرت الصحيفة أن غاغوسيان ساعد نيوهاوس في بناء مجموعته. ورأى البعض أن القضية شكّلت أول حالة يشارك فيها أحد الأمناء في نزاع حول قواعد بيع الأعمال من الداخل، علماً أن نيوهاوس ظل عضواً في مجلس المؤسسة نحو سبعٍ وعشرين سنة إلى جانب عمالقة الصناعة مثل ليون بلاك ورونالد لاودر وديفيد روكفلر، وكان قد جمع ملايين التبرعات للمتحف. قال أحد التجار آنذاك لصحيفة بوست: «الناس يتمنون الموت ليحصلوا على مقعدٍ في المجلس. سي أراد ذلك البيكاسو بشدة — لم يهتم بما قد يترتب عليه.»
ظل نيوهاوس مستمراً في أثره بعد استقالته من المجلس. تشير كريستيز إلى أنه بين 1999 و2005 وحدها اقتنى أعمالاً مهمة لكونستانتين برانسكوشي، بول سيزان، إدغار ديغا، ألبرتو جاكوميتي، ماتيس، جوان ميرو وفنسنت فان جوخ، إضافةً إلى أعمال إضافية لبيكاسو.
ومن مقتنياته خرجت أعمال نالت شهرة عالمية: ففي 2019 حقق أرنب جيف كونز (1986) رقمًا قياسيًا لفنان حي عندما بيع مقابل 91.1 مليون دولار ضمن مزاد بلغ جامعه 539 مليون دولار — وفي أي مكانٍ غير قاعة مزادات كريستيز في مركز روكفلر؟