لأربع ساعات ونصف تقريبًا، سلكت الطائرة الليلية المتّجهة من تايلاند وعلى متنها 181 شخصًا مسارًا عادياً يمتد نحو ألفي ميل فوق برّ وبحر. لكن في الدقائق الأربع والنصف الأخيرة، ومع قرب المطار في الأفق، انهار كل شيء.
«طائر!» نبه الضابط الأول. «هناك كثيرون في الأسفل.»
«هيّا، هيّا!» قال القائد بعد ثوانٍ قليلة. «لن ينجح هذا.»
كانت هذه اللحظات بداية واحدة من أخطر كوارث الطيران خلال السنوات الأخيرة؛ خلال دقائق معدودة سيفقد 179 شخصًا حياتهم. وجدت تحقيقات كثيفة أن عدداً من العوامل فشلت — من ثغرات رقابية إلى قرارات خاطئة — لكن، وللأسف، سرعان ما ضاعف الطياران أزمةً تبدو أنه كان يمكن تجنّبها لو لم يتصرّفا بعجلة واندفاع.
بعد مشاورات مع طيارين وخبراء طيران، صممنا نموذجًا لمشهد داخل قمرة قيادة بوينغ 737 لنعرض ما قد يكونان شهدا عليه في اللحظات النهائية من الرحلة. الفوضى كانت لتختبر أعصاب أي إنسان؛ الغريزة تفرض: تحرّك الآن، بسرعة. لكن التعليم المهني للطيارين يمنع الردّ بانفعال. «لفّ ساعتك، أضئ سيجارة» كانت نصيحة قديمة لإجبار النفس على التمهّل. «تعلّمنا الانتظار»، يقول لودو غيسيلز، طيّار ومدرّب متقاعد. «جمع المعطيات أولاً قبل اتخاذ القرار.»
قد تغيّرت عبارات الزمن، لكن المبدأ بقي: لا تتسرّع. وهذا أسهل قولًا من فعْل. جزء كبير من الشرح يكمن في ما يسميه خبراء الطيران «تأثير الاندهاش» — استجابة نفسية فطرية تجعل الردّ الفوري مغريًا حين تهدد الحياة والسلامة. ولا أحد معصوم تمامًا من هذا التأثير، مهما بلغت خبرته؛ حتى تشيلي س. سولنبرغر الذي حظي بمديح واسع عقب هبوطه الطارئ الناجح على نهر هدسون عام 2009، اعترف بتعرضه لهذا الاندهاش في البداية: «نعم، بالتأكيد. إنها استجابة فسيولوجية إنسانية طبيعية لمواجهة تهديد مميت.»
الالتفاف والرجوع عن الهبوط
بعد تسع ثوانٍ فقط من رصد الطيور، سمع الطياران وهما يتحدثان بالكورية والإنجليزية يقولان: «تراجعوا! تراجعوا!» وشرعا في مناورة محفوفة بالمخاطر تتضمن إلغاء الهبوط، زيادة قوة المحركات والصعود — وقد تكون هذه الخطوة الأولى الخطأ الكبير. كثيرون درسوا درس سولنبرغر بعد معركته الشهيرة، ومن ضمنها تدريبًا على التعامل مع فقدان المحركين أو عطلٍ شديد، وبهذا فإن قائد رحلة جيجو، هان غوانغ-سوب، تدرّب في المحاكي على هبوط طائرة ذات محركين ميتين أو متضررين بشدة، رغم أن شركة جيجو كانت تطلب تدريبًا فقط على فقدان محرك واحد.
لكنّ درسًا مهمًا من سولنبرغر — الانتظار وتحليل الموقف قبل التحرك — يبدو أنه لم يؤثر بما يكفي في قمرة جيجو آنذاك. وفي حادثة مشابهة عام 2008 أثناء هبوط في روما، قرّر طاقم إجراء تراجع لتجنّب سرب من الطيور فانتهى بهم الأمر إلى هبوط قسري وتحطّم؛ خلص التقرير إلى أن زيادة الدفع أثناء التراجع قد تزيد من احتمالات تلف المحركات بفعل ارتطام الطيور بشدّة أكبر عندما تدور التوربينات بسرعة أعلى. نصح مسؤولو سلامة بوينغ حينها: «ضعوا في الحسبان الاستمرار بالهبوط عبر أسراب الطيور مقابل التخلي عن الهبوط لتجنّبها.» وبوينغ حدّثت إرشاداتها ودلّلت تدريب الطيارين على أساليب التعامل مع الطيور.
ربما بدا تحوّل الطيارين في اللحظة الأخيرة مفهوماً إذا اعتقدوا أنه من المستحيل المرور عبر هذا العدد من الطيور والهبوط بأمان. لكن من الممكن أيضًا أن عليهم ألا يواجهوا الموقف أصلاً: فمطار موآن لم يستوفِ إرشادات الوقاية من اصطدام الطيور؛ يقع المطار قرب مواطن طيور لكنه يفتقر إلى كاميرات تصوير حراري ورادارات كشف الطيور التي تنبه مراقبي الحركة والطيارين لوجود أسراب، وعلى يوم الحادث كان هناك مراقب طيور واحد فقط بدلاً من الحدّ الأدنى المطلوب اثنين. وكان من الواجب أن يتلقى الطاقم تنبيهًا مبكرًا عن خطر محتمل؛ بحسب خبراء مراقبة الحركة، سرب بهذا الحجم لا يظهر من العدم، وكان من الممكن أن يمنح إنذار سابق الطيارين ثلاث دقائق إضافية للتقييم ووضع خطة. بدلًا من ذلك، اصطدمت الطائرة بالطيور بعد 36 ثانية فقط من التحذير.
مشكلات المحركات وتوقّف التسجيلات
يبقى كثير ممّا حدث داخل قمرة جيجو غامضًا، جزئيًا لأن مسجّلات الرحلة — الصندوقين الأسودين — لم تحفظ بيانات حاسمة، ومن بينها المحادثات الأخيرة. فوق كل ما أظهرته اللوحات، كانت الاهتزازات المربكة للمحركات لتوضح لكلّ من القائد هان والمساعد كيم أن أمراً خطيرًا قد حدث؛ كلا المحركين تضررا، أحدهما على الأقل بشدة. تقليل القوة في أحدهما كان من شأنه أن يخفّف الاهتزازات، وإذا كان الضرر بالغًا لُزم إيقاف المحرك نهائيًا. لكن أي محرك كان الأخطر؟
هنا يبدو أن الطيارين ارتكبوا خطأهما الثاني الكبير: قد يكونا أوقفا المحرك الخطأ. رغم تلف المحركين، تُظهِر لقطات من الأرض أن المحرك الأيمن بدا أكثر تضرراً—دخان أسود وانبعاثات ربما من بقايا الطيور. والعطل الكهربائي الكلّي بعد سحب مفتاح إطفاء الحريق على اليسار يشير إلى أن مولّد الطاقة الأيمن كان معطلاً بالفعل؛ وإيقاف اليسار فصل مصدر الطاقة الباقي عن الطائرة. سبب عدم عمل المولد الأيمن لا يزال قيد التحقيق. تحذّر قوائم الطوارئ من عدم التعجّل في إجراءات الانسّاك بين القائد والضابط الأول قبل إطفاء محرك؛ فبمجرد إيقاف محرك في طوارئ على مقربة من الأرض، لا وقت لإعادته للعمل. كما وصف أحد الطيارين الإجراء بأنه «كتلاوة نصية يجب قراءتها وتنفيذها حرفيًا.»
بإطفاء المحرك الأيسر، فقدت الطائرة الطاقة التي كانت تشغّل كل شيء من الأنظمة الهيدروليكية إلى الصناديق السوداء نفسها؛ ولم يبقَ سوى المحرك الأيمن المتعفن ليمنح جرًّا متقطّعًا وبعض قدرة التحكم. قال أم جونغ هون، رئيس اتحاد طيّاري جيجو، إن الطيارين ربما أخطأوا في النطق حين أشاروا إلى إغلاق المحرك الأيمن، وربما كانوا يقصدون إغلاق اليسار، لكنه أقرّ بأنهم تجاهلوا تأكيدات الخطوة خطوة بحسب الإجراءات. بعض الطيارين يرون أن الانتظار والحفاظ على تشغيل المحركين كان الخيار الأكثر حكمة مرةً أخرى.
لا يُعرف بدقّة ما الذي دفع الطيارين لإيقاف أيّ من المحركين؛ وحتى إصدار بيانات طيران أكثر تفصيلاً من المحققين الكوريين، يبقى من المستحيل حسم القراءات التي شاهدها الطيارون على لوحاتهم ولماذا تحرّكوا بهذه السرعة. قال أحدهم إن 19 ثانية «على حافّة القدرة البشرية على التنفيذ بلا خطأ.»
الاقتراب النهائي والقرار بعدم تشغيل المولّد الاحتياطي
مع فشل الأنظمة الكهربائية فقد الطيارون مزيدًا من عناصر التحكم. وفي قرار آخر موضع تساؤل، لم يفعل الطاقم مولّد الطوارئ المعروف باسم A.P.U. الذي كان ليعيد بعض الطاقة إلى أنظمة أساسية ويحافظ على تسجيل مسجلات الرحلة و-??الكوبيكت?? صوت الطاقم. (خطأ مطبعي شائع)
فشل مسجل المحادثات في تسجيل الدقائق الأربع الأخيرة صعّب على المحققين فهم ما دار في أذهان الطيارين، لكن ثمة دلائل؛ بين حطام الطائرة عُثر على صفحات من دليل الطوارئ توضح إجراءات هبوط مائي، ما يوحي أن خيارًا كهذا كان محلّ تفكير. أبلغ القائد مراقبي الحركة بأنه يتجه للهبوط، لكنه لم يكمل الدائرة الكاملة المعتادة في تراجع الهبوط؛ بل قرّر قلب الاتجاه بزاوية 180 درجة أسرع والهبوط من الجهة المقابلة.
تدرّبه على فشل المحركين في المحاكي بدا مفيدًا حين ثنى الطائرة نحو المدرج، لكنه واجه تحديًا آخر: قرار خفض العجلات أم لا. صفحة قديمة تضم جداول ونصوصًا تشرح حساب سلامة إنزال العجلات عند سرعات منخفضة وارتفاعات قليلة وجدت في موقع الحطام. وفي منظومة بوينغ 737 تعتمد العجلات أساسًا على هيدروليك مدفوع بالمحرك الأيسر؛ ومع خروج هذا الخيار، كان على الطيارين التفكير في إنزالها يدويًا. مرة أخرى كانت خسارة القوة ثمنًا باهظًا.
هبوط على البطن وانهيار مصير الرحلة
إنّ ما أنجزه القائد هان والمساعد كيم من تحكّم بالطائرة المصابة إلى أن هبطت مركّزةً على المدرج كان إنجازًا استثنائيًا في ظروفه. لكن لأسباب قد لا تُعلم أبدًا، هبطت الطائرة والعجلات منظورة غير ناسلة. ربما خشوا من أن انخفاض العجلات يزيد السحب ويمنعهم من الوصول إلى المدرج. مع ذلك، لو نزلت العجلات لكان ذلك ساعد على إبطاء الطائرة وتمكين الفرامل. بدلاً من ذلك انزلقت الطائرة على بطنها، تجاوزت نهاية المدرج واصطدمت بجدار خرساني—جدار قال خبراء إنه لا ينبغي أن يكون هناك إطلاقًا—فكان ذلك الحاجز بمثابة ختم لمصير الرحلة: اندلعت النار في الطائرة في لحظة.
قال سولنبرغر حين علّق: «لو لم يكن ذلك الحاجز الخرساني، ربما كانوا نجوا.» بعد هبوط طائرته على هدسون خرج كل ركابها ومَن فيها سالمين، لكن بعد حادث جيجو نجا شخصان فقط — مضيفان في مؤخرة الطائرة — بينما قضى 179 آخرون. أشار جيف غوزيتي، محقّق سابق لدى إدارة الطيران الأمريكيّة ولجنة سلامة النقل الوطنية، بتأسف إلى أوجه الشبه بين معجزة هدسون وما حدث لجيجو: «يبدو حقًا كالنسخة بلا المعجزة.»
حول نموذج القمرة ومسار الطيران
يعتمد نموذج داخل قمرة القيادة على بوينغ 737-800 قياسي؛ قد تختلف تفاصيل ترتيب الأدوات باختلاف شركات الطيران. تعكس مؤشرات اهتزاز المحركات وقدراتها على الشاشة المركزية نقاط بيانات مأخوذة من مسجّل الرحلة؛ أما القيم الأخرى فمقدَّرة استنادًا إلى طور الرحلة. لم تُعرض إشارات من شاشات أخرى للوضوح. كيفية شعور طاقم القمرة بالاهتزازات تم تقديرها بناءً على مقابلات مع الطيارين. زوايا دواسات المحركات في الرسوم هي تقريبية ومبنية على إشارات إلكترونية.
وبما أن سجل بيانات الطائرة انقطع عند فشل أنظمتها الكهربائية، أعدّنا مسار الرحلة عبر تحديد مواقع لقطات كاميرات المراقبة وفيديوهات الشهود جغرافيًا، ثم زرنا بعض هذه النقاط لقياس معالمها في الميدان ومساعدةُ في تثليث مسار الطائرة. (هناك خطأ إملائي طفيف في إحدى الكلمات أعلاه.)