هنريكه ناومان تتحدّى الماضي وتراقب حاضرنا المضطرب

هنريكه ناومان كانت ترى في أشياء حياتنا تعابيرٍ للسلطة والرغبة الشخصية والإرادة السياسية. كانت جامِعةً نهمةً للقطع المستعملة—لا سيما الأثاث المستخدم الذي يطغى على معظم أعمالها—ولكن أيضاً لكيفيّة تجلّي البلاغة والمعتقد في تصميم الأشياء التي نستهلكها ونستعين بها لتكوين هويتنا وتمثيل أنفسنا.

أشكّ في أنني كنت سأتمكن من تتبّع بحثها المستفيض عن خبايا التطرف السياسي في مسقط رأسها بألمانيا حتى نهايته، لكن عندما تعاونّا في معرضها الأول في الولايات المتحدة، «إعادة التثقيف» في SculptureCenter بنيويورك عام 2022، توجّهت مباشرةً إلى القمّة. رغبت أن تفهم صدام التراتب الجمالي الذي شهدته عبر صور هجوم السادس من يناير 2021 على مبنى الكونغرس الأمريكي. حدّدت ذائقةً ريفيةً متصنّعة، وشخّصت سعيًا مضطربًا للتمثيل التاريخي والانجذاب إلى ملامح ما قبل التاريخ. أنتج المعرض حائطًا ضخمًا من أثاث المكاتب على الطراز الفدرالي، مكوَّمًا ليشبه في كتلة بنية مبنى الكابيتول في واشنطن، مقابل غرفةٍ رجاليةٍ شبيهة بعالم الفلنتستون ومجموعة كراسي مرتّبة وفقًا لما توحي به تشكيلاتها من دلالات أيديولوجية. وعلى أحد الجدران، نقشت عبارة «المعتدل الراديكالي» بارزة، وزيَّنتها بستائرٍ شاحبة.

مقالات ذات صلة

بعد أشهر قليلة من افتتاح المعرض، بثّت وكالة الأنباء الألمانية نبأً عنه، وإذا به ينطلق إلى الصفحات الأولى في الصحف الألمانية مصاحبًا بصورٍ متجهمة لدونالد ترامب. جاء عنوان في إحدى الصحف: «نيويورك مندهشة — فن ساكسونيا في مواجهة ترامب». وضعت بعض الوسائل إعلاناتٍ لشركات نقل النفايات المحلية فوق لقطات التركيب الفني. صُدمت هنريكه وكانت مفعمة بالسرور لأن عملها تجاوز حلبة الصحافة الفنية، لكن أكثر ما أمتعها كان خط التاريخ الصحافي الذي رافق كثيرًا من المقالات: «زفيكاو/نيو يورك»، رابطًا مسقط رأسها الصغير بإحدى أكبر مدن العالم.

يقرأ  سوذبيز تسجل نمواً بنسبة ١٢٪ في مبيعات النبيذ والمشروبات الروحية خلال العام الماضي لتصل إلى ١٢٧٫٥ مليون دولار

مهما بدا عملها متأصّلاً في زينة غرف النوم الألمانية، فهو لا يقل هوسًا بما يمكن لمكانٍ أن يعلمه لمكانٍ آخر عن السلطة والشرعية الثقافية والغضب السياسي الكامن. سافرت كثيرًا لترصد بنفسها كيفية عمل السلطوية مع الرأسمالية الاستهلاكية. وعندما زارت الولايات المتحدة، كان أحد محطاتنا الأولى جداريات توماس هارت بنتون «أمريكا اليوم» في متحف المتروبوليتان للفنون. (قبلها بقليل زُرنا سوق السلع المستعملة في موقف سيارات قرب مركز «أمريكان دريم» في نيوجيرسي). تصور لوحات بنتون من 1930–1931 مشاهدٍ من مختلف أنحاء البلاد، تتقاطع في تصويرٍ درامي للصناعة، مرتبطة بمُطوّيات فضّية منحنية تقرأ كآثار النمط الآرت ديكو ولكن بلمحات بروتو-ما بعد حداثية. ربما كانت هنريكه تفكّر في جدّها — الرسّام الاشتراكي كارل هاينز ياكوب — وفي حضور عمله إلى جانب تقليدات ما بعد الحداثة المقلّدة في تركيبها «دي دي آر نوار» (2018). كانت تحاول أن تبني صورتها الخاصة عن الولايات المتحدة دفعةً واحدةً، مدفوعةً بمهنيةٍ وصراحة وقلقٍ واعٍ وجاد.

كلُّ شيءٍ يصطدم في عمل هنريكه، ولذلك فهو ملائم لعصرنا: يقظٌ لمؤامراتٍ صريحة بقدر ما هو منتبّه للمؤامرات الأشد دقّة في الحياة اليومية، ويُبرز دائمًا أغرب مظاهرها. رأيتها آخر مرة في 2024، وتبادلنا آخر رسائل نصّية في يناير عندما أرسلت لي صورة لمصمّم داخلي يفخر بمزاوجة طاولة طعام مع حلقةٍ من كراسي الولادة الأميشية. (كانت هنريكه قد أدرجت أحد تلك الكراسي في معرضها في SculptureCenter.)

كانت هنريكه جديّةً ومرِحةً في آنٍ واحد. وجدتْها أشياءٌ بالغة الصرامة. لا أعرف كيف استمرت وهي غارقة في تلك الفصول المظلمة والمتشبّثة من التاريخ. لم تكن متبلّدة الإحساس أو متشائمة، رغم أنّها كانت تستشعر آثار الشر حتى في مواضع الراحة المزعومة. عملها مثال على فضول لا يكلّ وإنذار للمستقبل عبر ماضٍ معقّد لا ينقضي—ونحن نتّجه نحوه.

يقرأ  سجلات تكشف: عميل بوزارة الأمن الداخلي قتل مواطناً أمريكياً في مارس الماضي

أضف تعليق