«في السلم الصغير» بيان عن الصمود والمرح

«في مفاتيح صغرى» هو البينالي الوحيد في ذاكرتي الذي دفعني لأبحث عن زاوية مظلمة لأبكي فيها.

يفتتح الأرسنال قصيدة مرسومة على الجدار لرفعت العريري، كتبها قبل أن تُغتال روحه على يد الجيش الإسرائيلي في غزة عام 2023. يقول فيها بصوتٍ مباشر ومؤثر: «إذا كان لا بد لي أن أموت، فعليك أن تعيش لتروِي قصتي، لتبيع متاعتي، لتشتري قطعة قماش وبعض الخيوط»، لتجْمَع طائرة ورقية بيضاء قد تصبح رمزًا للأمل لطفلٍ ما في غزة وهي تَحلّق في الفضاء.

أقوى خيوط المعرض تتبنى ثيمات القصيدة: الصمود واللعب — مع حضورٍ ثقلٌ لأحداث عصرنا المأساوي، لكن كخلفيات تبرز أمامها عوالم يتخيلها الفنانون للمستقبل. المعرض لا يتناول المسألة كمسألة بقاء فحسب، بل كمجال للنجاح والازدهار بالرغم من العوائق. حسب نص الجدار، يهدف إلى «تغذية المجتمع» ومنح «راحة روحانية».

— مقالات ذات صلة —

كانت تماثيل غوادالوبي مارافيلا أول ما اختنق به صدري. لطالما أحببت أعماله التي تتناول الحداد والشفاء من الآفات البيولوجية والاجتماعية — في حالته، رحلة الهجرة سيرًا على الأقدام من السلفادور إلى الولايات المتحدة في طفولته، وتجربته اللاحقة مع سرطان المعدة التي لا تبدو منفصلة عن ذلك. لكن هذه النسخ الجديدة من تماثيله المسماة بخطورة «قاذف المرض» — والموسومة بشكلٍ مقصود بعصر الـ ICE — تتضمن عناصر قبعة الأرنب الزرقاء التي ارتداها بوضوح الطفل ليام كونيخو-راموس ذو الخمس سنوات حين اختطفته وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية أثناء عودته من روضة الأطفال.

يتردد صدى عمل مارافيلا في الجيارـديني أيضاً، في أعمال أليكسا كوميكو هاتاناكا من قطع اللينوكوت على ورق مصنَع يدويًا، التي تُصوّر كثبان ثلجية ذائبة اعتمدت عليها شعوب الإنويت كدلائل ملاحة لقرون. وقد أتت هذه الأعمال جزئيًا ردًا على دراسة تقترح أن الاضطراب ثنائي القطب — الذي تعاني منه هاتاناكا — قد يكون نشأ في عصر الجليد الأول، ليس كمرض بالضرورة، بل كأداة تكيفية للملاحة في تقلبات مناخية قصوى. في الأرسنال، يركز قسم مكرّس للطبيعة ليس على زوالها بل على قدرتها على الصمود. تتناول أعمال كارولينا كايسيدو، ووقاص خان شبر، ومايكل جو، وفيرا تماري «النبات» العنيد، وتقاليد حفظ البذور، والأشكال المتحجرة. إذا كان القول «التكيف أو الاندثار» يستعير من داروين، فهذه كائنات حية نجت بالتكيف عبر سياقات لا تُحصى.

يقرأ  جيش جنوب السودان يؤمّن حقل هجليج النفطي الحيوي إثر امتداد الحرب في السودان

تحمل الأعمال في «في مفاتيح صغرى» — عنوان يستحضر الدلالات الصوتية والجزرية معًا — طاقة بناء عالم وتغييره على مقياس بين أجيالي، مستحضرة تحولات قد لا تتجسّد في عمرنا. حيث يضع المعرض الفن كأداة لبناء عوالم، كرسّت القيّمة كايو كواه جزءًا من عملها لبناء مؤسسات، وخصصت قاعات لمجموعات يقودها الفنانون يتبنون نفس الأيديولوجيا: Denniston Hill، ومعهد نيروبي للفن المعاصر، وfierce pussy.

رحلت كايو كواه قبل أن تُكمل البينالي، وتولى فريقها الذي جمعته تنفيذ المعرض. مما نقل إليّ من أصدقاء عرفوها جيدًا، إن مِن كان بمقدوره أن يبني تحالفًا وينقل الشعلة فكانت هي الأقدر.

لذلك رغبت، في هذا اليوميات السريعة للتفاعل، في تعيين بعض أقوى خيوط المعرض. حتميًا، وبدون قائدة واضحة لتشرحها مباشرة، تبقى بعض هذه الروابط بلا تسمية، وأتساءل إن كان الحُجّة لتبدو أكثر تماسُكًا لو أكملت كواه رؤيتها بنفسها. بالطبع، الأساس الموضوعي هناك؛ وبطبيعة الحال، يشغلني ما كان يمكن أن يكون. كما أُقرّ بأن، كما هو حال معظم المعارض الدولية الواسعة، ثَمَّة أعمال وجدتها عادية إلى حدٍ كبير — ليست سيئة بطريقة تستحق نقدًا ممتعًا، لكنها ببساطة ليست منُسّبة إلى ذوقي.

أؤمن، في النهاية وبقوة، بنموذج الفن الذي يدعو إليه «في مفاتيح صغرى». إنه معرض يهتم بالجانب الاجتماعي بقدر ما يهتم بالبصري، بالوقائع الحاضرة بقدر ما يتخيّل ما يمكن أن يصبح عليه العالم. إنه عن فنٍ يحول سيئات العالم إلى شيء آخر. سأتوسّع في ذلك بمراجعة مفصّلة لاحقًا، وأترككم الآن مع مثالين يوضّحان ما أعنيه.

يعرض الجيارديـني أيضًا صندوق دوشان المشهور «بوآت أون ڤاليز» — عمل ظل يطاردني ونحن نقترب من ثلاثينيات جديدة. قيل عنه: «كل ما فعلته مهمًا يمكن أن يدخل في حقيبة سفر»، وهو التعليق الذي أتى قبل أن يعيد دوشان تصنيع نسخ مصغّرة ورقية من أعماله الأيقونية ويُغلقها في صناديق. اعتبرتها دائمًا مزحة تحتقر الذات، وهي كذلك، لكن قوله جاء بينما كان الفاشية تتصاعد والحرب تلوح، وكان احتمال هروبه من أوروبا أمرًا واقعًا؛ فاختار التكيف بدل الاندثار.

يقرأ  أنوشكا ميرتشانداني: لوحات زيتية نابضة تستحضر أرواح الطبيعة الأسطورية القديمة — «كولوسال»

ويشير وليد رعد إلى نفس الروح الاحتياطية-المرنة في الأرسنال. بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، باعت الميليشيات أسلحة، وجاءت كثير منها إلى البلقان — ما يعني أن حروب يوغسلافيا دارت كثيرًا بأسلحة لبنانية. ومع ذلك، تحت أرضيات المنصات الخشبية التي شحنت عليها الأسلحة، حسب رعد، وُجدت نسخ جميلة من لوحات عربية وتركية كانت قد أُبلغ عن سرقتها منذ زمن. تخيّل من كان ذكيًا بما يكفي ليضعها هناك؛ أُذكّر حينئذٍ أن التكيّف والإبداع وجهان لعملة واحدة.

في الختام، يظل المعرض دعوة إلى إعادة التفكير في كيف للجمال والصنعة أن يقاوما التاريخ الرهيب، وأن ينسجا منه خيوط أمل جديدة — فقدرة على الابتكار والصمود هي ما تَحفظ الإرث وتَمنح المستقبل فرصة. شي اخر ممكن أن أضيفه لاحقًا في مراجعة أكثر طولًا.

أضف تعليق