تصاميم إيريس فان هربن عالية التقنية تُعرض في متحف بروكلين

ايريس فان هيربن: نحت الحواس

في عام 2010، وبعد ثلاث سنوات فقط على تأسيس دار الأزياء الحرفية التي تحمل اسمها، قدّمت ايريس فان هيربن أول قطعة ملابس مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد ضمن مجموعة “التبلور” (Crystallization). كانت القطعة — توب مستوحًى من البنية العظمية للأفعى بلفائف عاجية من مادة البولي أميد المطبوعة ثلاثيّاً — ثمرة تعاون مع المعماري البريطاني دانيال ويدريج، ومثّلت لحظة فاصلة في تاريخ تطبيق التكنولوجيا على الأزياء القابلة للارتداء.

تصف المصممة تلك اللحظة بأنها “كبيرة” ومفصلية، إذ مثلت نقطة انطلاق لعلاقات تعاون متعددة مع معماريين وفنانين وخبراء من مجالات علمية مختلفة. ففي زمن كانت فيه الطباعة ثلاثية الأبعاد حكراً إلى حدّ كبير على الهندسة والعمارة، كانت فان هيربن أول من وظف هذه التقنية لصنع لباس يمكن ارتداؤه، ومنذ ذلك الحين لم تتوقف عن دفع حدود المواد والأساليب عبر شراكات مع نحاتين وكيميائيين وفنانين متعددّي المجالات وبيولوجيين هندسيين وحتى علماء في علم الكون.

المعرض الاستعراضي لمنتصف المسيرة بعنوان “إيريس فان هيربن: نحت الحواس” يُفتتح هذا السبت في متحف بروكلن، وقد انطلق أصلاً عام 2023 في متحف الفنون الزخرفية في باريس الذي اقتنى توب الطباعة ثلاثية الأبعاد المذكور عام 2018، وسافر منذ ذلك الحين إلى أستراليا وسنغافورة وروتردام. النسخة المعروضة في نيويورك أعدّها ماثيو يوكوبوسكي، كبير أمناء معروضات الأزياء والثقافة المادية في المتحف، بمساعدة إيماني وِليفورد، وتُدعّم بأعمال جديدة مأخوذة من مجموعات المتحف في الفن الأميركي والآسيوي والمعاصر والنسوي، إضافةً إلى مقتنيات علمية وعينات من التاريخ الطبيعي مثل الشعاب المرجانية والحفريات والهياكل العظمية. الملحّن والمنتج الموسيقي الهولندي سالفادور بريد، شريك حياة فان هيربن ومختصّ تنسيق الموسيقى لعروضها، تولّى تركيب المشهد الصوتي للمعرض.

يقرأ  أسقف لوثري في القدسيتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية

تدمج أعمال فان هيربن الرائدة بين الحرفية التقليدية والابتكار التكنولوجي، محوّلة الأزياء إلى تأمل في تعقيدات العلم والطبيعة ضمن عالم سريع التغيّر. المبنى المعروض منظم حول أحد عشر موضوعاً تفتح كلّاً منها أبواب استكشاف غنّاء لفضولها اللامتناهي واهتماماتها المتشعبة: من الرياضيات وعلم الفلك وعلوم الأعصاب إلى بيولوجيا البحار وعلم الحفريات والفطريات والmineralogy.

من بين الأعمال الجديدة التي يضمّها المعرض ثوب بلّيسيه قرمزي صمّمته لشخصية نجمة البوب التي أدّتها آن هاثاوي في فيلم “مادِر ماري”، و”فستان الطحالب” من مجموعة 2025 «Sympoiesis» — تعاون بين المصممة والمصمم البيولوجي كريس بيلامي وباحثين من جامعة أمستردام. يبدو الفستان كلّيس من دانتيل مضيء ومبطّن، وهو مصنوع من 125 مليون طحلبة حية تُصدر ضوءاً استجابةً للحركة، وقد نمت في أحواض مياه بحرية لعدة أشهر ويُعرض في حجرة مراقبة بيئيّة خاصة.

تحتضن خزانة المعرض كذلك كثيراً من القطع التي ارتداها زبائن فان هيربن المشاهير، من إطلالات ليدي غاغا المتعددة إلى الثوب الأيقوني المستلهم من الأفعى الذي ارتدته بيورك في مهرجان روسكيلد 2012، وصولاً إلى فستان “هيليوسفير” المفصّل لبيونسيه لجولات “Renaissance” عام 2023 في أمستردام. كما تُعرض النسخة الأولى من فستان الفقاعات من مجموعة 2016 “Seijaku” — تعاون مع استوديو A.A. Murakami في طوكيو — والذي يضم 15 ألف فقاعة زجاجية لامعة تشكّلت يدوياً وكلّ فقاعة عُلّقت وتثبّت بأشعة فوق بنفسجية؛ وقد ارتدت المتزلّجة الأولمبية إيلين جو نسخة مفصّلة من الفستان في حفل الميت غالا هذا العام. الفكرة في هذه القطعة أن تطفو الفقاعات حول الجسم وكأنها رقصة هوائية لفقاعات الصابون.

تتقاطع في المعرض نصوص علمية رائدة، من طبعات حجرية لأعمال عالم الحيوان الألماني إرنست هيكل (1904) “أشكال الحياة في الطبيعة” إلى رسومات يدوية للمخ من قبل سانتياغو رامون إي كاخال، أبو علم الأعصاب الحديث والحائز على نوبل عام 1906. تستعير النسخة من متحف التاريخ الطبيعي الأميركي عدداً من هذه الأعمال، كما تُعرض عينات فيزيائية عدة مثل الشعاب المرجانية وحفريات ديناصورات بينها بروتوسيراتوبس رضيعة تعود إلى نحو 80 مليون سنة، وPellecrinus (زهرة بحر محفوظة في الحجر الجيري) من قبل 345 مليون سنة.

يقرأ  رحيل الممثل جيري أدلرعن عمر ناهز 96 عاماً — شارك في بطولة مسلسل «ذا سوبرانوز»

تضمّ المقتنيات المعاصرة عمل النحّات الصيني رن ري “سلسلة يوانسو II” عن نحل العسل، حيث بنا النحل خلية داخل هياكل سداسية وُضعت في صندوق شفاف — تجربة عمليّة تؤكد وجهة نظر فان هيربن التي تقول إنها تمارس تربية النحل منذ سنة وتجد في بعض الكائنات الطبيعية مهندسين ونحاتين بالفطرة. وتُعرض بجواره فستانها “التصوير الشعاعي” (2014، مجموعة “Magnetic Motion”)، تعاون مع المعماري الكندي فيليب بيزلي، مصنوع من PETG مقطوع بالليزر ومشكّل حرارياً، وهو نوع من اللدائن الحرارية المستخدَمة في الطباعة ثلاثية الأبعاد.

كما يقف تمثال شبكات عنكبوت الحرّة الآسيوي داخل 20 صندوق أكريليك مكدّس — صنعه Ecologic Studio — إلى جانب قطع تبدو وكأنها خيوط عنكبوت حقيقية، من بينها فستان Argiope من مجموعة 2016 “Lucid”، مستوحى من شبكات جنس Argiope ومصنوع من بولي يوريثان ABS مطبوع ثلاثيّاً ومخيّط يدوياً على حرير سوداء ليحاكي احتضان الجسم داخل شرنقة دقيقة.

يتوسّع العرض ليشمل تعاونات متعددة، مثل عملها مع الراحل كيم كيفر — مهندس ناسا السابق وصانع صور فوتوغرافية سائلة ضخمة ألهمت مجموعة 2019 “Shift Souls” — وكذلك تركيب روب وين الزجاجي الضخم “حياة إضافية” الذي يستحضر هنا دوامة درب التبانة. إلى جانبه يبرز نوع من التيبوتا البولينيزي التقليدي من القرن التاسع عشر مصنوع من قماش اللحاء بنقوش نياويان الهندسية. وتظهر أيضاً إطلالات تستدعي أنظمة الجذور تحت الأرض، بينها فستان Genesis من مجموعة 2022 “Meta Morphism” المصنوع من أوراق الموز المطرّزة بعناية؛ ثم عمل توني كوستا “الديناميكيات البصرية” الذي يتناغم مع التأثير الخداع للبساط الياباني Data Dust Kimono من مجموعة 2018 “Ludi Naturae”. نحت ميايلار غير معنًى لتارا دونوفان الذي يستحضر أبواغ فطرية معدنية يقابله فستان Syntopia من 2018 المصنوع من أورغانزا الحرير والكرِيب المقطوع بالليزر والميايلار والفولاذ المقاوم للصدأ.

يقرأ  فنان يبتكر عوالم حالمة ككتبٍ مصوّرة، بعمالقةٍ رقيقين؛ يحوّل المشاهد اليومية إلى شذراتٍ شعرية

تشمل المعروضة 15 عملاً مأخوذاً من مجموعة المتحف الدائمة، كما يستكشف العرض عملية إبداع فان هيربن عبر إعادة إنشاء الورشة في القبة الدائرية في الطابق الخامس، حيث تُسقط فيديوهات بناء القطع على بكائر قماش عملاقة تمتد من قواعد العارضات إلى سقف القبة.

يسترجع يوكوبوسكي ذكرى بداية التعاون قائلاً إن إيريس قضت يوماً كاملاً معهم في مخازن المتحف، وأنها قبل وصولها كانت لديه تصوّرات عن بعض القطع، لكنها سرعان ما قامت بأبحاثها الخاصة قبل أن يرسلوها إليها، فنتج عن ذلك لحظات تناغم جميلة بين مجموعات المتحف وعمل إيريس.

معرض “إيريس فان هيربن: نحت الحواس” يستمر حتى السادس من ديسمبر.

أضف تعليق