فيرمير الممحى كتابان وغياب الإجماع

غرفة تخلو من كل شيء سوى كرسي واحد وشعاع ضوئي ذهبي. ومع ذلك، فإن التفاصيل — أرضية رخامية منقوشة، بلاط ديلفت الأزرق، زجاج ملون على النافذة — تكشف على الفور أن مركب لوحة جورج ديم «امتداد فيرمير» (2000) هو بيت هولندي من القرن السابع عشر. كم من عصور داخلية أخرى أصبحت مفهومة فوراً ومأسورة نفسياً لدى المشاهد المعاصر؟ بفضل أعمال يوهانس فيرماير، تحولت بساطة عالم يفصلنا عنه أربعة قرون إلى رمز للذاتية الحديثة: خاصة، تأملية، وفردانية.

ديم، الفنان الأميركي الذي توفي عام 2008 عن عمر يناهز خمسة وسبعين عاماً، يحتل موقعاً محورياً في كتاب روث برنارد ييزيل الجديد عن إرث فيرماير: «حيوات فيرمير التالية» الصادر قريباً عن مطبعة جامعة برينستون. نقل ديم لوحات فيرماير لكنه أزاح عنها الشخصيات، فاتحاً مساحة أكبر للإسقاط الذهني الذي تؤكد ييزيل أنه عنصر جوهري في شعبية فيرماير واستمرارية تقليده بين فنانين من مثل فيلهلم هامرشوي إلى غيرهارد ريشتر.

يشتهر فيرماير بمشاهده الطونية الدقيقة من الحياة اليومية، حتى ظن البعض أنه استفاد من غرفة مظلمة (كاميرا أوبسكيورا)، وفي الوقت ذاته تُحيل أجواؤها — ذلك النور الرائع — إلى أبعاد شبه ماورائية. مشاهد الحياة البسيطة عنده مثيرة لكنها لا تفرض سرداً واضحاً؛ ففتحتها التفسيرية تمنح المشاهد مجالاً لصوغ ارتباطاته الخاصة، إما بالاستغراق في غموض ممتص أو بإملاء نهايات يكتبها هو كما رأينا في أعمال كثيرة من الأدب والشعر التي توثقها ييزيل. غموض شخصيات فيرماير، وغالبيتها من النساء، أنجب أعمالاً تتراوح بين رواية تراسي شيفالير الضخمة «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي» (1999) وأنساق شعرية. سطر إيمون غرينان «منذ أن رسمها، ستظل تضع هذا العقد اللؤلؤي» ينقل عمل الفنان عمداً خارج زمانه ويمنحه صفة الأبدية.

يقرأ  فنان يبدع لوحاتٍ تتصادم فيها النباتات والحيوانات والفضاء في تراكيب حالمة تستكشف الزمن والغموض والتحول الهادئ

يوهانس فيرماير: الفتاة ذات القرط اللؤلؤي، نحو 1665.
Mauritshuis

بإخراج ديم للشخصيات من اللوحات، يحاكي فعلاً ما حل بفيرماير نفسه، الذي كاد أن يُمحى من التاريخ لما يقرب من قرنين قبل أن يعيد ناقد فرنسي اكتشافه في ستينيات القرن التاسع عشر. سافر ثيوفيل ثوري إلى هولندا عام 1842، وأُعْجِب بـ«منظر طبيعي رائع واستثنائي» في متحف لاهاي — لوحة فيرماير «منظور دلفت» (حوالي 1660–63) — وكتب في مقال عام 1866 جرداً لأعمال الفنان وحدد فيها ما افتقار إليه الفن الفرنسي آنذاك: المصداقية، والطبيعة، والنور. منذ نشأة التأريخ الفني، إذن، استُخدمت شخصية فيرماير للاستجابة لحاجات الحاضر، فعاود الظهور في سجل التاريخ حين بدأت اللوحة الفرنسية تُعنى أكثر بالأجواء من السرد — تحوّل صارخ صاغ مفاهيم الفن الحديث.

تصحيح موقع فيرماير في التاريخ اقتضى تذكُّر سياقه الأصلي، وهو ما يسعى إليه اندرو غراهام-ديكسون في سيرته الحديثة «فيرماير: حياة ضائعة ومُستعادة»، التي تُعيد خصوصية الأعمال عبر قراءة دلالية للتفاصيل الصغرى وربطها بمشاغل هولندا في القرن السابع عشر.

يبذل غراهام-ديكسون جهداً واضحاً في بناء المشهد التاريخي لدرجة أن مولد الفنان لا يظهر إلا في الصفحة 77 من مجلد ضخم يضم 416 صفحة. قبل ذلك، يرشد القارئ عبر حروب دينية معقدة مزقت الإقليم ويعرض نشوء حركات دينية بديلة، ولا سيما جماعة «الكوليجنتس» (امتداد للكنيسة الرمنسترنتية). كانت هذه الحركة، الرافضة لصلابة الكالفينية، تدعو إلى السلمية والتسامح والممارسة الروحية الفردية.

يوهانس فيرماير، الفتاة التي تقرأ رسالة عند نافذة مفتوحة، 1657–59.
صورة: وولفغانغ كريشه / © Gemäldegalerie Alte Meister, Staatliche Kunstsammlungen Dresden

تكشف الوثائق الأرشيفية أن راعيي فيرماير، بيتر كلايز فان رويفن وماريا دي كنويت، لم يكونا عضويْن فحسب في حركة الكوليجنتس، بل استضافا اجتماعاتها في منزلهما المعروف باسم «النسر الذهبي» — اجتماعات ربما كانت لوحات فيرماير تشكل خلفيتها. (كانت ماريا قائدة تلك الاجتماعات وراعيةً رئيسية للفنان، ما يشكل منحى نسوياً على تاريخ الرعاية الفني التقليدي.) بالنسبة إلى غراهام-ديكسون، تشكّل صلة فيرماير بالكوليجنتس العامل الأهم في تعريف عمله؛ فهو يقرأ اللوحة فعل إيماني، سرّاً يشبه المعمودية أو القربان، وطريقة للتحقّق من عالم أفضل في زمن الفتن.

يقرأ  خصص مجوهرات ستوديو جوجو من الفضة الإسترلينية بقطع ليجو — تصميم عملاق

تُظهر قراءتا ييزيل وغراهام-ديكسون لعمل «الفتاة التي تقرأ رسالة عند نافذة مفتوحة» (حوالي 1657–59) اختلاف مقاربتيهما لفيرماير. لطالما ظُنّ أن الخلفية الجدارية كانت فارغة، لكن ذلك الفراغ المرسوم أخفى صورة داخل الصورة لقُبّان معرّض. وفي حين افترض البعض أن فيرماير نفسه طمس القُبّان تبنياً لأسلوب أكثر نضجاً قائم على المساحة التأملية وصفاء اللوحة، كشفت أعمال الترميم الحديثة أن الطلاء الإضافي أُضيف بعد وفاة الفنان. يرى غراهام-ديكسون في وجود القُبّان دليلاً على أن اللوحة زواجٌ يصوّر المحبة المقدسة؛ أما ييزيل فترى فيها تحدّياً لفكرة الحداثة التي يُفترض أن ينتمي إليها فيرماير.

أيّ تمثّل لهذا الفنان يروق لنا — سواء كانت إلهاماً حداثياً بحسب ييزيل أو تَقَيُّداً دينياً بحسب غراهام-ديكسون — يعتمد على ما نبتغيه من الفن: حقائقه الماضية أم توهُّجاته الحاضرة. كلا المؤلفين يثريان فهمنا لهذه الشخصية الفريدة، التي تركت مجموعة ضئيلة من نحو ثلاثين لوحة تُشِع ضوءاً دائمًا.

أضف تعليق