هل تشهد الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة تراجعًا؟

في مارس 1992 خصّصت مجلة Christianity Today، النافذة الإنجيلية البارزة في الولايات المتحدة، غلافاً ومقالاً استقصائياً عن الظاهرة المعروفة بـ«الصهيونية المسيحية» — ذلك التيار اللاهوتي والسياسي الذي يرى أن هجرة اليهود إلى فلسطين شرط ضروري لعودة المسيح. آنذاك حذّر التقرير من تراجع في قاعدة أنصار الحركة، الذين معظمهم من الإنجيليين المحافظين الذين تميل ناخباتهم للتصويت للحزب الجمهوري.

إلا أن العقدين والتسعينات الثلاثة التالية شهدت ازدهاراً للحركة. يقدر الآن عدد أتباعها بعشرات الملايين، وبخاصة في مناطق الجنوب وجنوب شرق البلاد المعروفة بحزام الكتاب المقدس (the Bible Belt). بفضل ثراءٍ مالي ووجود مؤسسي قوي، استطاعت الصهيونية المسيحية أن تفرض نفوذاً سياسياً كبيراً، وساهمت في ترسيخ الدعم الأمريكي غير المشروط لاسرائيل بين القاعدة اليمينية. كما لعبت دوراً مؤثراً في انتخاب جورج دبليو بوش لفترتين وفي تعبئة التأييد لحربه المدمرة على العراق، التي برّرها بعض منظري الحركة لاهوتياً باعتبارها خطوة تؤدي إلى إعادة بناء بابل وعودة المسيح ونهاية الأزمنة.

بعد أكثر من ثلاثين سنة، صدرت أيضاً توقعات بنهاية محتملة للحركة. ففي عدد نوفمبر 2025، نشرت مجلة Jacobin تقريراً تحدث عن «نهاية الأوقات للصهيونية المسيحية»، وجاء ذلك وسط تراجع شعبيّة اسرائيل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي إثر الحرب الكارثية على غزة، التي شهدت مقتل أكثر من 72,000 فلسطيني، بينهم نحو 38,000 من النساء والأطفال، وأدّت إلى انقسام داخل القاعدة الإنجيلية.

رغم تراجع الدعم الشعبي، لا تزال الحركة تتمتع بقدرة تأثيرية لافتة داخل منظومة السلطة الأميركية، بدعم من موارد مالية كبيرة وبنية مؤسسية متينة. على سبيل المثال، أنفقت الذراع الضغطية لمنظمة Christians United for Israel (CUFI) أكثر من 670,000 دولار على النشاط اللوبي في واشنطن لفرض تشديد العقوبات على إيران وقضايا أخرى، كما عملت على تأمين مليارات الدولارات كمساعدات لاسرائيل.

استُخدمت شبكات وتأثيرات قادة مسيحيين بارزين لتغذية مناخات الحرب على إيران أيضاً؛ فقد أشاد بعض القادة بما اعتبروه سياسات إدارة ترامب التي يمكن أن تُقرأ عندهم كحرب دينية قد تفسح المجال لتحقيق نبؤات كتابية تتناول صراعاً بين إسرائيل و«فارس».

فهل تستطيع هذه الحركة الحفاظ على نفوذها في ظل تراجع تعاطف الأميركيين مع اسرائيل؟ أم أن زوالها وشيك هذه المرة؟

شقوق في قاعدة التأييد

تمتد الصهيونية المسيحية عبر طوائف عديدة، لكن قلبها النابض هم الإنجيليون. يدعم كثير منهم مشروع الصهيونية بدافع واجب ديني تجاه اليهود كـ«شعب مختار» أو لأنهم يعتبرون اسرائيل حليفاً طبيعياً للولايات المتحدة وحامياً للأماكن المقدسة. وتشير دراسات حديثة إلى أن التقدّم في العمر ليس العامل الوحيد: فالشباب الإنجيلي أبعد عن نصوص تفسيرية محورّية تعزز ارتباطهم بإسرائيل.

يقرأ  زعيم اليسار الفرنسي ميلانشون يعلن ترشحه لانتخابات الرئاسة الفرنسية 2027

في استطلاع أُجري عام 2021 وركز على الإنجيليين دون سن الثلاثين، عبّر 33.6 بالمئة فقط عن تأييدهم لإسرائيل. الباحثان موتي إنباري وكيريل بومِن، الذين كلفا هذا المسح، رجّحا أن تراجع الإيمان بتفسيرٍ كتابي مركزي — هو المذهب المعروف بأن المسيح سيعود قبل ألفية الحكم (premillennialism) — يمثل سبباً مُهماً لهذا التحول. هذا الاعتقاد، الذي يرى أن تحقيق عدد من النبوءات مرتبط بإقامة «إسرائيل التوراتية» وبضرورة دعمها في صراع وجوديّ ضد خصوم إقليميين وبالمساعدة في بناء الهيكل الثالث على موقع المسجد الأقصى في القدس المحتلة، كان أكثر انتشاراً لدى الأجيال السابقة: ففي مسح للجمعية الوطنية للإنجيليين عام 2011، تبنّى 65 بالمئة من الإنجيليين هذا الاعتقاد عبر مختلف الفئات العمرية، بينما أشار مسح 2021 إلى أن نسبة المؤمنين به بين المشاركين لم تتجاوز 21 بالمئة.

بخلاف التحولات الدينية، ثمة أيضاً تبدلات سياسية مرتبطة بأحداث إقليمية مثل مجزرة غزة وتصعيد الاستعدادات لحرب على إيران، ما أدّى إلى هبوط ملحوظ في تأييد إسرائيل لدى شباب المحافظين ولدى المسيحيين بوجه عام وفق استبيانات مؤسسة بيو (Pew Research). واستطلاع آخر صادر عن معهد فهم الشرق الأوسط (IMEU) يكشف أن شريحة متزايدة من الجمهوريين الشباب ترى أن لإسرائيل تأثيراً مفرطاً على السياسة الأميركية، وأن هذه النظرة قد تنعكس في أنماط التصويت.

المال والسلطة

حتى الآن، لم تترجم التحولات السلوكية للشباب الإنجيلي إلى تآكل فوري في قدرة الصهيونية المسيحية على ممارسة النفوذ. كما قال القس الفلسطيني الأميركي فاديس إبراهيم لصحيفة الجزيرة: «قد تكون شعبيتهم تقلّ، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تقلص قوتهم. فهي منظَّمة جيداً ومموَّلة بكثافة، ومتحالفة مع مجموعات علمانية وصهيونية يهودية؛ وهذه التحالفات تمنحها متانة بنيوية.»

كيف بُني هذا النفوذ؟ يشرح الباحث دانيال هومل من جامعة ويسكونسن-ماديسون أن الحركة استمدت قوتها من انسجامها مع اتجاهات لاهوتية وثقافية سابقة تجاه اسرائيل والاستثنائية الأميركية، ولا سيما بين الإنجيليين. تَكوّن هذا التيار، الذي يمثل نحو ثلث سكان الولايات المتحدة تقريباً، ككتلة انتخابية منظمة في سبعينيات القرن الماضي وساهم في انتخاب ريتشارد نيكسون ثمّ لعب دوراً في حركات أدت لاحقاً إلى ربط شؤون الدين بالسياسة الحزبية المحافظة.

أدخل قادة إنجيليون مثل القس المعمداني جيري فولويل قضيّة دعم اسرائيل تدريجياً إلى اجندتهم السياسية، فبنهاية السبعينيات أسّس فولويل حركة Moral Majority المحافظة التي وحدت اليمين المسيحي وسياساته، وساهمت في تمهيد الطريق أمام انتخاب رونالد ريغان لفترتين رئاسيتين. بعد عامين فقط على تأسيسه، تفاخَر فالويل بأنه قادر على «تعبئة 70 مليون مسيحي محافظ لصالح إسرائيل». اليوم، يمثّل المجتمع المسيحي الإنجيلي نحو 90 مليون ناخب.

يقرأ  «استراتيجيات فعّالة لتهدئة صف ابتدائي صاخب»

وبفعل الطبيعة اللامركزية للحركة وغياب وجود لوبي مسجل مركزي واحد، لا تتوافر بيانات مالية شاملة تكشف مقدار قوتها الاقتصادية الحقيقية.

لقياس مدى امتداد قدرة الصهيونية المسيحية على جمع الأموال، حققت الجزيرة في الوضع المالي للمنظمات التي تمّ إدراج قادتها ضمن «أعلى 50 حليفاً لإسرائيل» من قبل مؤسسة Israel Allies Foundation الامريكية خلال السنوات الخمس الماضية. شملت القائمة كنائس ضخمة، ومحطات بث دينية، وجمعيات خيرية ومنظمات غير حكومية.

تمكّنت الجزيرة من العثور على بيانات مالية منشورة تخص 36 منظمة؛ بلغت إيراداتها السنوية المجمعة نحو 2.8 مليار دولار.

للمقارنة: في 2024، سجلت رابطة الوسطاء العقاريين الوطنية (واحدة من أكبر مؤسسات الضغط لقطاع العقارات) إيرادات تقارب 360 مليون دولار، فيما بلغت إيرادات الرابطة الوطنية للبنادق نحو 174 مليون دولار.

لكن منظمات الصهيونية المسيحية لا تعمل كلوبيات ضاغطة تقليدية. بحسب ميلاني مكاليستر، أستاذة الدراسات الأمريكية والعلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، فإن تركيزها الأساسي ليس على تقديم تبرعات انتخابية للسياسيين بقدر ما هو على توسيع قاعدة متابعيها.

«الهدف من هذه المنظمات هو حشد مجموعات كبيرة من الناس العاديين خلفها»، قالت مكاليستر.

وتنجح بعض هذه المنظمات في ذلك عبر التبشير وجذب الأتباع؛ فكنائس ضخمة في قائمة الجزيرة، مثل Free Chapel، تتباهى بمئات الآلاف من المتابعين وإيرادات سنوية تصل أحياناً إلى 103 ملايين دولار.

هل هو تراجع وشيك؟

التغيرات في مواقف الشبان من المحافظين المسيحيين لم تُحدث تحوّلاً سياسياً كاسحاً حتى الآن، لكنها أثارت قلقاً في الولايات المتحدة وإسرائيل.

قبل اغتياله في سبتمبر الماضي، أرسل تشارلي كيرك، مؤسس Turning Point USA — المنظمة التي تركز على تعبئة الناخبين الشباب المحافظين والتي يُنسب إليها جزء من الفضل في فوز ترامب بولاية ثانية — رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: «في رأيي، إسرائيل تخسر حرب المعلومات وتحتاج إلى تدخل اتصالي».

في أكتوبر، تعاقدت إسرائيل مع شركة مقرّها الولايات المتحدة لتنفيذ حملة «تحديد جغرافي إعلاني» (geofencing) تستهدف الكنائس الإنجيلية للترويج لمحتوى رقمي مؤيد لإسرائيل ودفع مبالغ للقساوسة مقابل جهود تواصل مؤيدة لإسرائيل. وفي ديسمبر استضافت إسرائيل ألف قسّ أمريكي ومؤثرين لتدريبهم كي يعملوا كسفراء لها ويصلوا إلى الشباب الأمريكي.

يقرأ  إيران تعتقل ثمانية مشتبه بهم بالتجسُّس لصالح الموساد خلال حربٍ دامت اثني عشر يوماًأخبار الصراع الإيراني–الإسرائيلي

وفي أواخر أبريل، صادق الكنيست على موازنة قياسية قدرها 730 مليون دولار للعلاقات العامة المؤيدة لإسرائيل — أي أربعة أضعاف ما أنفق العام السابق.

هل تعني كل هذه الخطوات أن الصهيونية المسيحية في طريقها إلى الانحدار؟ لا يرى الخبراء تحولاً جذرياً قصير المدى قد يؤثر على انتخابات التجديد النصفي 2026، لكن الاتجاهات البعيدة المدى قد تضعف من سلطة الحركة تدريجياً.

ترى مكاليستر أن السرد الذي تروّجه إسرائيل عن نفسها كحليف في مواجهة «تهديد مسلم متخيّل» لا يزال يلقى صدى لدى جزء من الجمهور الأمريكي، وفي الوقت نفسه يظل انتقاد إسرائيل مكلفاً سياسياً، ومن غير المرجح أن يتصدّر الحملات الانتخابية في هذا الموسم.

«الجانب المؤيد لإسرائيل لا يزال قادراً على فرض تكاليف على من يختلفون معه»، قالت.

وبالنسبة إليها، فإن تأييد الصهيونية المسيحية لحرب ضد إيران من غير المرجح أن ينعكس سلباً على الحركة أو على إسرائيل بسرعة؛ لكنه قد يعزّز نزعات العزلة على اليمين.

أما هامل، فيرى أن الصهيونية المسيحية تواجه تحدياً كبيراً من تحول المواقف اللاهوتية. في المعاهد اللاهوتية وبعض وسائل الإعلام المسيحية، تُطعن بالتفسيرات الإنجيليّة التقليدية حول نهايات الزمان ومركزية إسرائيل المعاصرة داخل هذا الإطار.

ولدى الشباب الإنجيليين تأثير كبير لهذا التحول: لم يعودوا ينظرون إلى إسرائيل عبر منظار نبوءات كتابية فحسب، بل ينظرون إليها أيضاً من منظور العدالة الاجتماعية؛ حيث يُرى الفلسطينيون كضحايا والمحتلون الإسرائيليون كقوّة قمعية.

«الثقافة الدينية العميقة تتحول بطريقة تجعل، بالنسبة لي، صعباً تخيل عودة مجتمع إنجيلي موحّد وقوي مؤيد لإسرائيل في المستقبل»، قال هامل.

ويضيف أن التوافق بين الطوائف المحافظة الذي بناه أمثال فالويل في السبعينيات والثمانينيات قد يتفكك. والنتيجة قد تكون اتساع الشقوق الطائفية — إنجيليون مقابل كاثوليك — وهو ما قد يؤثر على قدرة الحزب الجمهوري في تعبئة الناخبين الشباب.

في رأي القس ابراهيم، ثمّة أيضاً خطر تفتت داخل المجتمع الإنجيلي، وأن الحرب على إيران، شأنها شأن ما يجري في غزة من مجازر — بحسب تعبير التقرير — قد تكثّف التناقضات بين الخطاب السياسي الذي يتعرّض له المسيحيون المحافظون وتعاليم المسيحية ذاتها.

«أعمق تهديد للصهيونية المسيحية وللسياسة المحيطة بهذه الحرب ليس مجرد فشل استراتيجي. إنه انكشاف أخلاقي. إنها الأرض اللاهوتية الهشة التي تقف عليها»، قال القس ابراهيم.

أضف تعليق