خريجو الجامعات الأمريكية يواجهون سوق عمل قاسٍ في ظل عدم اليقين الاقتصادي أخبار التعليم

نيويورك، الولايات المتحدة

كل شهر مايو، وكأن الأمر منصوص عليه، يتوافد خريجو الجامعات المنتظرون إلى منتزه واشنطن سكوير في مَنَاطقٍ من الأقنعة والأرواب الاحتفالية—غالباً بلون البنفسجي، لون جامعة نيويورك القريبة. بحر من العشرينات من العمر يتجمّع لالتقاط صور تخلّد لحظة انتهاء رتابة الحياة الجامعية وبداية مواجهة المجهول المهني.

جولي باتيل، التي تخرجت حديثاً بحصولها على ماجستير في الصحة العامة، كانت واحدة من هؤلاء. لكن سوق العمل الضيق خفّف من فرحة حفل التخرج.

تخبر باتيل قناة الجزيرة أن توقعاتها عند دخولها البرنامج وعند الخروج منه بشأن فرص العمل والتمويل والفرص المتاحة اختلفت اختلافاً بالغاً.

مثل ملايين من زملائها عبر البلاد، تدخل باتيل سوق عمل هشاً يتأثر بتصاعد حالة عدم اليقين الاقتصادي الناجمة عن أسباب عدة، من بينها الرسوم الجمركية، والتسارع في تبنّي الذكاء الاصطناعي، والنزاعات العالمية، وفي حالتها تحديداً، تخفيضات تمويلية حكومية أدّت إلى إبطاء التعيينات، لا سيما للخريجين الجدد.

أظهر أحدث مسح الوظائف ودوام العمل (JOLTS) الصادر عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن عدد الوظائف الشاغرة بلغ 6.9 مليون في مارس، بينما ارتفعت عمليات التوظيف هامشياً بمقدار 655 ألفاً لتصل إلى 5.6 مليون، وكانت حالات الانفصال عند 5.4 مليون. هذا يعني أن أصحاب الوظائف الحالية نادراً ما يغادرونها لانتقال إلى وظائف أخرى، مما يترك طلاباً أمثال باتيل في موقف صعب.

في تحليل نشره معهد السياسات الاقتصادية، قالت إليس جولد وجو فاست إن «معدل التوظيف المُخفض يوحي بصعوبة حصول الداخلين الجدد على موطئ قدم في سوق العمل». وأضافا أن «انخفاض معدل الاستقالات يشير إلى تراجع الحركة العامة في سوق العمل بينما يقف العمال وأرباب العمل في حالة تريث خلال هذه الفترة من الضبابية الاقتصادية، والمرجح ارتباطها بقرارات سياساتية فوضوية وتنفيذٍ متذبذب حول الرسوم الجمركية والترحيلات والصراع مع إيران».

أظهر تقرير الوظائف الأحدث أن الاقتصاد الأمريكي أضاف 115000 وظيفة، كان معظم النمو في قطاعات الرعاية الصحية والنقل والتجزئة. وفي المقابل، شهدت القطاعات المكتبية تراجعاً: فقدت الأنشطة المالية 11 ألف وظيفة، وقلّ عدد وظائف خدمات المعلومات بنحو 13 ألفاً. وللمقارنة، دخلت دفعة 2025 سوق العمل العام الماضي عندما أضاف الاقتصاد 177000 وظيفة.

بصورة عامة، تباطأ نمو الوظائف بشكل حاد. حتى الان في 2026، بلغ متوسط الإضافة الشهرية نحو 68000 وظيفة مقارنةً بـ 49000 في 2025، و186000 في 2024، و251000 في 2023، مع ملاحظة أن الأرقام الكبيرة في 2023 و2024 كانت نتيجة موجات التسريح خلال جائحة كوفيد-19.

يقول ألكسندر توميتش، عميد مساعد للاستراتيجية والابتكار والتكنولوجيا في بوسطن كوليدج، لقناة الجزيرة: «نعيش حالياً في بيئة تكاد تكون بلا توظيف واسع أو فصل جماعي». ويضيف أن «معدلات دوران العمالة أقل مما هي معتادة، ومع موجات التسريح توجد الآن قوى عاملة ذات خبرة تبحث عن وظائف وقد تدفع الخريجين الجدد للخروج من السوق».

يقرأ  محكمة باريس تحظر عرض أقدم آلة حاسبة معروفة في مزاد علني

تأثير موجي لتخفيضات التمويل الحكومي

أصبحت تخفيضات التمويل الحكومية ضربة لجهات التوظيف المحتملة في مجال الصحة العامة، القطاع الذي تسعى باتيل إلى العمل فيه.

في الربيع الماضي، قام ما يُسمّى بوزارة كفاءة الحكومة — التي ترأسها أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك — بتقليص مجموعة واسعة من البرامج والصناديق الحكومية بزعم الحد من هدر الإنفاق. ومن بين هذه التخفيضات نحو 4 مليارات دولار مخصّصة للأبحاث كانت تمنحها المعاهد الوطنية للصحة.

أدّت تخفيضات تمويل البحث إلى أنظمة جامعية في أنحاء الولايات المتحدة تطبق تجميدَ توظيف، شملت مؤسسات مثل جامعة ديوك في نورث كارولاينا وجامعة هارفارد في ماساتشوستس. والجامعات لا تزال تعلن عن خفض وظائف؛ الشهر الماضي طبقت جامعة ميريلاند تجميداً للتوظيف، وقصّت جامعة برينستون وظائف. هذا يؤثر على وظائف البحث التي يتنافس عليها كل من باتيل وزميلتها مولي هوارد.

تقول هوارد للقناة: «نحن لا نتنافس فقط مع دفعتنا، بل أيضاً مع دفعة العام الماضي ومع أشخاص فقدوا وظائفهم بسبب تخفيضات التمويل، ولديهم خبرة أكبر، وكل شيء صار أصعب للغاية».

ويستمر تراجع قوة العمل الفيدرالية؛ أظهر تقرير الوظائف الأخير أن العاملين في الحكومة الفيدرالية انخفض عددهم مجدداً بمقدار 9000 في أبريل — بانخفاض قدره 348000 منذ ذروة أكتوبر 2024 — ما يترك الساعين للعمل في الخدمة العامة، مثل كاثلين جيانتي الحاصلة على ماجستير في الشؤون الدولية من جامعة كولومبيا، أمام فرص أقل وزيادة في حدة المنافسة على وظائف مراكز الفكر.

ويتنافس الخريجون الجدد أيضاً مع طلاب لا يزالون في الدراسة على فرص التدريب (internships). تقول جيانتي: «أشعر أنني أتنافس على تدريبات مع من هم على وشك التخرج، بينما يتنافس الخريجون على وظائف مع أشخاص فقدوا وظائفهم بسبب خفض التمويل وإغلاق وكالات مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وتخفيضات تمويل الأمم المتحدة، وهكذا». وتختم: «يبدو أن الجميع يتنافس مع من لا يتوقع المرء أن يتنافس معهم».

الذكاء الاصطناعي يلوح في الأفق

يضغط الذكاء الاصطناعي أيضاً على سوق العمل للمبتدئين. أظهر تحليل من مختبر اقتصاد الرقمنة في ستانفورد انخفاضاً نسبياً بنسبة 16% في العمالة للّذين في مساراتهم المهنية المبكرة، بما في ذلك مهندسو البرمجيات والعاملون في أدوار خدمة العملاء، بينما يظل نمو العمال الأكثر خبرة مستقراً نسبياً.

يقول توميتش: «الذكاء الاصطناعي يعيق سوق وظائف المبتدئين بالفعل. نرى دلائل على ذلك؛ فهو يقوم بأمرين: يجعل المنافسة أصعب على المرشحين المبتدئين، وفي الوقت نفسه يزيد الطلب على العمال ذوي الخبرة».

يقرأ  إسرائيل تستدعي ٦٠ ألفاً من قوات الاحتياطفي إطار خطة لتوسيع الحرب واحتلال مدينة غزة — بنيامين نتنياهو

ومن المتوقع أن يتزايد هذا الضغط مع مرور الزمن. وجدت دراسة استقصائية لبنك جولدمان ساكس نشرت هذا الشهر أن التقدّم في الذكاء الاصطناعي يقابله متوسط خسارة قدره 16000 وظيفة من الاقتصاد شهرياً.

قال داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، مراراً خلال العام الماضي إن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على نصف وظائف المبتدئين في القطاعات المكتبية خلال الخمس سنوات المقبلة.

أما شعبية أدوات الذكاء الاصطناعي لدى الجيل زد فقد تراجعت العام الماضي. أظهر استطلاع أجراه معهد غالوب أن 22% من المستجيبين من جيل زد يشعرون بالحماس إزاء الذكاء الاصطناعي، وهو انخفاض قدره 14 نقطة مئوية مقارنةً مع نفس الفترة من العام الماضي، فيما يدخلون سوق عمل تتزايد فيه المنافسة بين فئات عمرية متعددة.

قالت ستيفاني ألستون، المديرة التنفيذية لشركة BGG Enterprises المتخصصة بالتوظيف، لقناة الجزيرة: «لأول مرة منذ عقود، يخرج خريجو الجامعات إلى سوق عمل يتنافسون فيه ليس فقط مع أقرانهم، بل مع جيل الألفية وجيل إكس، وفي بعض الحالات مع جيل الطفرة السكانية (بيبي بومرز) الذين فقدوا وظائفهم مؤخراً نتيجة تزايد تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وفي كثير من الحالات، أُلغيت وظائف المبتدئين واستبدلت كلياً بتقنيات الذكاء الاصطناعي.»

ويعاني الخُرجين الجدد أيضاً من عملية تقديم وظائف يُشكلها الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة، ما رفع حاجز الدخول إلى سوق العمل. السير الذاتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في بوابات التوظيف المزدحمة وظهور مرشحين مزيفين أثقل عملية التوظيف. وتتوقع شركة الاستشارات KPMG أنه بحلول عام 2028 سيكوّن المرشحون غير الحقيقيين ربع عدد المتقدمين للوظائف.

قالت فيفيكا د سوزا، الحاصلة حديثاً على ماجستير في ابتكار وسائل الإعلام وتواصل البيانات من جامعة نورث إيسترن، للجزيرة: «أجريت بعض المقابلات، لكن لأكون صادقة تماماً، قدمت خلال الشهر الماضي على 60 وظيفة ونسبة الردّ التي تلقيتها تقارب 10 إلى 12 في المئة، وهذا أمر محبط.»

أما الآن، فهناك ظاهرة جديدة تتمثل في إجراء المقابلات الأولية عبر مجندين افتراضيين مدعومين بالذكاء الاصطناعي قبل التحدث إلى شخص حقيقي. قال كورتني غلادني، الذي تخرج حديثاً من كلية ليموين-أوين (كلية تاريخية للسود) في ممفيس بتنسّي بشهادة في إدارة الأعمال، إنه خضع لمقابلات أدارها «شخصيات» افتراضية تعمل بالذكاء الاصطناعي. وكان غلادني يعمل في سوق العمل قبل أن يعود لاستكمال دراسته والحصول على الدرجة.

«نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي، وهذه أمور جديدة تتبنّاها الشركات»، قال غلادني، وأضاف: «أشعر أحياناً أنها ليست جيدة لأنني أحتاج إلى أن يشعر المنَفّذ في المقابلة بي، وليس خوارزمية فقط.»

يقرأ  الهنديات المكفوفات في الكريكيت يسعين لصنع التاريخ في أول كأس عالم تي٢٠

موجة جديدة لمشكلة قديمة

ليست ظروف العمل الصعبة أمراً جديداً بالكلية؛ فقد واجه الخريجون الجدد سوق عمل جامداً عام 2020 مع اندلاع جائحة كوفيد-19، ودخل خريجو 2008 و2009 سوق العمل في ظل الكساد الكبير. ومع ذلك، يرى توميك أن سنة 2026 تروي قصصاً مختلفة تمام الاختلاف لأشخاص مختلفين داخل الاقتصاد الأمريكي.

أثرت اضطرابات كوفيد على الاقتصاد الأوسع بشكل عام، فيما أثّرت ضغوط الرسوم الجمركية على الأسر ذات الدخل المنخفض أكثر من غيرها. وعلى صعيد الوظائف، أدى إزاحة الذكاء الاصطناعي إلى ضغط أكبر على الوظائف التي تتطلب خبرة أقل، بينما ارتفعت قيمة أصحاب الخبرات المتراكمة.

«سوق العمل للعاملين المتمرسين يختلف جذرياً عن سوق أولئك الذين يفتقرون للخبرة»، قال توميك. «الذكاء الاصطناعي لم يؤثر على المتمرسين بذات الطريقة التي أثر بها على غير المتمرسين. في الواقع، تظهر البيانات طلباً متزايداً على الأشخاص أصحاب الخبرة، في حين انخفض الطلب على العمال غير المتمرسين، خاصة في الوظائف الأكثر عرضة للإحلال بتقنيات الذكاء الاصطناعي.»

قفز معدل البطالة بين الخريجين الجدد مرتين خلال العقدين الماضيين؛ ففي يونيو 2020 بلغ 13.4% بين الخريجين الجدد، أعلى قليلاً من معدل السكان العام البالغ 12.9% في ذروة الجائحة. كما ارتفع بشدة في أعقاب الكساد الكبير، فبلغ 7.1% في مايو 2010 بعد سنوات من ارتفاع البطالة، مع الإشارة إلى أن هذا الرقم ظل أدنى من معدل البطالة في عموم السكان الذي بلغ 9.8% حسب بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك.

الآن انخفض معدل بطالة الخريجين الجدد إلى 5.6%، لكنه لا يزال أعلى من معدل البطالة في عموم السكان الذي يبلغ 4.2%. أما مشكلة العمل بأجر أقل من المؤهلات (underemployment) فلم تتغير جذرياً، إذ تقف عند 41% بين الخريجين الجدد، مقارنةً بـ43% قبل عشرة أعوام و42% قبل عشرين عاماً، وفق بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي.

وهذا يعني أن الجامعات ليست في أرض مجهولة تماماً. قال كريستوفر ديفيس، رئيس كلية ليموين-أوين: «علينا أن نخبر الطلاب أن هذه ليست المرّة الأولى التي نواجه فيها هذا الواقع. إنها جزء من الدورة الاقتصادية؛ هناك فترات ازدهار وفترات ركود.» وشدّد ديفيس على أنه بالرغم من التحديات التي طرحها الذكاء الاصطناعي وعدم اليقين السياسي، فإن التركيز على المهارات الشخصية—كالشبكات وجهاً لوجه في عصر الذكاء الاصطناعي—سيساعد الطلاب على التقدم.

«الدرجة العلمية قد تمنحك فرصة للمقابلة، لكن المهارات الشخصية ليست فقط التي تحصل لك على الوظيفة، بل هي التي تمكنك من الاحتفاظ بها.»

أضف تعليق