لبنان وسوريا: إعادة تشكيل العلاقات وسط هجمات إسرائيلية وتحولات إقليمية

بيروت — 9 مايو

قام رئيس وزراء لبنان نواف سلام بزيارة رسمية ثانية إلى العاصمة السورية دمشق في أعقاب سقوط نظام الاسد أواخر 2024، في خطوة تفسيرها مراقبون على أنه جزء من إعادة ضبط للعلاقات بين البلدين بعد عقود من النفوذ السوري المباشر والتدخلات الأمنية والسياسية. جاءت الزيارة بينما لا تزال كل من لبنان وسوريا تتعرضان لهجمات إسرائيلية مستمرة واحتلال لأجزاء من أراضيهما.

إطار جديد للعلاقات

عن سؤالها لمستقبل العلاقة بين الدولتين، قالت نانر حواش، كبيرة محللي مجموعة الأزمات الدولية لشؤون سوريا، إن دمشق تسعى إلى تصوير العلاقة على أنها تعاون بين دولتين ذات سيادة ومساواة، وأن هذا الخطاب رافقه خطوات مؤسسية مثل تجميد المجلس الأعلى اللبناني-السوري واستئناف العمل بالتمثيل الدبلوماسي على مستوى السفراء بين الجانبين.

انقلاب المعايير والأولويات الجديدة

في ديسمبر 2024 شنّت فصائل معارضة سورية عملية واسعة لاستعادة مناطق خاضعة لسيطرة النظام، بما في ذلك دمشق، وما لبث الرئيس بشار الاسد أن غادر البلاد، منهياً عقوداً من الحكم العائلي. الحرب التي أعقبت قمع انتفاضة 2011 دمرت مساحات واسعة وأدت إلى عزلة نظام الاسد وفرض عقوبات دولية متكررة.

تلك التطورات أعادت تشكيل الدينامية اللبنانية-السورية. يقول المحلل اللبناني منير ربيع إن سقوط الاسد وفوز أحمد الشراء بالسلطة لم يكن متوقعين في بيروت، مما فتح صفحة جديدة من الحسابات السياسية والأمنية بين البلدين.

جذور العلاقة وتعاقب النفوذ

ترجع علاقات البلدين المركبة إلى مراحل تأسيسهما كدول حديثة؛ فالحدود التي رسّمت بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية تحت الانتداب الفرنسي بيّنت واقعاً جديداً فصل لبنان عن سوريا الكبرى، وغيّرت أنماط العيش والاقتصاد والسياسة في كلا البلدين. صعود حافظ الاسد في 1971 وتدخل سوريا في الحرب الأهلية اللبنانية لاحقاً (1976) أسهما في احتلال جزئي وامتلاك نفوذ سياسي وأمني طويل المدى حتى انسحاب القوات السورية عام 2005. رغم الانسحاب، استمر النفوذ السوري عبر حلفائه المحليين إلى أن بدأت انتفاضة 2011 بتحويل اهتمام الدولة السورية إلى قضاياها الداخلية.

يقرأ  اعتقال رجل أسترالي بتهمة سرقة مجموعات ليغو وألعاب بقيمة ٢٥٠ ألف دولار أسترالي

انعكاسات سقوط النظام على حزب الله والاقتصاد

أدى سقوط نظام الاسد إلى قطع خط التصدير البري الذي كان يوفر لحزب الله وصولاً إلى أسلحة وموارد من إيران، إذ كان كل من الاسد وحزب الله يُعتبران جزءاً من ما يُعرف بمحور المقاومة. لعب حزب الله دوراً أساسياً في قمع المعارضة داخل سوريا، أما الحكومة الجديدة بقيادة الشراء فتبنت موقفاً معادياً لحزب الله، وسعت لإعادة دمشق إلى المجتمع الدولي ورفع عقوبات ما قبل الاسد، وإعادة بناء دور اقتصادي إقليمي للبلاد.

أولويات دمشق تجاه لبنان

أبلغت دمشق جارتها أنها تنوي معالجة علاقتها مع لبنان على أساس المساواة بدل اعتباره مساحة نفوذ أو ساحة لصراعاتها. ومن أبرز أولويات دمشق بحسب حواش: ضبط الحدود وتحديدها، نقل السجناء السوريين المحتجزين في السجون اللبنانية، تنظيم عودة اللاجئين بشروط تتيح لدمشق إدارتها، وتسليم شخصيات من عهد الاسد فرّت إلى لبنان. تأتي استعادة الودائع السورية العالقة في المصارف اللبنانية في مرتبة تالية، بينما تحلّ قضايا الغاز والكهرباء والممرات التجارية في مراتب أقل رغم ضجيجها الإعلامي.

قضية المعتقلين والمختفين

من القضايا المثيرة للجدل وجود أكثر من ألفي سوري في السجون اللبنانية. نُقل في مارس دفعة تضم 130 سجيناً إلى سوريا، لكن مئات آخرين لا يزالون قيد الاحتجاز، بعضهم متهمون بقضايا «إرهاب» وآخرون بتهم ارتكاب اعتداءات ضد الجيش اللبناني، ومعظمهم لم يمثلوا أمام محاكم بسبب شلل سياسي وإضرابات قضائية ولا مبالاة سياسية.

بعد زيارته الأخيرة قال سلام إن ملف السجناء والنقاش حول المفقودين والمحتجزين قيد البحث، كما بحث الجانبان سبل تعزيز التعاون الثنائي.

حزب الله وإسرائيل: قضايا معقدة غير مدرجة رسمياً

تبقي كل من بيروت ودمشق موضوع حزب الله خارج جدول الأعمال الثنائي الرسمي، بينما يبرز ملف إسرائيل على أنه تحدٍ مشترك من حيث توسعها الإقليمي والتهديدات على الحدود. على رغم ذلك، لا يبدو أن هناك تنسيقاً منظماً بين البلدين حيال ملف إسرائيل، إذ يُعطى الأولوية للاستقرار الداخلي لكل منهما.

يقرأ  مقتل خمسة فلسطينيين إضافيين في غزة في إطار إبادة إسرائيلية وسط اتساع رقعة الحربأخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

وحول احتمال تدخل سوري عسكري في لبنان لاحتواء حزب الله، نقلت تقارير أن الشراء رفض إرسال قوات بهدف نزع سلاح الحزب. بحسب حواش، ما تقوم به دمشق الآن قد يكون أقصى ما ستفعله: إحكام الرقابة عند الحدود، تقويض شبكات التهريب، وتقديم دعم كلامي على الأقل لجهود الدولة اللبنانية في محاولة احتكار السلاح.

الخلاصة

الزيارة الأخيرة لسلام إلى دمشق تبدو حلقة في مسار طويل من إعادة ضبط العلاقات بين بلدين شقيين، حيث تتنافس الأولويات الأمنية والاقتصادية والسياسية، فيما تبقى قضايا حسّاسة — كملف المعتقلين، دور حزب الله، والاحتكاكات مع إسرائيل — عوامل قد تعيد تشكيل المعادلات إذا ما تغيرت موازين القوة أو تبنّت الأطراف أجندات أكثر حزماً. «كل طرف يتفاوض بمفرده تحت وساطة الولايات المتحدة، وما ثمّة حتى الآن لا يتجاوز مستوى المشاورات على مستوى القيادات.»

هجمات اسرائيل في لبنان أسفرت عن مقتل ما يقارب ثلاثة آلاف شخص منذ الثاني من مارس، مع تقدم القوات الإسرائيلية نحو الجنوب وتسبّبها بدمار واسع وهدم منازل ونزوح أكثر من 1.2 مليون شخص. أعلن دونالد ترامب عن وقف لإطلاق النار في 16 أبريل. ومنذ ذلك التاريخ لم تُسجَّل سوى ضربة واحدة أصابت ضواحي بيروت، لكن الهجمات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء في جنوب لبنان لم تتوقف، ولا أيضًا انتقامات حزب الله.

ولم تَنجُ سوريا من الضربات الإسرائيلية كذلك؛ ففي العام التالي لسقوط الأسد، قصفت إسرائيل سوريا أكثر من 600 مرة. وفي 17 مايو، اتهم فاضل عبد الغني من الشبكة السورية لحقوق الإنسان إسرائيل بـ«الضمّ التدريجي» لجنوب سوريا. وفي اليوم التالي لسقوط الأسد استولت إسرائيل على المزيد من الأراضي في هضبة الجولان المحتلة.

حاولت الدولة السورية تجنّب مواجهة مباشرة مع إسرائيل، واستثمرت موقعها الدولي المستعاد في تعزيز وضعها الداخلي. في نوفمبر 2025، أصبح أحمد الشّراع أول زعيم سوري يزور البيت الأبيض، ما دلّ على تقارب متنامٍ مع إدارة ترامب.

يقرأ  غارات إسرائيلية تودي بحياة ثلاثة في لبنان والجيش يستهدف دورية تابعة للأمم المتحدة

ومع ذلك، واصلت إسرائيل استهداف مواقع عسكرية سورية حتى مارس الماضي، ولا تزال تنشئ نقاط تفتيش على الأراضي السورية بحسب وسائل الإعلام السورية.

«إسرائيل تأخذ جزءًا من لبنان وجزءًا من سوريا»، قال ربيع، مضيفًا أن الهدف هو خلق فتنة بين البلدين. وأضاف أن تحالفًا جديدًا يتشكل في المنطقة.

«تركيه والسعودية تريدان من لبنان وسوريا التنسيق»، قال، مشيرًا إلى أن دمشق وبيروت قد تسعيان بذلك إلى حماية ضمن تحالف أوسع قد يضغط على الولايات المتحدة لإقناع إسرائيل بوقف عدوانها وامتداداتها الإقليمية.

لكن المحللين يرون أن هذا الملف سيكون جزءًا من إطار إقليمي أوسع. في الوقت الراهن تبدو سوريا ولبنان متساويتين إلى حدٍّ ما على طاولة التفاوض، رغم تاريخ الهيمنة السورية على جارها الأصغر. أما أولويات كل بلد —وخاصة سوريا— فمتمحورة حول الشؤون الداخلية.

«لبنان ليس ملفًا ذا أولوية في دمشق الآن»، قال حواءش. «الحكومة الجديدة منشغلة بإرساء الاستقرار في سوريا، وإدارة ملف إسرائيل، وتأمين أموال إعادة الإعمار، وليس لديها لا الرغبة ولا المساحة السياسية لمتابعة أجندة طموحة في لبنان حتى لو أرادت.»

أضف تعليق