تحالف بكين وموسكو يزداد قوة بفضل ترامب واشنطن وتلّ أبيب تتجهان نحو مواجهة مع إيران

قبل أيام من انتخاب دونالد ترامب لفترة رئاسية ثانية في الولايات المتحدة عام 2024، تعهد بـ«تفكيك» التحالف بين روسيا والصين، متهمًا سلفَه جو بايدن بإقرابهما من بعضهما البعض. ومع ذلك، تتوافق تحركاته الأخيرة في الواقع مع سياسات سابقة عقيمة أدت إلى تعزيز التقارب الروسي ـ الصيني.

ليس غريبًا إذًا أن الرئيس الصيني شي جينبينغ دعا نظيره الروسي فلاديمير بوتين بعد أيام قليلة من استضافته لترامب. يبدوأن الزعيمان يتهيئان لاجتماع في غرفة عمليات — لقاء لتقويم المواقف وتنسيق الخطوات عقب قمة شي-ترامب.

أعطت الحرب في إيران دفعة قوية لتقوية الروابط بين موسكو وبكين. إغلاق مضيق هرمز جعل الصين أكثر اعتمادًا حاسمًا على إمدادات النفط والغاز الروسية، ما ساعد موسكو على تعويض خزائنها وتأمين موارد إضافية لتمويل حربها المستمرة في أوكرانيا.

في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، قفز حجم التجارة الثنائية بنحو عشرين في المئة تقريبًا. ومن المتوقع أن تتوسع التعاونات في قطاع الطاقة، وقد ألمح بوتين قبل زيارته إلى أن هناك «خطوة مهمة إلى الأمام» في مجال النفط والغاز.

في سبتمبر الماضي — قبل عام تقريبًا، وبعد ثلاثة أشهر من الضربات الإسرائيلية على إيران — وقعت شركات صينية مذكرة مع عملاق الطاقة الروسي غازبروم لزيادة واردات الغاز الروسي عبر خطي أنابيب من 48 إلى 56 مليار متر مكعب. كما عاد مشروع خط أنابيب «قوة سيبيريا 2» المؤجل منذ زمن إلى الطاولة. واستمرت صادرات أجزاء وتكنولوجيا صينية في دعم الصناعة العسكرية الروسية لتلبية احتياجات جبهة القتال في أوكرانيا.

قد تبدو علاقتهما الاقتصادية متينة، لكن ما يوحدهما الآن هو تحليل مشترك للغرب بقيادة الولايات المتحدة والخطر الذي يشكله على بقية العالم. تصور الولايات المتحدة كفاعل مارق وغير عقلاني جوهريًا يجذبهما طبيعيًا نحو بعضهما.

يقرأ  زيلينسكي: واشنطن تضغط غالبًا على أوكرانيا لتقديم تنازلات بدلًا من الضغط على روسيا— أخبار الحرب الروسية‑الأوكرانية

لكن الأمور لم تكن دائمًا على هذا النحو. قبل عقود، اتخذت واشنطن موقفًا مختلفًا واستثمرت بنجاح في استغلال الفجوات بين الاتحاد السوفييتي والصين. مدفوعًا بكارثة حرب فيتنام في أوائل السبعينيات، سعى الرئيس ريتشارد نيكسون إلى تهدئة مع موسكو والتقرب من بكين، ممهّدًا الطريق لإصلاحات غيّرت الصين جذريًا.

أظهرت هاتان الإستراتيجيّتان نجاحًا كبيرًا للدبلوماسية الأمريكية على المدى الطويل، وأسفرتا عن تحولات سلمية في كل من الاتحاد السوفييتي والصين نحو أنظمة سياسية خدمَت المصالح الأمريكية بصورة أفضل.

التحالف الروسي-الصيني لم يكن أبدًا أمرًا مفروغًا منه. فقد شاركت الإمبراطورية الروسية، إلى جانب القوى الاستعمارية الغربية الأخرى، في الصراع على الصين في القرن التاسع عشر. ساعد القائد السوفييتي جوزيف ستالين الشيوعيين الصينيين على الوصول إلى السلطة عام 1949، لكن بعد وفاته تحول العملاقان الشيوعيان سريعًا إلى خصمين مريرين واتهم كل منهما الآخر بالانتهازية.

حتى السنوات الأخيرة للاتحاد السوفييتي، كانت موسكو ترى بكين أكثر عداءً منها صداقة. دفع ظهور عالم أحادي القطب تهيمن عليه الولايات المتحدة الدولتين إلى التقارب، رغم أن بعض مظاهر عدم الثقة استمرت.

سارعت أفعال الإدارات الأمريكية التالية هذا المسار. دفع رؤساء مثل بيل كلينتون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما توسّع حلف الناتو حتى قرب حدود روسيا. وأسهم بايدن، وفق وصف رئيس وزراء بريطانيا السابق بوريس جونسون، في إشعال نزاع بالوكالة في أوكرانيا. وفي الوقت نفسه أثارت خطابية واشنطن الاستفزازية بشأن تايوان غضب الصين.

وعد ترامب بأنه سيفعل الأمور بشكل مختلف، لكنّه سرعان ما انساق مع السائد. كان من المفترض أن يضع حداً «للحرب التي أشعلها بايدن» في أوكرانيا، كما وصفها، لكنه لم يفعل. سياساته تجاه هذا النزاع تميّزت دومًا بالغموض والتردد.

يقرأ  الكاف يحوّل كأس أمم أفريقيا إلى دورة كل أربع سنوات ويطلق دوري أمم أفريقيا الجديد

خلال ولايته الأولى ساند عرقلة مشروع خط أنابيب نورد ستريم 2 الذي كان سيغذي أوروبا الغربية بالغاز الروسي معبرًا عن رغبة في حرمان موسكو من موطئ قدم اقتصادي مباشر في السوق الأوروبية؛ وأسهم تقويض هذا المشروع في زيادة الاحتقان. وأدار إدارته الحالية محاولة دفع مفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، لكن ليس بعزم يجافي مصالح المجمع الصناعي العسكري الأمريكي الذي حقق أرباحًا طائلة من الحرب. وفي الوقت نفسه حاول ترامب ممارسة ضغوط على الصين في ملف التجارة، بإنجازات محدودة.

في شأن إيران، تأثر ترامب بنفوذ الجمهوريين النيوكون الذين يركزون على دعم إسرائيل في مغامراتها العسكرية التي باتت تكتسب طابعًا إباديًا بحسب بعض الانتقادات. بدأ حربًا اعتقد أنها ستنتهي خلال أربعة إلى ستة أسابيع، وهي الآن في شهرها الثالث دون أفق لحل سريع.

ترصد الصين هذين النزاعين بقلق متزايد إزاء الولايات المتحدة والغرب بصفة عامة. هل هم على استعداد لإغلاق مضيق هرمز وإحداث أزمة طاقة عالمية، مع الانخراط في مغامرات خطيرة مع روسيا التي تمتلك ترسانة نووية قادرة على تدمير البشرية؟ وهل يحاولون ذلك كله بينما يخوضون حربًا تجارية ضد أكبر اقتصاد عالمي — الصين نفسها؟

اليوم، مشاهد الدمار التي خلفتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، فضلاً عن اغتيالات قادتها، تمثل حافزًا قويًا لموسكو وبكين للتنسيق وتجنّب التعاملات المنفردة مع الولايات المتحدة. وتمتد نفس النظرة إلى الاتحاد الأوروبي في هيئته الحالية، الذي يُنظر إليه على أنه دمية في يد أحد الفرقاء المتنافسين داخل الولايات المتحدة، وهم الديمقراطيون حسب رؤيتهم.

ونظرًا لقصر حضور ترامب المعروف، فقد لا يتذكر حتى أنه رغب يوما في تفكيك العلاقة بين الصين وروسيا، لكن هذين البلدان لا ينسوان ذلك بسهولة. دعوة شي لبوتين على أثر زيارة ترامب رسالة قوية موجهة إلى واشنطن مفادها أن التحالف الروسي-الصيني أقوى من أي وقت مضى.

يقرأ  الولايات المتحدة تدين خطة بكين لإعلان «محمية طبيعية» في بحر الصين الجنوبي

الآراء المعبر عنها في هذا المقال تخص كاتبها ولا تعكس بالضرورة موقف قناة الجزيرة التحريري.

أضف تعليق