«لا يحبّون بعضهم»: هل ينهار تحالف روسيا وإيران؟ | حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران

عندما بدأ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022، أعلنت إيران مراراً عن «حيادها» وامتنعت أو صوتت ضد قرارات الأمم المتحدة التي تندّد بالحرب. لكن خطاب المرشد الأعلى بدا أبعد ما يكون عن الحياد؛ إذ وصف واشنطن بـ«نظام المافيا» وادّعى أن أوكرانيا صارت «ضحية» لسياسات الغربيين، معتبرًا أن دعم حكومات وسياسيين نصّبتهم القوى الغربية هو سراب.

بعد أربعة أشهر زار بوتين طهران، وهناك كرّر الخُميني (آية الله علي خامنئي) خطاباً معادياً للغرب، إذ قال إن الجانب الآخر كان سيبدأ الحرب لولا مبادرات معارضة، مجسّداً السرد الروسي الذي يلقي بالمسؤولية على حلف الناتو والغرب الجماعي. ردّ بوتين مَسروراً أن سلوك الغرب ترك لروسيا خياراً ضئيلا، لكن ما أفرح القائد الروسي أكثر كان تحوّل طهران من موضع الحياد إلى تقديم دعم عسكري مباشر.

أمدّت إيران موسكوا بطائرات مسيرة من طراز «شهد/شاهد» المعروفة محلياً باسم «جرّان‑2»، وقد خضعت لتعديلات كبيرة؛ بعضها مزوّد بمحركات نفّاثة والأحدث منها قادر على إطلاق صواريخ صغيرة مثل R‑60 حسب معلومات المخابرات العسكرية الأوكرانية. كما زوّدت طهران القوات الروسية بالذخيرة وخوذات ومآزر واقية.

بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت إيران في فبراير، ردّت موسكو بالمثل بإعادة بعض الطائرات المسيرة المعدّلة إلى طهران مجهّزة بوحدة الملاحة الفضائية «كومييتا‑ب» التي تُسهم في التهرّب من التشويش. واحدة من هذه الطائرات، أُطلقت من عناصرٍ مدعومة من إيران في جنوب لبنان، أصابت قاعدة جوية بريطانية في قبرص في الأول من مارس، بحسب تقرير صحيفة تايمز البريطانية.

كما زوّدت روسيا طهران ببيانات من منظومة التجسس الفضائية «ليانا»، النظام الروسي العامل الوحيد من نوعه، لتحديد مواقع البنى التحتية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وفق خبير عسكري. ومع أن الكرملين أدان الضربات الإسرائيلية‑الأمريكية التي صعّدت التوتر، إلّا أن بوتين لم يفكّر مطلقاً في إرسال قوات لمساندة إيران على الأرض. يقول باحث يعمل بمركز دراسات إن هذه الحالة تُلحِق ضربة بصورة بوتين، وتكشف أنه عاجز عن تقديم مساعدة جدّية لشركائه وحلفائه.

يقرأ  لا ناجين يُعثر عليهم بعد انفجار مصنع متفجرات في تينيسي

اقترح بعض المحلّلين أن تحالف موسكو‑طهران قد لا يصمد أمام صراع إيران لأن الكرملين قد يكون مستعداً للمقايضة بالتزامات مع طهران مقابل تنازلات أميركية بشأن أوكرانيا. فقد يرى الكرملين إمكانية «مقايضة» إيران بأوكرانيا، لكنّ ما يمكن لروسيا أن تقدّمه بشأن إيران أقل بكثير مما تطلبه على الأرض الأوكرانية: تنازلات كبيرة تشمل التخلّي عن أجزاء من دونباس كشرط لبدء محادثات سلام. ولذلك، ومع رغبة موسكو في تنازلات جوهرية، فإن المقايضة كانت ستصبّ في مصلحة الكرملين لو وقعت، بحسب محلّلين.

غير أن زمناً طويلاً مرّ منذ ذلك الحين، ومن غير المرجّح الآن أن تُبرَم مثل هذه الصفقة، خصوصاً بوجود دورٍ فاعل للاتحاد الأوروبي في محادثات السلام الأوكرانية. ترى بروكسل الحرب الروسية‑الأوكرانية كتهديد وجودي وتعارض مقترحات واشنطن لـ«سلام بأي ثمن» أو مطالب موسكو بتقليص قوات أوكرانيا. قد تعدّ روسيا واشنطن وتل أبيب بالتوقّف عن تزويد إيران بالمعلومات الفضائية والاستخباراتية إذا توقفت واشنطن عن تقديم معطيات مماثلة للجيش الأوكراني، كما يقول بعض الخبراء، لكن المساومات من هذا النوع تتطلّب أن يُختار الكرملين وسيطاً في المباحثات.

في قضية الوساطة، وقع الاختيار على باكستان لتيسير المحادثات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وهو اختيار يبرز هامش تهميش موسكو ومكانتها المتدهورة على الساحة الدولية، وفق محلّلين. وهناك سبب آخر لعدم اختيار روسيا وسيطاً: ثقة الأطراف غير موجودة بعد خروقات سابقة. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، كانت أوكرانيا تملك ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم. وفي مذكّرة بودابست عام 1994 ضمنت موسكو وواشنطن أمن كييف مقابل تنازل أوكرانيا عن أسلحتها النووية. وبعد ثلاثين عاماً، ضمّت روسيا القرم وقدّمت دعماً للانفصاليين في جنوب‑شرقي أوكرانيا، وهو تاريخ لا يُنسى. كما يقول محلّل آخر: الوساطة تتطلّب ثقة من جميع المشاركين، وهذا موردٌ تفتقده روسيا اليوم، بينما تبقى المعطيّات الجيو‑سياسية تتغيّر بوتيرة متسارعة.

يقرأ  رؤساء أطاح بهم الربيع العربي: أين هم الآن؟ أخبار الربيع العربي

أضف تعليق