أزمة مالي قد تمتد إلى تداعيات خطيرة نزاع

مرّ ما يقارب تسعة أشهر منذ أن فرضت مجموعات متمردة حصاراً على الوقود في عاصمة مالي باماكو. في أواخر أبريل تصاعد الصراع بشكل حاد، إذ شنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، بالتعاون مع أعضاء من حركات انفصالية طوارق، هجوماً منسقاً على الجيش المالي وحلفائه الروس المتمثلين في «الفيلق الأفريقي» (المعروف سابقاً باسم فاغنر)، الذي أدى الهجوم إلى مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا.

سيطر المتمردون على معسكرات عسكرية، واستعادوا السيطرة على كيدال، أكبر مدن الشمال، وضاعفوا إجراءات الحصار المفروضة على باماكو. تأتي هذه الحملة كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتفاضات في منطقة تُسمى لدى الطوارق «ازواد»، التي تضم ولايات تمبكتو وتاودنيت وكيدال وغاو، والتي يقطنها في الغالب مجتمع الطوارق.

تفاقمت الأزمة الحالية جراء تدهورر الدولة المالية بعد انقلاب 2021 والتدخلات الأجنبية. وفي غياب أي جهد جاد لمعالجة جذور الأزمة، يلوح خطر امتداد عدم الاستقرار ليشمل كامل منطقة الساحل.

منذ إعلان الاستقلال عن فرنسا عام 1960، شهد شمال مالي اضطرابات متكررة مع مطالب متواصلة لمجتمعات الطوارق بالاستقلال أو الحكم الذاتي. قبل أربعة عشر عاماً اندلعت انتفاضة ثانية عندما تحالفت حركات الطوارق مع فصائل قريبة من القاعدة، واستطاعت آنذاك السيطرة على عدة مدن في الشمال، ولولا التدخل العسكري الفرنسي في 2013 لكانت التهديدات قد امتدت نحو باماكو.

أدت عمليتان فرنسيتان إلى إضعاف حركات الطوارق والفصائل المتطرفة، مما مهد الطريق للمفاوضات مع الحكومة المالية والتي توجت بتوقيع اتفاقات الجزائر عام 2015. ومن أبرز بنود هذه الاتفاقات منح مزيد من الصلاحيات للإدارات المحلية في منطقة ازواد عبر سياسة لامركزية، إلى جانب وعود بتنمية المنطقة، ودمج مقاتلي الانفصال في صفوف الجيش، وتعيين قادتهم في مناصب سياسية مقابل التزام الحكومة بالحفاظ على وحدة البلاد الترابية.

يقرأ  الاحترار العالمي يضع ألمانيا في مرمى الطقس المتطرّف

ساهمت تلك الاتفاقات في استتباب حالة من الاستقرار النسبي في مالي ومنطقة الساحل عبر احتواء مصادر التوتر والدعوات الانفصالية. غير أن السلام لم يدم؛ إذ ظهرت تحديات عدة كان أبرزها إخفاق الدولة في تنفيذ مشاريع التنمية الموعودة للشمال.

ساءت الأوضاع بعد انقلاب 2021 الذي قاده الجنرال أسيمي غويتا. رفضت فرنسا والجزائر ودول مجموعة غرب أفريقيا (إيكواس) الاعتراف بالسلطة الجديدة في باماكو. عقب ذلك طردت الحكومة العسكرية القوات الفرنسية في 2022، وألغت اتفاقيات الجزائر في 2024، وتبنت نهجاً عسكرياً قاسياً لمواجهة الاضطرابات في الشمال بدلاً من الدبلوماسية والحوار.

أدى ذلك إلى توتر العلاقات بين مالي ومجاوريها موريتانيا والجزائر وفرنسا، واتهمت باماكو هذه الدول بدعم المتمردين لوجستياً والتدخل في شؤونها الداخلية. وتسبب عزوف التنسيق العسكري وتراجع التبادل التجاري مع الجيران في إضعاف مالي عسكرياً واقتصادياً.

استغلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين والحركات الانفصالية الفراغ لتصعيد الضغوط على العاصمة عبر استهداف محاور النقل الحيوية التي تمر عبرها معظم الواردات والصادرات. تعطلت إمدادات البنزين والديزل القادمة من السنغال وساحل العاج، وبدأت هجمات على شاحنات مغربية كانت تنقل مواد غذائية عبر موريتانيا.

كما هو الحال في 2012، أثبت تحالف حركات الطوارق مع فصائل القاعدة فعاليته في ضرب الجيش المالي، فهزمته وحقق مكاسب إقليمية ووصل عملياته إلى محيط باماكو بحرية شديدة.

لكن هذه المرة لم تتمكن القوات الأجنبية من تقديم دعم فعّال للجيش المالي، بعد أن اضطر حلفاؤه الروس للانسحاب إثر هجوم أواخر أبريل. في المقابل، شهدت تركيا اتساعاً في حضورها داخل مالي، وفي أوائل مايو وقعت أنقرة عدداً من الاتفاقيات الدفاعية مع الحكومة العسكرية الماليوية.

المخاطر تكمن في أن لا تظل الأزمة حبيسة خلاف حكومي ــ انفصالي فحسب، بل قد تستدرج تدخلاً أجنبياً أوسع مع تحول المنافسات الإقليمية والدولية إلى أرض مالي. كذلك يظل تحالف حركات ازواد وفصائل القاعدة قنبلة موقوتة؛ فهناك تناقضات جوهرية بين الطرفين ولا يجمعهما سوى الهدف المؤقت المتمثل في إسقاط النظام العسكري في باماكو، مما يجعل احتمال اندلاع صراع مستقبلي بين الحركات الآزوادية والجماعات الإسلامية المتطرفة أمراً محتوماً إلى حد كبير.

يقرأ  إدارة ترامب تعلن إرسال المزيد من العملاء الفدراليين إلى مينيسوتا عقب حادثة إطلاق نار

لا تقتصر التداعيات على الداخل المالي؛ فالأزمة الإنسانية المتصاعدة قد تفجر موجات هجرة كبيرة باتجاه أوروبا وأمريكا الشمالية، كما أن استمرار انعدام الأمن في الشمال سيفتح مجالات أوسع لنمو الحركات المتطرفة وتمدد هجماتها عبر المنطقة. وبهذا تصبح أزمة مالي تهديداً أمنياً مباشراً للدول المجاورة والإقليم والعالم.

في ضوء الوضع الراهن، لا يملك أي طرف القدرة على تحقيق انتصار عسكري حاسم، ولذلك فإن مخرج الأزمة يمر حتماً عبر الحوار والتفاوض. على باماكو أن تأخذ طموحات وشكاوى مجتمعات الطوارق في الشمال على محمل الجد وتباشر تنفيذ حلول سياسية واجتماعية واقتصادية حقيقية.

ومن مصلحة الدول المجاورة والفاعلين الإقليميين والدوليين أن يجمعوا الأطراف على طاولة المفاوضات ويعجلوا بالحلول السلمية. تحت خطر الانزلاق الإقليمي، ليس هناك وقت يمكن تضييعُه.

الآراء المعبر عنها في هذا النص هي آراء الكاتب وحدها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق