خيام بلا عيد: الفلسطينيون في غزة يواجهون عطلة قاتمة

غزة، فلسطين

في أعياد سابقة كانت عائلة بارود تخرج مع أول خيوط الفجر لتفتتح الاحتفالات: تتجول في شوارع مخيم الشاطئ بغزة، تزور أهلها، وتُقاسم لحم الذبيحة بين أفراد العايلة. وعند نهاية كل عيد، كانت هناك صورة عائلية سنوية ثابتة تُرسل للأقارب في الخارج.

هذا العيد مختلف. وَلاء بارود يجلس اليوم ممسكاً بآخر نسخة من تلك الصورة، وكأنها الذاكرة الوحيدة المتبقية عن زمن مضى. من بين 22 وجهًا ملأ الإطار، قُتل 13 منهم في ضربات إسرائيلية متتالية استهدفت العائلة الممتدة، وسقط أكثر من 80 من أفرادها شهداء.

بينما كانت العائلة سابقاً تلتئم لصورة جماعية واحدة، يجتمع الناجون الآن على خيمة عزاء لأخوهم بها بارود. بهاء قُتل قبل أيام في غارة إسرائيلية، فبدأ عيدهم بخيمة عزاء ولم ينتهِ إلا في المستشفى حيث لا يزال جثمانه محفوظاً.

«الحرب لم تتوقف عن التهام أحبائنا، ولم نكن نتوقع أن نفتتح خيمة عزاء خلال هدنة»، يقول وَلاء لقناة الجزيرة. «نحن محاصرون بين عصرين ونغرق في ذكريات مؤلمة».

وتشير وزارة الصحة في غزة إلى أن العدّاد بات يقف عند ما يقرب من 73 ألف قتيلاً جراء ما تصفه بأفعال الاحتلال في القطاع.

فائض من الفقد والحزن

تقيم الأرملة حاجّة شما الزرباطلي في خيمة صغيرة على الرصيف، لا يقيها من المارة سوى قطعة قماش معلقة. فقدت زوجها ومنزلها معًا. ولما سُئلت عن أجواء العيد تنبّهت كما لو أنّ السؤال طرح للتو: «العيد لا يدخل الخيم»، قالت للجزيرة.

داخل خيمتها لا كهرباء ولا هاتف ولا تلفزيون ولا إنترنت؛ انقطاع كامل جعلها لا تعرف اليوم أو المناسبة. وبعد أن شاهدت مقطعاً للحجاج في مكة لم تستطع كظم دموعها. «ما دخلت بيت الله قط. أملي أن أؤدي الحج. لكن أي حج هذا وأنا لا أجد حتى لقمة آكلها؟» قالت.

يقرأ  إسرائيل تواصل خروقات هدنة قاتلة في غزة — والولايات المتحدة تسعى لتقوية الاتفاق

تتذكّر الزرباطلي، وهي في السبعين من عمرها، تفاصيل أعيادها في حي الشجاعية بغزة: الذهاب إلى السوق لشراء ثياب للأحفاد، وإحضار الحلويات وصناعة كحك العيد. اليوم تصف عيدها بأنه «عيد الشهداء، يمر بلا بهجة ومع فائض من الفقد والحزن».

تشير إلى حذائها المهترئ ثم ترفع ثوبها الرثّ: «ما عندي إلا هذا والثاني. أغسله ثم ألبس الآخر».

«الحرب أسقطتنا»

في الخيمة المجاورة، يقضي الفلسطيني المسن محمد عبيد العيد وحيدًا، بعد أن كلفته الحرب زوجته وسيقانه ومنزله في الشجاعية. عبيد، مبتور الأطراف ومثقل بالشيخوخة والمرض، يجلس على كرسي متحرك ويقضي وقته بتلاوة القرآن.

«كنت أعيش بكرامة. كنت أملك بيتًا من أربع طبقات في الشجاعية، وكنت أتحرك بين الناس بثقة رجل عرف الرفاه»، قال. لكن بعدما اندلعت الحرب تغيّر كل شيء؛ قُتلت زوجته وبُترت ساقاه وباتت الخيمة آخر ما تخيل أن ينتهي إليه أمره.

«العيد اليوم مثل أي يوم؛ لا فرق»، يضيف عبيد. «الحرب سحقَتنا. كنت أذبح الأضاحي وأوزع اللحم على الجيران في الشجاعية. اليوم الناس هم الذين يوزعون ويعطونني صدقات»، وهو يمرر يده فوق المكان الذي كانت ساقاه فيه.

لا ذبائح هذا العيد

التحوّل من ذبح الأضاحي إلى شبه انعدامها في غزة ليس قصة فردية فحسب، بل يعكس انهيار منظومة كاملة كانت تعتمد اعتمادًا كبيرًا على جمعيات الخير والمنظمات الدينية. يقول كرم خالد، منسق مشاريع الأضاحي في مؤسسة رؤيا الخيرية، للجزيرة إن موسم الأضاحي هذا العام وقف تمامًا بسبب إغلاق المعابر ونقص المواشي وارتفاع الأسعار غير المسبوق.

يفيد كرم أن المؤسسة كانت تذبح بين 300 و400 عجل وخروف كل موسم قبل الحرب، وأن الأعداد انهارت بعد اندلاعها قبل أن تتوقف كليًا هذا العام. ووصل سعر الخروف الواحد في السوق المحلية إلى ما بين 4,500 و6,000 دولار، مقارنة بنحو 350 دولارًا قبل الحرب. «أصبح إجراء الأضحية بالطريقة التقليدية مستحيلًا ماليًا للمؤسسات والعائلات على حد سواء»، يقول كرم.

يقرأ  حملة «الولاء» مجموعات مسلحة عراقية تتخذ من إيران قاعدة بينما الولايات المتحدة تناقش احتمال حرب برية أخبار الحرب الأمريكية — الإسرائيلية على إيران

ويؤكد أن إغلاق المعابر وقيود التحويلات المالية من الخارج زادت الأمور تعقيدًا وعطّلت شريحة واسعة من المشاريع المموّلة بالهبات المتعلقة بالأضاحي.

اللحم المجمد

تلجأ المؤسسة الآن إلى بديل طارئ: توزيع لحوم مجمدة بدلًا من المواشي الحيّة، رغم تكلفتها المرتفعة. خصصت رؤيا نحو عشرة أطنان (10,000 كغ) من اللحوم المجمدة للتوزيع خلال أيام العيد للتخفيف من غياب طقس الذبح.

تحولت أنماط الشراء بشكل حاد نحو اللحوم المجمدة والمبردة، لأن المواشي الحية صار خارج قدرة معظم الأسر. يشرح تاجر اللحوم محمد النجار أن نحو 80 بالمئة من اللحوم المجمدة في أسواق غزة تأتي من إسرائيل، ومن هناك غالبًا من الأرجنتين أو الأوروغواي. أوضح النجار أن النسبة المتبقية، البالغة 20 في المئة، تدخل من مصر على شكل قطع كبيرة — أحيانًا تصل حتى خمسة كيلو غرام (5 كغ) — وغالبًا ما تكون منشأها برازيليًا.

وأضاف أن الحيوانات الحية تكاد تختفي من السوق، وكشف أن سعر الكيلوغرام الواحد من لحم الغنم بلغ نحو 300 شيكل (حوالي 105 دولارات)، ما اضطر معظم المنظمات إلى التحول إلى اللحوم المجمدة بدلاً من الطازجة.

تراجع الاستعدادات

ينعكس نفس النمط على متاجر وأسواق غزة، حيث تبدو تحضيرات عيد الاضحى أكثر هدوءًا وخفوتًا من أي حين مضى. في جولة في الشوارع التجارية الرئيسة بالقطاع، تعرض الأكشاك والواجهات الملابس والألعاب والحلوى — ولكن المشترين نادرون. مع تفشي البطالة وشح السيولة، اقتصرت كثير من العائلات على الضروريات فقط.

وقال أمجد أكرم، تاجر ومالك محل لملابس الأطفال في حي الرمال، إن إدخال البضائع إلى قطاع غزة أصبح مكلفًا بصورة غير مسبوقة، وقد انعكس ذلك مباشرة على أسعار الملابس في الأسواق المحلية. وأضاف أن تكاليف الشحن ارتفعت بنحو ثماني مرات مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب؛ فتكلفة شحن صندوق واحد من الملابس كانت سابقًا تبلغ نحو 250 شيكل (88 دولارًا)، بينما صارت اليوم تقارب 2,000 شيكل (705 دولارات)، ما دفع إلى ارتفاع ملحوظ في الأسعار بالتجزئة.

يقرأ  ملادينوف: يجب نزع سلاح حماس لا «اختفاؤها» من غزة

صدمة الأسعار

يشير أكرم إلى أن القدرة الشرائية للمواطنين تآكلت بشكل حاد، إذ تحولت الأولويات إلى تأمين الغذاء والضروريات قبل التفكير في شراء ملابس جديدة. ويقول إن موسم العيد هذا لا يشبه المواسم السابقة؛ فالمواطنون يأتون فقط للسؤال عن الأسعار ثم يغادرون مصدومين دون شراء.

باستثناء أصوات التكبير القادمة من المخيمات أو من سيارات تجوب شوارع المدينة بمكبرات الصوت، يمر أول عيد الأضحى منذ «الهدنة» في أكتوبر شبه بلا مشاهد احتفالية. يتغلغل الفقر المدقع والخسائر المستمرة في حياة الناس، الذين يكافحون لترميم ما تبقى من حياتهم المحطمة بعد سنواتٍ من الدمار والاقتلاع.

أضف تعليق