صور فضائية تكشف محو أجزاء من جنوب غزة مع توسع السيطرة الإسرائيلية أخبار «جرائم ضد الإنسانية»

الصحفي الفلسطيني مهند قشطة يتوق إلى زيارة قبري شقيقتيه ريم وولاء في خان يونس، لكن مشهدهما اختفى من الخريطة؛ مقبرة الشيخ محمد في منطقة المَعان تحولت، وفق صور فضائية جديدة أُضيفت إلى خرائط Google Earth، إلى مخيمات وخيام ومركبات مدرعة تابعة لمنشأة عسكرية اسرائيلية.

«حتى الأموات لم يسلموا من هذه الحرب»، قال قشطة لقناة الجزيرة. «كيف أتصور أن أذهب فأجد المكان صحراء بلا قبور أقرأ فوقها الفاتحة؟»

الصور عالية الدقة الملتقطة في 25 فبراير 2026 تكشف مشهداً واسع النطاق: أحياء بكاملها تحولت إلى رماد، وسكان باقون محشورون داخل مخيمات خانقة امتدت حتى شواطئ البحر المتوسط.

التحديثات الجغرافية تقدم رؤية بانورامية مدمرة لما يصفه الفلسطينيون بأنه ابادة جماعية جارية أودت بحياة ما يقرب من 73 ألف شخص، بحسب الخرائط والصور المتاحة للعامة.

مرصد يوروميد لحقوق الإنسان يؤكد أن القوات دمرت كلياً أو جزئياً نحو 94% من مقابر قطاع غزة، محولة بذلك أماكن الذاكرة إلى ثكنات ومواقع عسكرية.

محو الجغرافيا والذاكرة

الصور الفضائية تؤكد أن مراكز سكنية رئيسية تلاشت، فأضحى شكل القطاع مختلفاً لا يشبه نفسه. في رفح، اتحدت مناطق الهدم إلى كتلة واحدة لا تكاد تميز أحياؤها عن بعضها. حي «السعودي» في تلّ السّلطان — مشروع إسكان ضخم يضم 752 وحدة — سُوّي بالأرض وتحول إلى أكوام من الأنقاض.

في مطلع 2024 وضع الرئيس الأمريكي جو بايدن «خطاً أحمر» حول اجتياح رفح، لكن اسرائيل مضت في عمليتها الوحشية من دون تحميلها تبعات تذكر؛ والنتيجة أن رفح باتت مدمرة إلى حد كبير.

القرية السويدية غرب رفح، التي كانت تقطنها نحو 1300 نسمة واعتمدت اقتصادها على الصيد وبناها التحتية الساحلية، أزيلت من الخريطة وتحولت إلى موقع عسكري، ولم يبقَ منها سوى خمسة بيوت قائمة.

يقرأ  «مدارس الأزواج» في السنغال: مسعى لإعادة تشكيل أدوار الجنسين — إف جي إم نيوز

معبر رفح الحدودي، الذي كان شريان الحياة المربوط بالعالم الخارجي، تعرض لتدمير بنيوي شامل؛ قاعات المسافرين ومرافق استقبال كبار الشخصيات ومخازن المساعدات ومكاتب التنسيق استبدلت بمراقبات عسكرية محصنة وأسلاك شائكة.

في خان يونس، دخلت الدبابات شوارع شرق المدينة عبر أحياء بني سهيلا وعبسان والزنا، مدمجة بين منازل المدنيين. تلك المناطق كانت قبل الحرب من أكثر المناطق كثافة سكانية في خان يونس، تسكنها نحو 120 ألف نسمة في بنايات عائلية متلاصقة. بعد قصف ممنهج وهدم كتل سكنية كاملة لفتح ممرات إمداد عسكرية، نزح معظم السكان إلى مخيمات المواسي القاحلة على الساحل أو تكدّسوا في مدارس وملاجئ مؤقتة في دير البلح.

مشروع «مدينة حمد» السكني الذي مولته قطر — مشروع بقيمة 135 مليون دولار مؤلف من 53 مبنى سكنياً وخلافاً لإسكانٍ حديث يضم نحو 3000 وحدة — لم يسلم هو الآخر؛ كان يقطنه قبل تدميره أكثر من 15 ألف شخص، معظمهم من العائلات محدودة الدخل، والآن تظهر صور الأقمار الصناعية أبراجاً ومحاطاتٍ تحوّلت إلى أكوام حجارة.

المنهجية في التدمير امتدت إلى المؤسسة التعليمية؛ اليونيسف تقول إن أكثر من 97% من المدارس تضررت أو دمرت، تاركة 658 ألف طفل دون تعليم رسمي لأكثر من عامين. الجامعات الكبرى — الجامعة الإسلامية التي كانت تستقبل أكثر من 20 ألف طالب، وجامعة الأزهر التي كانت بها أكثر من 16 ألف مقيد — جرى تفجير حرمَيها تفجيراً مسيطراً عليه، كما دُمرت جامعة الإسراء في الجنوب، فمستقبل عشرات الآلاف من الطلاب توقف تماماً.

على حافة المجاعة

الأراضي الزراعية والبيوت البلاستيكية في رفح وخان يونس كانت سلة الغذاء للقطاع، تزود السوق المحلية بغالبية الخضروات الطازجة من طماطم وخيار وفلفل وليمون وزيتون، وكانت المئات من البيوت البلاستيكية تؤمن أكثر من 40% من الاحتياجات المنزلية اليومية. منظمة الأغذية والزراعة تصدر تقريراً يفيد بأن أقل من 5% من الأراضي الزراعية ما زالت قابلة للاستخدام.

يقرأ  المتحف المتروبوليتان يضم إلى مجموعته لوحةً من عصر النهضة أعيد اكتشافها

في منطقة الشكوش جرفت الجرافات البيوت البلاستيكية وصادرت طبقات التربة السطحية، مما عمّق سياسة تجويع صُنعت وتُدار بطريقة ممنهجة.

«مشاهد البحث عن الطعام قاسية، ونحن على حافة مجاعة يمكن أن تندلع في أي لحظة»، قالت الصحفية علا أبو ممار من خان يونس، مضيفة أن كثيراً من العائلات تعود بالأقداح فارغة من مطابخ الأيتام والمطابخ الخيرية. أصبحت أبو ممار صوتاً بارزاً في نقل أخبار المجاعة والنزوح من المخيمات. انستجرام/@ola_abu_moamer

يواجه نحو 1.9 مليون فلسطيني من أصل 2.3 مليون نازح داخلياً ظروفاً قاسية؛ كثيرون أجبروا على النزوح أكثر من عشر مرات، وحوالي 60% من السكان فقدوا منازلهم بالكامل، ما دفع العائلات للانحسار داخل محيط يتضائل بلا هوادة.

تُظهر صور الأقمار الصناعية كثافة متطرفة لمخيمات التهجير في منطقة المواسي، حيث تتراص الخيام المتهالكة حتى تكاد تلتصق بالشاطئ، ما يجعل المشهد مأساوياً ومغلقاً أمام مساحات الحركة والحياة اليومية للمهجّرين. (المخيماات)

تعمق الاحتلال

تشكّل هذه الوثائق البصرية للدمار الجماعي بمثابة مخطّط مادي لتوجيهات صريحة من حكومة اسرائيل بتعميق احتلالها العسكري. في فيديو مسرّب من قناة 12 وعُرض يوم الخميس، وجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الجيش إلى توسيع نطاق سيطرته.

قال نتنياهو مخاطباً الحاضرين: «في هذه المرحلة نحن مسيطرون تماماً على 60% من مساحة قطاع غزة… وتوجيهي أن نصل إلى… 70%، سنبدأ من هناك».

على الرغم من «وقف إطلاق نار» توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر الماضي وحدّد «الخط الأصفر» كمناطق مفصولة، واصل الجيش تقدمه تدريجياً. يرى محلّلون أن استمرار اسرائيل في احتلال مساحات من غزة يُعد خرقاً لاتفاق الهدنة الذي تمّ التوصّل إليه في أكتوبر.

في منتصف مارس وزّع الجيش الإسرائيلي بهدوء خرائط للمؤسسات الإغاثية تفيد بأنه استولى على 64% من أراضي الفلسطينيين، محظِراً عمليا وصول السكان إلى ثلثي القطاع، رغم التزامات بسحب القوات وفق جولة ثانية من اتفاق الهدنة.

يقرأ  سكك حديد إسرائيل: عودة تشغيل جميع خدمات القطارات بكامل طاقتها اعتبارًا من يوم الاثنين

لم يوقف هذا التهدئة الاسمية حمامات الدم. سجّل تقرير الجزيرة ما لا يقل عن 2400 خرق إسرائيلي بين أكتوبر وأبريل، بمعدل قصف تحذّر مراقبات النزاع من تسارعه منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في فبراير.

حذّر نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام الذي أسسته الولايات المتحدة لغزة، مجلس الأمن الأسبوع الماضي من أن حالة التردّي الراهنة في القطاع قد تتحوّل إلى «أمر دائم».

بالنسبة للفلسطينيين الذين يعيشون هذه المأساة، تتجاوز الصدمة مجرد المباني المنهارة. لفتت أبو معمر إلى أن الصحفيين كثيراً ما يطفئون كاميراتهم احتراماً لدموع الأطفال الذين يبكون على طفولة سُلبت منهم.

قالت الصحفية قشطة: «تصوّر الأقمار الصناعية المباني المدمّرة، لكنها لا تستطيع توثيق شعور إنسان يبحث عن بيته فلا يجد. أصعب ما في الأمر ليس الهدم بحد ذاته، بل القصص المدفونة تحته».

أضف تعليق