عشرون ساعة في حافلة، رحلة طيران خاصّة من الشرق الأوسط، ومباراة واحدة حملت آمال ٤٨ مليون إنسان: رحلة المنتخب العراقي إلى كأس العالم ٢٠٢٦ لم تكن لأصحاب القلوب الضعيفة.
أسود الرافدين كانوا آخر منتخب يضمن موقعه في بطولة الصيف بعد تصفيات مرهقة امتدت لأكثر من عامين وشملت ٢١ مباراة. وبعد مشوار طويل كهذا، واجه الفريق رحلة ضخمة إلى المكسيك لخوض نهائي الملحق القاري، خصوصاً بعد الفوضى في حركة السفر بالمنطقة إثر الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران.
تنقّل العديد من اللاعبين برا من العراق إلى الأردن ثم انتظروا أكثر من ٢٤ ساعة قبل أن يصعدوا على رحلة متأخرة تخرجهم من الإقليم. «عندما وصلوا إلى المكسيك اضطررت أن أمنحهم ثلاثة أيام راحة للتعافي من الرحلة بأكملها»، قال المدرب غراهام أرنولد لقناة الجزيرة. «كانت رحلة شاقة، لكن قلت لهم: لا تجعلوا ذلك ذريعة».
لاعبوه استجابوا، فاستطاع العراق تجاهل كل المقوّقات وحقق فوزه ٢-١ على بوليفيا في مونتيري ليضمن مقعده في النهائيات للمرة الأولى منذ ١٩٨٦. وسجل الهدف الأول في تلك الليلة التاريخية علي الحمادي، مهاجم يبلغ من العمر ٢٤ عاماً يقضي هذا الموسم على سبيل الإعارة مع لوتون تاون الإنكليزي.
وصل الحمادي إلى المملكة المتحدة عندما كان في العام الأول من عمره بعد إطلاق سراح والده من السجن في العراق إثر احتجاج ضد حكم صدام حسين. هاجرت العائلة بعد الغزو الأميركي عام ٢٠٠٣ واستقرت في حي توكسث في ليفربول، حاملين معهم جزءاً من الثقافة العراقية إلى شمال غرب إنجلترا.
«كنا نتكلم العربية في البيت ونحن نكبر، وما زلنا نأكل نفس الأطباق ونستمع لنفس الأغاني. كان لدينا تلفزيون عراقي، طريقة خاصة لنستعيد قنوات الوطن»، قال الحمادي للجزيرة. بدا ذلك الارتباط بالوطن واضحاً في احتفاله الصاخب بعد أن سجل من ركنية ووضع العراق على طريق الانتصار.
«أنا ممتن جداً لهذه اللحظة، وسأحملها معي لبقية حياتي»، أضاف.
هذا انتصار انتظره العراقيون أربعين عاماً. عقود من الحروب والعقوبات وعدم الاستقرار السياسي أخمدت مكانة أسود الرافدين كلاعبٍ مؤثر، واضطر المنتخب للعب غالبية مبارياته «البيتية» خارج أرض الوطن. لحظة إيجابية نادرة حدثت في ٢٠٠٧ عندما توّج العراق بكأس آسيا بعد فوزه على السعودية في النهائي، لكن الظهور على المسرح العالمي ظل حلماً بعيداً، مما ضاعف من ثقل فوز الملحق في شمال المكسيك.
«وزن تلك القميص هائل؛ عندما تكون لاعباً في المنتخب الوطني العراقي تشعر بذلك. تشعر بضغط الناس ورغبتهم في أن تفوز وتنجح»، قال الحمادي. وهو يصف كرة القدم بأنها «وسيلة للفرح» وللهروب من هموم كثيرة طالت بلدهم. «بالنظر إلى ما يحدث في المنطقة الآن، من الجميل أن ترى البهجة على وجوه الناس بعد المباراة وبعد التأهل».
«عقلية مفاجأة العالم»
بصفتهم آخر أسماء لائحة المنتخبات المتأهلة، يمتلك العراق أقل وقت للتحضير وسيحاول أن يضغط الكثير خلال معسكر تدريبي في اسبانيا مع وديات أمام منتخب إسبانيا وأندورا. ثم سيتوجه الفريق إلى الولايات المتحدة، حيث سيلعب في ما وصفته الصحافة بـ«مجموعة الموت» إلى جانب فرنسا والنرويج والسنغال.
المهمة تبدو شاقة لمنتخب بلا خبرة سابقة في كأس العالم، لكن مدربهم الأسترالي يعرف جيداً كيف يتعامل مع ضغوط البطولات. أرنولد قاد منتخب استراليا إلى دور الستة عشر في قطر ٢٠٢٢ وخرج بعد خسارة مشرفة ٢-١ أمام الأرجنتين الحاصلة لاحقاً على اللقب. كما كان مساعد مدرب عام ٢٠٠٦ عندما خسرت استراليا أمام إيطاليا في اللحظات الأخيرة في نفس الدور.
تلك الخبرات ضد فرق أعلى تصنيفاً ستكون حاسمة إذا أراد العراق الخروج من مجموعة صعبة كهذه. قال أرنولد: «علينا أن نذهب هناك بعقلية: رجلٌ ضد رجل، إنسان ضد إنسان، ونخرج بعقلية عظيمة مفادها أن نفاجئ العالم وأن نؤمن بقدرتنا على صنع شيء».
ستختبر النرويج تلك الفلسفة في المباراة الافتتاحية للعراق، حيث يواجهون فريقاً يضم إيرلينغ هالاند، لاعب هدّاف كان خلال المواسم الأخيرة استثناءً عن المألوف على مستوى الأداء.
إحدى الشخصيات العراقية المتحمسة لهذا التحدي هو أيمار شير، لاعب وسط يبلغ ٢٣ عاماً قضى جزءاً كبيراً من طفولته في السويد ويلعب حالياً لنادي سارسبورغ ٠٨ النرويجي. «لو كان بإمكاني اختيار مباراة لافتتاح كأس العالم، لاخترت هذه»، قال شير للجزيرة. «هو حلم أن ألعب أمام البلد الذي أعيش فيه الآن، وكل زملائي تحدثوا عن هذه المباراة حتى قبل لقاء بوليفيا».
مثل كثيرين من أبناء الجيل المنتشر في الشتات، اضطر شير إلى بناء حياة جديدة في بلد أجنبي بعد وصوله إلى السويد في سن الرابعة. ولم تغب موهبته عن أعين المختصين، إذ مثّل السويد على مستوى الشباب قبل أن يختار خدمة قميص العراق.
على الرغم من أنه لم يعد يعيش في مسقط رأسه، لدى شير فهم عميق لما يعنيه التواجد في كأس العالم لشعبه: «العراق مرّ بكل شيء تقريباً خلال الأربعين عاماً الماضية منذ أن شارك في كأس العالم، وأن أكون جزءاً من الفريق الذي يمنحهم الفرح والأمل والمحبة—أنا ممتن جداً ومتواضع للغاية».
عندما يفتح العراق مبارياته في بوسطن بالولايات المتحدة في 16 يونيو، سيكون ذلك خاتمة رحلة استثنائية نحو النهائي وبداية مغامرة جديدة. هذه الأمة المتأزمة لديها فرصة لعرض وجه آخر عن نفسها بعيداً عن الصراعات والفوضى.
هم فريق لا يُنظر إليه على أنه مرشح، بمواجهات مجموعية صعبة، لكن كما يقول الحمادي، العراقيون لا يخشون القتال. «الأمر في دمنا؛ نحن مقاتلون. أعتقد أنه في كأس العالم سيرى الناس ذلك بالتأكيد»، وأضاف: «سيرون فريقاً يركض ويصنع الفُرَص. لو كان هناك فريق يقدر على إحداث مفاجأة أو إفساد حفلة، فسيكون العراق».