المكلا، اليمن — تجتاح البلاد موجة حر خانقة تجاوزت درجاتها 40 درجة مئوية، لتتحول المنازل إلى أفران، فيما أضافت انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي معاناة الملايين في هذه البلاد الممزقة بالحرب.
في ظل عجز السلطات عن تعزيز الإمدادات الكهربائية، لم يعد لدى الناس متنفس من الطقس الحار والرطوبة اللذين يلفان مناطق واسعة في الجنوب والشرق والغرب، ما عمّق الأزمة الإنسانية في أفقر الدول العربية.
تأثير الانقطاعات على المدن الساحلية
سكان مدن ساحلية مثل المكلا وعدن، الخاضعتين لسلطة الحكومة الدولية المعترف، يقولون إن الانقطاعات الطويلة للكهرباء أضرت بالأعمال التجارية، وعطّلت الحياة اليومية، وسلبت الناس النوم، وزادت المشكلات الصحية تفاقمًا. يقول سَدّام الجملاني، أحد سكان عدن، إن “الكهرباء تُقطع ثماني ساعات وتُعاد لساعتين فقط”.
لا يجد السكان في شمال البلاد، الخاضع لسيطرة الحوثيين المدعومين من إيران، سوى القليل من الراحة أيضًا، إذ تكرُّ الانقطاعات هناك بشكل متواصل مع ارتفاع درجات الحرارة.
تفاقم الإحباط والأمن الهش
تزايد الغضب الشعبي أعاد إشعال المخاوف من اضطرابات في بلد يحاول التعافي من أكثر من عقد من الصراع الذي ضرب كل جوانب الحياة تقريبًا ودمر بنية الكهرباء التحتية.
غطت ألواح شمسية أسطح محطات وقود ومنازل عديدة في المكلا، مع لجوء كثير من الأسر والمؤسسات إلى الطاقات المتجددة كحل مؤقت لمواجهة الانقطاعات الطويلة واستمرار الإنتاج.
انهيار الخدمات العامة وتدهور الأوضاع الاقتصادية غذّى الغضب الشعبي مرارًا؛ ففي السنوات الأخيرة أدت الاحتجاجات العنيفة الناجمة عن انقطاع الكهرباء وتردي مستوى المعيشة إلى سقوط قتلى وجرحى، وسعى فاعلون سياسيون إلى استثمار سخط الجمهور لتقوية مواقعهم.
دعم سعودي مؤقت وتراجع في الصيف
في وقت سابق من العام، وبعد طرد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات من عدة محافظات جنوبية، أعلنت الرياض حزمة مالية بقيمة 81.2 مليون دولار لشراء أكثر من 300 مليون لتر وقود من السوق المحلية لتشغيل عشرات محطات التوليد الحكومية، ما مكن العديد من المحطات من العمل على مدار الساعة خلال الأشهر الأبردة، وأتاح لسكان مدن مثل عدن كهرباء شبه متواصلة للمرة الأولى منذ سنوات. لكن مع ارتفاع الحرارة والرطوبة تدهورت الأوضاع مجدّدًا.
في 27 مايو أعلنت السعودية حزمة دعم إضافية بقيمة 150 مليون دولار لشراء مشتقات نفطية لمحطات التوليد في المناطق الخاضعة للحكومة، غير أن السكان وأصحاب الأعمال يؤكدون أن المساعدة لم تُحدث تحسّنًا ملحوظًا في كثير من المدن المتضررة.
البحث عن متنفس
في المكلا، التي تشتهر بصيفها الحار والرطب، ينام صلاح محمد وزوجته أقل من خمس ساعات يوميًا، ويعانيان من مشكلات جلدية يعزيانها إلى انقطاع التيار المطوّل. يقول صلاح: “عندما تنقطع الكهرباء ليلاً، أغتسل وأضع قطعة من الكرتون لأبرِّد بها جسمي. لا أملك بطارية أو مكيفًا أو شيئًا من هذا القبيل”. كثيرًا ما يتوجه إلى المسجد باكرًا بحثًا عن برودة المصلى المزود بالتكييف للصلاة والراحة عندما لا تعود الكهرباء قبل الفجر.
ويضيف أن النوم على السطح يؤدي إلى لسعات البعوض، وأن استخدام ناموسية يجعل الجو خانقًا، فتتكرر حالات الطفح والتورّم على جسد زوجته، وهو بدوره يعاني من آفات جلدية.
معاناة القطاع الخاص
أدت الانقطاعات الصيفية الشديدة إلى شَلّ كثير من الأعمال؛ أُجبر بعضها على الإغلاق المبكر، وفسدت منتجات لدى آخرين، وتراجعت أعداد الزبائن الذين يفضلون البقاء في منازلهم هربًا من الحرّ. يقول مهند سالم، العامل في ورشة إصلاح سيارات بالمكلا، إن الانقطاعات المتكررة توقِف الآلات وتضطرهم إلى إنفاق ما نَدر لديهم على وقود مولدات غالبًا ما تتعطل وتحتاج إلى صيانة مستمرة. “الانقطاعات الطويلة أضرت بعملنا”، قال وهو يمسح العرق عن وجهه بكم قميصه الملطّخ بالشحم. «لا نشغّل المولّد إلا عند الضرورة القصوى، وحتى عند ذلك يتعطّل احياناً ويحتاج إلى صيانة.»
عمر بيسة، بائع سمك في المكلا، يقول إن الانقطاعات الطويلة أجبرته على شراء الثلج من السوق المحلية للحفاظ على الأسماك طازجة، إلا أن بعض المصائد تفسد نتيجة ضعف وسائط التبريد.
«أنفق يومياً ما لا يقل عن عشرة آلاف ريال يمني — نحو 6.7 دولار — على كيسين من الثلج للحفاظ على أسماكي لليوم التالي، ومع ذلك أجد أحياناً بعضها متعفناً،» قال بيسة لــ«الجزيرة» وهو يقطع الأسماك بسكين خلف بائعته في سوق السمك بالمكلا.
الريال اليمني يتداول بنحو 533 مقابل الدولار في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مقارنةً بحوالي 1500 للدولار في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.
النظام على شفا الانهيار
وزير الكهرباء المعين حديثاً، عدنان الكاف، عزا انهيار خدمات الكهرباء في مناطق الحكومة إلى تقادم المحطات وتدهور بنيتها، سنوات من الإهمال في الصيانة، تأخّر وصول قطع الغيار الحيوية، ارتفاع أسعار الكهرباء من الموردين الخاصين، ضعف تحصيل الإيرادات، وتضخّم الرواتب، إلى جانب عوامل أخرى.
«لن أكذب عليهم وأقول إنهم سينعمون بصيف بارد. لا أريد إطلاق وعود فارغة،» قال الكاف للتلفزيون الرسمي في أبريل، رداً على سؤال عما إذا كان اليمنيون يمكن أن يتوقعوا خدمات كهربائية أفضل خلال أشهر الصيف. «الوضع كارثي الآن، وهذا الصيف سيكون صعباً.»
انقطاعات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين
في مناطق الحوثيين يعاني السكان من وضع كهربائي شديد السوء أيضاً. تعتمد كثير من الأسر تقريباً كلياً على الطاقة الشمسية، إذ تغيب التيارات الشبكية لفترات ممتدة.
زاد الوضع تعقيداً بتوالى موجات الغارات الإسرائيلية التي استهدفت بنى تحتية في تلك المناطق، بما في ذلك منشآت كهربائية في صنعاء ومدينة الحديدة.
في الحديدة، التي تشتهر بشدّة الحرّ والرطوبة، عبّر السكان مؤخراً عن غضبهم بعد استلام فواتير كهرباء مرتفعة جداً رغم الانقطاعات المتكررة، ولجأ كثيرون إلى مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن استيائهم.
نشر علي عمر، من سكان الحديدة، فيديو اشتكى فيه من قفزة فاتورته من أقل من 3,000 ريال (نحو 5.6 دولار) إلى 19,000 ريال (نحو 35.6 دولار)، مع أنه يعتمد أساساً على الطاقة الشمسية نهاراً.
«لا يمكن أن تكون هذه فاتورتي؛ لا بد أنها تخص شخصاً آخر،» قال في الفيديو. «كيف حسبتم فاتورتي بـ19,000 ريال بينما أستخدم الطاقة الشمسية نهاراً؟»