تبادل كلامي بين لبنان وإيران يتحول إلى خلفية الحرب الأخيرة مع إسرائيل واشنطن وتل أبيب تتجهان نحو مواجهة مع إيران

طهران — جَرَت حرب كلامية مستمرة بين بيروت وطهران أضاءت الدور المحوري الذي لعبته لبنان في الحفاظ على هدنة بين ايران والولايات المتحدة.

ردّت طهران، يوم الأحد، على غارة إسرائيلية استهدفت ما يُزعم أنه موقع لحزب الله في جنوب بيروت —ما اعتُبر خطاً أحمر غير رسمي— بإطلاق وابل من الصواريخ نحو إسرائيل. وردت إسرائيل يوم الإثنين بضربات على طهران ومدن أخرى، مهددة بإنهاء هدنة دامت نحو شهرين بين طهران وواشنطن.

تصاعدت التوترات سابقاً بعد عبور القوات الإسرائيلية نهر الليطاني الشهر الماضي، في خطوة اعتبرتها إسرائيل إقامة منطقة عازلة تُطهر من عناصر حزب الله، ما دفع الحكومة اللبنانية إلى مناشدة المجتمع الدولي لوقف التدخلات الخارجية في شؤون البلاد.

أُبلغ الأسبوع الماضي أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أقنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعدم استهداف بيروت، لعلمه أن أي تصعيد من هذا النوع قد يقوض الهدنة الإقليمية المعلنة منذ أبريل.

أدى الغزو الإسرائيلي إلى تعميق الهوة بين ايران التي تدعم حزب الله، والحكومة اللبنانية التي تسعى إلى احتكار السلاح داخل البلاد. وحذّر الحرس الثوري الإيراني، يوم الخميس، من أنه «لن يكون هناك هدوء في المنطقة» إذا استمرت إسرائيل في احتلال جنوب لبنان.

شدّد رئيس الجمهورية اللبنانية، جوزيف عون، على أن لا مجال لإنهاء الحرب في البلاد «إلا عبر التفاوض والدبلوماسية»، متهماً طهران بأنها «تستغل لبنان كورقة في مفاوضاتها» مع الولايات المتحدة.

وأشار إلى أن على حزب الله أن يفهم أنه «لا حلّ إلا بالجلوس إلى طاولة الحوار»، وهو ما تسعى بيروت لتحقيقه عبر محادثات مباشرة بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين في واشنطن.

ورد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بتلميح إلى أن عون بدا وكأنه يعتقد أن ايران، لا إسرائيل، هي التي تحتل التراب اللبناني.

يقرأ  مع تسلم ابن خامنئي السلطة، الشيعة النيجيريون ينعون الزعيم الأعلى الإيراني السابق — أخبار الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران

ونشر عراقجي منشوراً على منصة X جاء فيه: «لو كان لبنان ورقة تفاوض لدى ايران، لكان لدينا اتفاق منذ زمن. أنقذوا لبنان من عدوكم الحقيقي يا سيدي الرئيس»، في إشارة واضحة إلى إسرائيل وإلى خطاب عون.

يعارض حزب الله أي حوار مباشر مع إسرائيل، ويطالب بدور أكبر لايران في الوساطات لإنهاء الأزمة، ما أفضى إلى تبادل كلامي متصاعد بين بيروت وطهران.

الاتفاق «الهدنة» المشروط القائم حالياً بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، والذي توسطت فيه واشنطن واستبعد تمثيل حزب الله، نصّ على شروط شملت إزالة الجماعات المسلحة جنوب نهر الليطاني، وإقامة «مناطق تجريبية» تُمنح فيها السلطة المطلقة للجيش اللبناني لتمكين الدولة من بسط سيطرتها المباشرة على تلك المناطق.

أشارت نِگار مرتضوي، زميلة بارزة في مركز السياسات الدولية بواشنطن، إلى أن إسرائيل أظهرت قدراً من الصبر فيما يخص هجومها المستمر في الجنوب، لكنها رأت أن استهداف الضواحي الجنوبية لبيروت (الداهنية) سيكون تصعيداً خطيراً للغاية.

وقالت قبل قصف الأحياء الجنوبية لبيروت: «أين بالضبط الخط الأحمر؟ حتى الآن يبدو أن طهران تَسامحت مع هجمات محددة في جنوب لبنان كجزء من هدنة فوضوية، ومنحت حزب الله هامشاً للتعامل مع إسرائيل. أظن أن الجمود لن يدوم طويلاً، فإما أن نعود إلى تصعيد مفتوح، أو نتجه نحو اتفاق سلام حقيقي».

وأكدت طهران أن أي اتفاق سلام طويل الأمد مع واشنطن مرهون بإنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان أيضاً.

ورأت مرتضوي أن «حزب الله دخل الحرب لمساندة حلفائه، وهم بدورهم يريدون ضمّه كجزء من صفقة السلام»، في تفسير لطبيعة المصالح المتبادلة.

أثارت التقدّمات الإسرائيلية، التي وُصفت بأنها «غير معطلة»، غضب المتشددين في ايران الذين طالَبوا الحكومة بالتحرك. واعتبر عباس عبدي، محلل في التلفزيون الرسمي، أن إسرائيل «توقفت عن استهداف الداهشية فقط، لكن تبقى تضرب حيث تشاء».

يقرأ  الإمارات تمنع شركات دفاع إسرائيلية من المشاركة في معرض دبي على خلفية الضربة في قطر

ورُفعت أعلام حزب الله في تجمعات مؤيدة للحكومة، وغطّت راية حركة حزب الله برج الحرية (برج آزادي) في طهران كرمز للتضامن مع الحركة اللبنانية أثناء الهجوم الإسرائيلي على الجنوب اللبناني.

وقال عبدي إن مثل هذه الاستعراضات السهلة للتضامن «ليست رادعة»، وأن على ايران أحياناً «أن تُظهر للعدو أن التفاوض ليس ما يهمنا بالدرجة الأولى». وأضاف: «نصدر بيانات ونقول سنفعل كذا إذا فعلوا كذا، لكننا في الواقع لا نفعل شيئاً؛ شعبنا ذهب إلى منصات الإطلاق مرات عدة للردّ، لكن قوبل بالمنع».

شهدت الأسابيع الأخيرة توتراً مباشراً بين القوى، مع ضربات عسكرية أميركية للجزر الإيرانية، وردّ الحرس الثوري بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على قواعد القيادة المركزية (سنتكوم) في الكويت والبحرين.

شيّع النشطاء أربعة قتلى، من بينهم امرأة ومسعف، سقطوا في قصف إسرائيلي على منطقة زبدين في حارة صيدا، ما عزّز من حالة الغضب والحسّ بالاستهداف بين اللبنانيين.

ووصف مصطفى نجفي، محلل سياسي في التلفزيون الرسمي، الهجمات الإسرائيلية على لبنان بأنها تهدف إلى التزامن مع الحصار البحري الأميركي على المياه الجنوبية الإيرانية لإرغام الحكومة على الاستسلام. وقال إن «هدف حلقة الضغط في لبنان ليس حزب الله وحده، بل استهداف روافعنا لإضعاف حضورنا الإقليمي»، معتبراً أن ملف حزب الله وملف ايران لا ينفصلان لوجود رابط أيديولوجي وجيوسياسي بينهما يشكّل كتلة استراتيجية.

وقال أميرحسين سابتي، نائب يمثل طهران في برلمان يهيمن عليه المتشددون، للتلفزيون الرسمي إن ترامب «يلعب مع السلطات الإيرانية للحفاظ على الهدنة حتى انتهاء كأس العالم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك».

وأضاف أن الولايات المتحدة «ستبدأ حرباً أشد مع ايران بعد انتهاء كأس العالم». «سيسعون إلى تحويل البلاد إلى “غزة ثانية”، حيث يُمحى كل شيء تحت وطأة الدمار»، قال.

يقرأ  حان الوقت لأن يقوم العالم بمقاطعة الولايات المتحدة — دونالد ترامب

«علينا أن نتهيأ لاستقبال ضربات أشد مما عرفنا من قبل، وسسنكون قادرين على ذلك. لا ينبغي أن ننتظر حتى يضربونا قبل أن نرد؛ بل يجب أن نوجّه الضربات حتى حين يلوحون بها — فهذا جوهر الردع.»

أضف تعليق