حلمي الذي حملته قد رحل: ارتفاع حالات الإجهاض في ظل صدمة حرب غزة | أخبار غزة

في دير البلح بقطاع غزة، ظلت نهى أبو لبدا تحلم بالأمومة لسنوات. لكن الحرب الإسرائيلية على غزة حوّلت هذا الحلم إلى خسارة متكررة.

منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، نزحت نهى عدة مرات داخل القطاع، وخلال هذه النزوح فقدت ثلاثة أجنة. تقول إنها تعرضت للإجهاض بعد أشهر من القصف والجوع والخوف وغياب الرعاية الصحية الملائمة.

تضيف لـ«الجزيرة»: «أجهضت بسبب القصف والنزوح والظروف الصعبة ونقص المياه النظيفة وسوء التغذية». وبعد كل إجهاض كانت تأمل أن تصبح أماً يوماً ما. «عندما فقدت طفلي كنت منهكة، كنت أستيقظ وأتمنى أن يكون الجنين ما زال في داخلي، لكن الحلم الذي حملته عشر سنوات اختفى».

باعت نهى ذهبها وكل ما تملك تقريباً لدفع ثمن حقن الهيبارين الذي يوصف لبعض النساء لمنع تخثر الدم أثناء الحمل. كانت تأمل أن يساعدها العلاج في إتمام الحمل، لكنها خسرت الأجنة رغم ذلك. «بكيت كثيراً لأنني خسرت الطفل الذي حلمت به كل يوم».

وحتى بعد أن هدأت وتيرة القتال، بقي حلمها كما هو: «أحلم بإنجاب طفل إلى هذا العالم. أريد أن أكون أماً وأنجب أطفالاً. كلما رأيت زوجي يلعب مع الأطفال، أبدأ بالبكاء».

يقول مسؤولون طبيون في غزة إنهم يعالجون ارتفاعاً كبيراً في حالات الإجهاض، ويربطون ذلك مباشرة بالحرب والحصار الإسرائيليين. وتفاقم هذا الاتجاه مع انهيار النظام الصحي بسبب القصف والعمليات البرية، حيث يُعتبر سوء التغذية والضغط النفسي من الأسباب الرئيسية.

الدكتور ياسر سعد الدين، مدير قسم الولادة في مستشفى العودة بدير البلح وسط غزة، قال لـ«الجزيرة» إن نحو 70% من حالات فقدان الحمل التي يعالجها فريقه مرتبطة بالحرب والحصار.

«فقدت ابنتي أثناء الولادة»

نهى أبو لبدا ليست الوحيدة. كثيرات في غزة يقولون إنهن فقدن حملهن خلال الحرب. يصفن حالات إجهاض وولادات مبكرة وفقدان مواليد جدد أثناء محاولتهن البقاء على قيد الحياة وسط القصف والنزوح والجوع وانهيار الرعاية الصحية.

يقرأ  قد تصل سفن حربية أميركية إلى سواحل فنزويلا بحلول نهاية الأسبوعفي إطار عملية ضد كارتلات المخدرات

ماي زقوت تقول لـ«الجزيرة» إنها فقدت ابنتها لأنها لم تستطع الحصول على الرعاية الطبية اللازمة: «فقدت ابنتي أثناء الولادة. كانت قد ماتت في رحمي لمدة شهر، لكن لم أستطع ولادتها لأن الموارد الطبية والدعم الذي احتجته لم يكن متاحاً». وجاءت هذه الخسارة بعد مأساة أخرى: «كل هذا حدث بعد فترة قصيرة من مقتل زوجي».

أما سارة العوض، فتعرضت لخوف شديد عندما كانت في الشهر الثامن. تقول إن انفجارات قوية في منطقة تل الهوى بمدينة غزة تسببت في خوف وتوتر كبيرين، مما أدى إلى نزيف حاد. «بسبب الخوف والقلق وقوة الانفجارات، بدأت أنزف. انفصلت المشيمة».

لم تستطع سيارة إسعاف الوصول إليها، انتظرت ساعات حتى أخذها شقيقها على كرسي متحرك إلى مستشفى القدس. «قرر الأطباء أن أحتاج إلى عملية قيصرية طارئة فوراً». وُلد طفلها محمد بوزن 1.1 كيلوغرام فقط، ووُضع في الحاضنة. لكن مع استمرار القتال حول المستشفى، انفصلت سارة وعائلتها عنه. «اضطر أخي إلى المغادرة إلى الجنوب بينما بقي محمد وحده في الحاضنة. كنا نطمئن عليه فقط من خلال رسائل الطاقم الطبي».

بعد أكثر من شهر، التقت سارة بطفلها أخيراً: «الحمد لله، جاءت الهدنة. … خرج محمد من الحاضنة بعد 37 يوماً».

«شهدت مواقف مروعة»

في أنحاء غزة، نساء أخريات لديهن قصص مشابهة.

إيمان بدة فقدت ابنها الوحيد الذي انتظرته ست سنوات: «أنا أم فقدت ابني الوحيد. انتظرت ست سنوات لأنجبه. ولدته مبكراً أثناء النزوح».

نهى سلامة كانت حاملاً بتوأم خلال الحرب: «الخوف والصدمة تسببا في فقدانهما». وتقول إن الأطباء أخبروها أنه لو كان الوضع طبيعياً لكان الأطفال قد نجوا: «قال لي الطبيب لو كانت الظروف طبيعية لكنا وضعناهم في الحاضنة وعاشوا».

يقرأ  «كأنها ٢٠٢٤ من جديد»ترامب يعود إلى مركز الصدارة في انتخابات التجديد النصفي لعام ٢٠٢٦أخبار دونالد ترامب

نداء صيام تعرضت لإجهاضها الثاني خلال الحرب: «فقدت مولودة أنثى، وهذه المرة الثانية التي أجهض فيها». يقول الأطباء إن ظروف الحرب أثرت على حملها: «أخبروني أن السبب هو الضغط النفسي الذي نعيشه وسوء التغذية». تصف أيضاً نجاة من قصف عنيف: «شهدت مواقف مروعة، كنت محاصرة تحت الغارات، واستنشقت الكثير من الأدخنة السامة».

«حرب، حصار، سوء تغذية، نزوح»

يقول أطباء فلسطينيون إن هذه القصص أصبحت أكثر شيوعاً، ويسجلون ارتفاعاً في حالات الإجهاض ومضاعفات الحمل المرتبطة بالجوع والتوتر والنزوح ونقص الرعاية الطبية.

في مستشفى العودة، يقول الأطباء إنهم لاحظوا زيادة كبيرة في فقدان الحمل. يوضح سعد الدين: «خلال الحرب كانت هناك زيادة ملحوظة في حالات الإجهاض التي استقبلناها». ويذكر الأسباب: «الحرب والحصار، بما في ذلك سوء التغذية، وسوء النظافة، والتلوث البيئي، والنزوح المستمر».

ويضيف الأطباء أن الإجهاض ليس سوى جزء من الأزمة، إذ يشهدون أيضاً وفيات أجنة في الرحم، وولادات مبكرة، ومضاعفات حمل خطيرة. كثير من النساء فقدن منازلهن وسجلاتهن الطبية وإمكانية الفحص الدوري خلال النزوح المتكرر. كما تعاني المستشفيات من نقص الأدوية والمعدات والطواقم الطبية.

بالنسبة للعديد من الأمهات، تركت الحرب جروحاً لا تزال تؤلم حتى بعد توقف معظم القتال. بالنسبة لنساء غزة، لم تنتهِ الحرب بهدنة أكتوبر، بل تستمر مع كل حمل يُفقد وكل حلم يتحطم. المقال المصدر غير مرفق.

أضف تعليق