مقيَّدون، ينزفون وتعرّضوا للاغتصاب شهادات فلسطينية تصف الانتهاكات داخل سجون إسرائيل أخبار حقوق الإنسان

تحذير: تحتوي هذه القصة على وصف لاعتداءات جنسية قد يجدها بعض القراء مزعجة.

لم يبدأ باسم السجن. بدأ بالكلب.
في شهادة جُمعت لفيلم “أجساد الأدلة: السلاح الأظلم لإسرائيل” — وثائقي أصلي من قناة الجزيرة أخرجته وأنتجته تنفيذياً — يصف محمد زكي البكري كيف جُرِّد من ملابسه، قُيِّدَ وترك بلا حول ولا قوة بينما كان جنود إسرائيليون يضحكون ويسجلون الفيديو.

البكري، ناجٍ من ما تصفه مصادر فلسطينية بـِـ”الإبادة” في غزة ومعتقل سابق من خان يونس، يقول انه احتُجز لمدة عشرين شهراً ونُقِل عبر خمسة سجون إسرائيلية.

«جردونا من ملابسنا،» يقول في المقابلة. «كنا مكبلين… أيدينا خلف ظهورنا وأرجلنا مربوطة وكانوا يعصبون أعيننا.»

ثم جاءت اتهامات بالعنف يصعب وصفها بالكلمات. «اغتُصبت بعد أن جُردت من ملابسي،» يقول، «بواسطة كلب كبير.» وفي موضع آخر من المقابلة يضيف: «لقد تعرّضنا سبعة لاعتداء جنسي بواسطة الكلب.»

هذه الشكاوى لم تكن حالة معزولة.

خلال شهور من التحقيق، جمع فريق عمل الجزيرة روايات لمعتقلين فلسطينيين سابقين يصفون كيف استُخدمت الكلاب ليس فقط كأدوات للترهيب، بل كجزء من طقوس إذلال ذات طابع جنسي: تجريد المساجين، وتعصيب أعينهم، وتكبيل أيديهم، وإجبارهم على الاستلقاء على بطونهم، والضرب والتهديد والتصوير والاعتداء الجسدي والجنسي. تشكل هذه الشهادات أساس الفيلم الاستقصائي.

أحد الناجين، الذي حددناه باسم مستعار “جوب”، والذي تنقل عبر ثمانية مرافق احتجاز إسرائيلية، يصف كيف أُطلقت الكلاب على السجناء وفق طقوس متكررة أثناء احتجازه في سجن سدي تَيمان. ناجٍ فلسطيني ثالث من غزة يروي أيضاً اعتداءً بالكلب.

النمط يتجاوز جدران السجون. كفاية خريم، منسقة المناصرة الدولية في مركز المرأة للدفاع القانوني والاستشارات في رام الله، تروي للجزيرة ما واجهته عائلة العجلوني في الخليل في يوليو 2023: قوات إسرائيلية اقتحمت منزلهم «تحت تهديد كلاب كبيرة»، وأمرت النساء بخلع ملابسهن والسير عاريات في أرجاء المنزل أمام مجندات.

بعيداً عن استخدام الكلاب، تصف شيرين، معتقلة سابقة وناشطة تُخفي هويتها، عمليات تجريد متكررة وتفتيشات تنتهك الخصوصية. عدنان حسن، معتقل سابق طفلاً من جنين، يقول إنه اعتُقل حين كان في السابعة عشرة وبقي خمسة أشهر. ميس أبو غوش، معتقلة سابقة من القدس، تصف السجن كمكان تحوّل فيه الإذلال إلى روتين.

شهاداتهم لا تصف سجناً واحداً أو حارساً واحداً أو فعلاً معزولاً.

هي تصف منظومة.

«كنا مكبلين… أيدينا خلف ظهورنا وأرجلنا مربوطة وكانوا يعصبون أعيننا،» محمد البكري.

مجرّد. مضروب. مصوّر.
منذ 1967، تُقدّر مصادر فلسطينية رسمية أن أكثر من 750 ألف فلسطيني احتُجزوا لدى إسرائيل. وتورد الأمم المتحدة رقماً يفيد بأن أكثر من 800 ألف فلسطيني سُجنوا بين 1967 و2006. وفي أبريل 2026، ذكرت جمعية أحرار للدعم والحقوق في السجون (عدّمير) وجود 9,600 سجين سياسي فلسطيني في الحجز الإسرائيلي، من بينهم 3,532 محتجزاً إدارياً — سجناً بلا تهم أو محاكمة — إضافة إلى 342 طفلاً و84 امرأة.

بالنسبة للفلسطينيين، السجن ليس تجربة هامشية، بل تجربة عبر أجيال.

قد يُعتقل الشخص في منزله، عند حاجز، داخل مستشفى، في مأوى أو خلال اقتحام عسكري. وقد يُنقل بعد ذلك بين الجنود، ومخابرات، ومراكز اعتقال عسكرية، واحتجاز شرطياً، ومحاكم عسكرية، وسجون تديرها إدارة السجون الإسرائيلية.

أسماء المرافق تتغير: سدي تيمان، عوفر، النقب، أشكلون، مراكز تحقيق، حواجز ومعسكرات عسكرية.

التفاصيل تتكرر. يتحول الاسم إلى رقم. تُنتزع الملابس. تُغطى العيون. تُقيد الأيدي والأرجل. يُقيد الطعام. يُمنع النوم. تُدخل الكلاب. يُهدد السجناء بالاغتصاب. الكثيرون يُغتصبون. البعض يقول إنهم صُوّروا. وكثيرون يقولون إن الشكاوى لا تجد مجرى.

في حالة البكري، لم تكن الكلاب مجرد وجود عرضي. كانت جزءاً من الاعتداء ذاته. «يمشو بالكلاب عليك، وبعدها يبدأون يركلونك،» قال. «هاجمونا من الخلف بالكلاب… هاجمونا بالكلاب بطريقة مجنونة،» أضاف في جزء آخر من المقابلة.

ثم: «نحن عاجزون عن فعل أي شيء. هم يضحكون. وبالطبع يصوروننا.» الجزيرة لم تنشر كل التفاصيل الصادمة من الشهادات، لكن النمط واضح: تتكرر الكلاب في روايات العري والتقييد والعنف والاهانة الجنسية.

الاتهامات لا تقف بمفردها.
جوب، اسم مستعار للناجي الثاني في الفيلم، وبوجهٍ وصوتٍ مغطى لحمايته، يشير إلى أن الكلاب انطلقت بأوامر لفظية من الجنود. «لا أظنّ أنه كلب، إنه إنسان،» قال.

«يطلقون الكلاب، وليس أمامك مفر؛ يجب أن يمر الكلب. إما يغتصبك، أو يكسر رأسك بقضيب حديدي في فمه،» يقول. ويضيف أن الكلب «لا يكتفي بالنباح والعواء» بل يعمل بناءً على إشارات من مُديره. «الكلمة التي تعطيها للكلب، سيفعلها.»

خلف جدران الدولة
ادخلت اتهامات استعمال الكلاب في اعتداءات جنسية حيز النقاش الدولي الأوسع بعد تقارير جديدة عن إساءات جنسية لمعتقلين فلسطينيين، ما أثار موجة من الإنكار والهجمات من قبل معلّقين مؤيّدين لإسرائيل. وصف مسؤولون إسرائيليون وشخصيات إعلامية متحالفة هذه التقارير بـ«التشهير الدموي»، مع تركيز خاص على المزاعم المتعلقة بالكلاب.

لكن بالنسبة للفلسطينيين والمنظمات التي توثّق اعتداءات السجناء، لم تظهر هذه الادعاءات فجأة.

فرانشيسكا ألبانِيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، تقول في مقابلة للفيلم إن الفلسطينيين تعرضوا منذ زمن «لاستخدام الحيوانات، لاستخدام الكلاب للهجوم، وللانتهاك، وحتى لارتكاب اعتداءات جنسية».

يقرأ  إيران تتوعد بردّ طويل ومؤلم إذا أعادت الولايات المتحدة شنّ الهجمات— أخبار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

«هذه حقائق كانت معروفة،» تقول. تصف ألبانسي نمطاً أوسعَ تَرويه شهاداتُ معتقلين: «التكبيل حتى النزيف، الضرب والسحب، التجويع، التعرض للبرد، حرمان من الرعاية الطبية، الهجمات بالكلاب، العزل الانفرادي، العنف الجنسي، التجريد القسري من الملابس، وتهديدات بالاغتصاب وقتل أفراد العائلة».

قالت خريم، شريكة العمل لدى مركز WCLAC للدفاع، إن الإذلال الجنسي والتهديدات تُستَخدمان لفرض الصمت. كثيرٌ من الرجال والأولاد يلتزمون الصمت لخوفهم من الوصمة. وتخشى النساء من العقاب الاجتماعي. أما الأطفال فيحملون عاراً لا يملكون الكلمات الكافية لشرحه.

لهذا السبب تكتسب شهادات الناجين التي شاركوها مع الجزيرة أهمية استثنائية. ليست دعاوى قضائية منظَّمة، بل ذاكراتٌ مشوهة عبَّرَت عنها أجسادٌ وقلوبٌ تملؤها الخوف والغضب ورغبة البقاء.

فرانشيسكا ألبانيس: الفلسطينيون تعرّضوا طويلاً «لاستخدام الحيوانات، واستخدام الكلاب للهجوم والإساءة، وحتى لارتكاب اعتداءات جنسية».

سدى تيمان وهندسة الانتهاك
سدى تيمان، مرفق الاحتجاز العسكري الإسرائيلي في صحراء النقب، تحوّل إلى رمز لنظام الاحتجاز بعد 7 أكتوبر، بعد ظهور تقارير عن أسرى مكبلين ومعصوبي الأعين، إهمال طبي، ادعاءات تعذيب وانتهاكات جنسية. اتُّهِم خمسة جنود إسرائيليين بالاعتداء الجنسي على مُعتقل فلسطيني في سدى تيمان، لكن السلطات الإسرائيلية أسقطت التهم في مارس 2026. ومع ذلك تُظهِر الوثائق أنّ سدى تيمان ليست استثناءً.

يمرّ المعتقلون الفلسطينيون عبر عدة أذرع: الاحتجاز العسكري، استجواب الأجهزة الاستخباراتية، توقيف الشرطة، المحاكم العسكرية والسجون الرسمية. خدمة السجون والشرطة تتبعان وزارة الأمن الوطني برئاسة اتامار بن غفير؛ مواقع الاحتجاز العسكري تخضع للقيادة العسكرية؛ الشاباك يعمل تحت سلطة مكتب رئيس الوزراء؛ ووزارة العدل تشرف على السياسة القانونية للدولة والادعاءات والدفاع الحكومي. تتحلل المسؤولية وتتبعثر.

قد يعتقِل جنديٌ شخصاً، وتستجوبه أجهزةٌ استخبارية، ويحتجزه حرّاس السجون، ويُحال للمحاكم العسكرية ثم تُعرَض قضيته على هيئات مدنية. وإذا وُجِّه سؤال، فكل مؤسسة تشير إلى أخرى في السلسلة. ومع ذلك كلّها أجزاء من بنية احتجاز الدولة الإسرائيلية. لهذا قال رaji سوراني، مؤسس ومدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان: «لدينا الجرائم، ولدينا الأدلة، ولدينا سلسلة القيادة». بالنسبة إليه، سدى تيمان «قمة جبل الجليد».

العنف الجنسي كسلاح
العنف الجنسي في سياق الاحتجاز يشمل الاغتصاب، التهديد بالاغتصاب، التجريد القسري، التفتيشات التوغلية والإذلال الجنسي. وبموجب القانون الدولي، وباعتماد السياق والنية، قد يشكل ذلك جريمة حرب، أو جريمة ضد الإنسانية، أو حتى فعل إبادة.

يصف الناجون في فيلم Bodies of Evidence: Israel’s Darkest Weapon أشكالاً متعدّدة من هذا العنف. يقول شاب من شمال غزة اسمه «جوب» إنه تعرّض للاغتصاب الجماعي وتصويره من قبل جنود إسرائيليين؛ ويصف جندية استخدمت جهازاً اصطناعياً بينما الآخرون يصفقون. وتروي شيرين — التي حُجِبَت هويتها حفاظاً على سلامتها — أنها جُردت مراراً. «أخذوني إلى غرفة»، تقول. «وطلبوا مني خلع ملابسي». ثم تروي طرقاً توغلية ومروّعة انتهكوا بها جسدها.

قضية مُدَن اسم مستعار لحماية الهوية: أدنان حسن كان تلميذاً يبلغ من العمر 17 عاماً في جنين عندما اصطدم بعملية عسكرية. ألقَ الجنود جهازاً متفجراً نحوه؛ ففقد يده اليمنى في الانفجار. وبعد نحو أسبوع، وفي أثناء تعافيه من البتر، عَاد الجيش واعتقله. احتُجز خمسة أشهر. يصف تعرضه للضرب في مناطق حساسة من جسده وخضوعه لتفتيشات عارية متكررة رغم البتر الطازج.

محمد أبو كباش سمع الكلاب أولاً. كانت الساعة نحو الواحدة صباحاً يوم جمعة في خربة حمصة الفوقا في سهل الأردن، وعائلته نائمة. أضاء بالمصباح فاندهش لرؤية مجموعة تسير بجانب الجبل من اتجاهات متعددة. حاول أن يسيطر على خوفه وذهوله، «لكنني لم أستطع»، يقول. بعد لحظات هاجمه مستوطنون: «أربعة رجال اعتدوا عليّ. أمسك بي المستوطنون وكبّلوا يديّ»، يقول. طُعن في اليد وتعرّض للضرب بجسدِه.

يقول شقيقه صهيب إن المستوطنين تجوّلوا في المخيّم بينما الناس نيام: «دخلوا كل بيت هنا، عشرون مستوطناً في كل بيت. واحد يقبض على أيدينا والآخر يضربنا»، يروي. يضيف أن المستوطنين سرقوا أغنام العائلة، واعتدوا على الأطفال، وكبّلوا يديه، وجردوه وربطوا أعضائه التناسلية. «جرّوني مسافة مائة متر، ورشّوا عليّ ماءً وتراباً».

يروي محمد أنه رأى عدداً من المستوطنين يحيطون بأخيه: «كانوا يهاجمونه بكثرة، لا أدري بالضبط عددهم، عشرة أم تسعة أم ثمانية. عدد كبير». جردوه وضربوه، ثم يتوقف في المقابلة: «هل أذكرها؟» يسأل. «جلبوا رباطاً بلاستيكياً وربطوه على قضيبه».

في وقت لاحق، رفع صهيب الأصفاد البلاستيكية التي يُقال إنها استُخدمت «لربط يديّ وركبتيّ وأعضائي التناسلية».

يقول محمد إنه بعد مغادرة المستوطنين جاءه صهيب «غير قادر حتى على المشي». لم يعرف ماذا يفعل. «كنت مرتبكاً جداً»، يقول محمد. «ماذا أفعل في هذا الوضع؟ هذا مكان حساس، كيف أعالجه؟»

لم يكن هناك ضوء، فاتصل بزوجة صهيب وطلب منها إضاءة مصباح. ثم أخذ سكيناً. «أمسكت بسكين وقطعت الرباط»، يقول محمد. «بدأ الدم يتدفق منه».

لم يكن الاعتداء، كما يروي الأخوان، موجهاً لصهيب وحده. أبلغ شهود أن المستوطنين أخرجوا النساء من بيوتهن قسرًا، وحشدوا الناس في خيمة، وهددوا باغتصاب النساء وأخذ الأطفال إن لم تغادر القرية. وفي مقابلات أخرى قال سهيد إنهم طُردوا وأجبِروا على ترك ممتلكاتهم.

يقول محمد في مقابلة مع الجزيرة إن خسارة أربعمئة نعجة — مصدر الدخل الرئيسي للعائلة — تركتهم «بلا شيء». «لم يعد لدينا سوى السماء»، يقوله وهو يقيس الخسارة على امتداد أجيال: «خمسون سنة من العمل التي بذلها أنا ووالدي وجدّي؛ كلها اختفت في أقل من ساعة، في أربعين دقيقة».

يقرأ  رسائل داخل زجاجات لجنود الحرب العالمية الأولى تُكتشف على سواحل أستراليا

اتصلوا بالشرطة… ثم وصلت مركبة عسكرية متأخرة، كنا قد تعرّضنا للضرب
يشرح سهیب أبو كباش أنهم طلبوا المساعدة لكنها جاءت متأخرة: «اتصلنا بالشرطة… ثم وصلت مركبة للجيش متأخرة، كنا قد تعرّضنا للضرب»، كما روى.

قالت القوات الإسرائيلية والشرطة إن الحادثة قيد التحقيق، لكن حتى تاريخه، لايزال لا يبدو أن أحدًا قد نال عقابًا — ولم يتلق أي من الضحايا الذين تحدثوا إلى الجزيرة تعويضًا. ومع ذلك، يؤكد محمد أن العائلة باقية على أرضها ولن تغادر: «نحن صامدون وسنبقى على أرضنا. لن نترك أرضنا».

آلة الإنكار
ترفض إسرائيل الادعاءات بوجود انتهاكات منهجية. وقالت مصلحة السجون الإسرائيلية، وفق ما نقلته وسائل الإعلام، إنها مؤسسة أمنية تعمل «وفق القانون» وتخضع «لرقابة صارمة»، وأن السجناء محتجزون مع «حفظ حقوقهم الأساسية».

وجادل السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يكييل لاتر، بعد تقارير عن ادعاءات اعتداءات جنسية بأن «أي شكوى عن سلوك غير قانوني من قبل السلطات الإسرائيلية يجب تقديمها للجهات التحقيقية، وكما هو معمول به في المجتمعات الديمقراطية ستُراجع تلك الشكاوى بدقة».

لكن شهادات جُمعت لفيلم Bodies of Evidence: Israel’s Darkest Weapon تظهر أن المشكلة جزئيًا هي أن القنوات الرسمية لا تحمي المعتقلي. أحد السجناء السابقين يقول إن أربع نساء قدَّمن أنفسهن كمحاميات زرنهم قبل نقلهم وسألن عن الطعام والضرب وهل تُستخدم الكلاب. «كيف الطعام؟» تذكّر أنهن سأنّ، «كم الطعام؟ ماذا ينقصكم؟ ماذا يفعلون بكم؟ كيف يضربونكم؟ هل يستعملون الكلاب معكم؟»

«أخبرناهن بكل شيء»، يقول. «أتين ودوّنّ وفعَلن، ولم يحدث شيء. لم يتغير شيء. بل ازداد الضرب».

تشويه التهمة يُعمّق فجوة المساءلة
المصطلح التاريخي «تهمَة الدم» يشير إلى كذبة معادية للسامية زعمت أن اليهود يقتلون أطفالًا مسيحيين لأغراض طقسية، واُستعملت عبر قرون لتبرير الاضطهاد والعنف.

وعند تطبيقه على شهادات المعتقلين الفلسطينيين، فإن هذا المصطلح يعمل على تحويل الانتباه من ما يقوله الناجون إلى النوايا المزعومة لأولئك الذين يبلغون. فتتحول ادعاءات الانتهاك إلى تهمة معاداة للسامية ضد المبلغين.

لكن الادعاءات التي يُهاجم أصحابها اليوم ليست أساطير من العصور الوسطى؛ بل هي مزاعم حديثة عن إساءات في مراكز احتجاز وصفها سجناء سابقون، ووثقتها منظمات فلسطينية، وطرحتها منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والدولية، وكانت كافية لإثارة قلق متكرر لدى مسؤولي الأمم المتحدة.

بن مارماريلّي، محامٍ إسرائيلي يمثل معتقلين فلسطينيين، رآهم في أبريل 2024 للمرة الأولى منذ 7 أكتوبر 2023: «رأيت هيكلًا عظميًا. حقًا رأيت هيكلًا»، قال للجزيرة. «كانوا يتلقون نحو 800 سعرة حرارية يوميًا. فبدوا مثل السجناء في أفلام الهولوكوست.» والمعدل الأدنى للبقاء الذي تحدده الأمم المتحدة هو 2100 سعرة في اليوم.

تحذير الأمم المتحدة
في أغسطس 2025، وضع أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إسرائيل «تحويلًا إلى الملاحظة» لإمكانية إدراجها في قائمة الأطراف التي تشتبه الأمم المتحدة بارتكابها نماذج من العنف الجنسي المتعلق بالنزاع. في الرسالة الموجهة إلى سفير إسرائيل لدى المنظمة، أعرب غوتيريش عن «قلق بالغ» إزاء ادعاءات اعتداء جنسي على معتقلين فلسطينيين في سجون ومرافق احتجاز وقاعدة عسكرية. ووُضِعت حماس في القائمة للمرة الأولى في نفس التقرير.

أهمية هذا التحذير أنها لا تأتي من حملة مدافعة عن الحقوق فحسب، بل من آلية الأمم المتحدة المختصة بمراقبة العنف الجنسي المرتبط بالنزاع. وأشار غوتيريش أيضًا إلى أن رفض إسرائيل منح مفتشي الأمم المتحدة حق الوصول صعّب التحقق. وهذه النقطة محورية: عندما يُحرم المراقبون المستقلون من الوصول، لا يمكن للدولة أن تستخدم بسعة غياب التحقق الخارجي كدليل على أن الانتهاكات لم تحدث.

كما أفاد الصليب الأحمر الدولي أنه لم يتمكن من زيارة السجناء الفلسطينيين المحتجزين في مرافق إسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023، ودعا إلى الوصول إلى المعتقلين ومعلومات عن مواقعهم.

بالنسبة للناجين والمحامين، تبدو المنطقية دائرة قاسية: يُطلب من الفلسطينيين إثبات ما حدث داخل مرافق مغلقة، بينما تُبقَى المؤسسات القادرة على التحقق خارجًا.

الأجساد تتذكّر
عنوان الفيلم ليس مجرد استعارة؛ فالجسد يتذكّر ما تنكره الأوراق. الكدمات تتلاشى، والوثائق تختفي، والفيديوهات تبقى في أيدي من صوروها، والسجلات الطبية تُحجب أو لا تُعد أصلًا. وتشرد الشهود أو يفرَج عنهم أو يُرحَّلون أو يُسكتون أو يُخزى.

لكن الناجين لا ينسون.

حاولت منظمات حقوق الإنسان منذ زمن طويل تحويل تلك الذاكرة إلى توثيق: أسماء وتواريخ وإصابات ومسارات احتجاز وسجلات طبية وشهادات شهود وبلاغات قانونية وأنماط متكررة.

يعمل أيّد أبو إقتايش، مدير برنامج المساءلة في منظمة الدفاع عن الأطفال — فلسطين، ضمن هذا النمط الوثائقي، لا سيما بشأن معاملة الأطفال الفلسطينيين. طهسين عليان ناشط حقوقي عمل على المساءلة الدولية. تياب علي خان محامٍ حقوقي تابع قضايا الولاية القضائية العالمية. شانتال ميلوني خبيرة في القانون الجنائي الدولي وممثلة قانونية لضحايا فلسطينيين عملت على إدخال الشهادات الفلسطينية إلى الأروقة القضائية. تريستينو مارينييلو، أستاذ وخبير في القانون الجنائي الدولي، يضع هذه القضايا في سياق التزامات العدالة الدولية.

يقرأ  اليوم ٧٧ من الحرب على إيران: ترامب وشي يناقشان مضيق هرمز بينما طهران تحشد دول بريكس — آخر أخبار الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران

لكن للتوثيق عواقب. في الفيلم يروي محامٍ فلسطيني أنّه أبلغ عن قضية طفلٍ يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً ادّعى أنه تعرّض لاغتصاب باستعمال جسمٍ صلب، وأنّ القضية نُقلت إلى وزارة الخارجيّة الأميركية. بدلاً من فتح تحقيق، يقول المحامي، اقتحمت السلطات الإسرائيليّة مكتب منظمة «الدفاع عن الأطفال – فلسطين»، وبعد ذلك وُصفت المنظمة بالإرهابيّة.

فجوة الملاحقة

تؤكّد الجهات الرسميّة الإسرائيليّة نظرياً إمكانية التحقيق في سلوكٍ غير قانوني، لكنّ منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، والإسرائيلية، والدولية وثّقت لسنوات أنّ الملاحقات الجنائيّة عن الانتهاكات بحق الفلسطينيين نادرة. يقول المحامي الإسرائيلي مارمارلي إنّ «النظام يشرعن الاغتصاب … ويشرعن التعذيب». تعهّدات ونقاشات وادّعاءات قُدّمت ضده لدى نقابة المحامين والإدّعاءات من فعالين يمينيين وسلطة السجون الإسرائيليّة، لكنه لم يتراجع. «لن آخرس»، يقول، «وإن أُسحبت رخصتي فلن أخفت صوتي».

تتجلّى بصوتٍ آخر داخل الجهاز القانوني الإسرائيلي المحامية الحقوقيّة ليا تسمل، التي دافعت عن معتقلين فلسطينيين لعقود، وتظهر في الفيلم كصوت يرفض إخفاء ما تمارسه إسرائيل تحت ستار القانون. ويذهب قونو تارفوسّر، القاضي السابق ونائب رئيس المحكمة الجنائيّة الدوليّة، إلى أن الأزمة ليست داخل النظام الإسرائيلي فحسب، بل داخل منظومة العدالة الدولية نفسها؛ إذ إنّ تطبيق القانون الدولي على أعداء دولٍ قوية فقط يجعل من القانون لغة سلطة لا درعاً للضحايا.

ما تؤكده هذه التحقيقات

لا يدّعي فيلم «أدلّة دامغة: أخطر سلاح لإسرائيل» أنّه تحقّق بشكل مستقلّ من كل تفصيل ورد فيه عن كل اعتداء داخل مرافق الاحتجاز المغلقة، ولا أنّ كلّ جندي أو حارس أو محقّق أو مسؤول شارك في سوء المعاملة، ولا أنّ العنف الجنسي وقع بنفس الأسلوب في كلّ سجن أو قاعدة أو مركز استجواب. ما يوثقه الفيلم فعلاً هو تكرار شهاداتٍ متعدّدة لفلسطينيّين تصفُ العنف الجنسي، وتجريد المعتقلين قهراً من ملابسهم، وهجمات كلاب، وتصويرهم، وتهديداتهم، وضربهم وإذلالهم في مراحل احتجاز متعدّدة. كما يوثّق تجاهل الشكاوى أو إعاقتها أو معاقبة المشتكين وفق رواية محامين وعاملين في حقوق الإنسان، ويقدّم شهادات خبراء تقول إنّ النمط يتوافق مع منظومات أوسع من تجريد الانسان من إنسانيّته وغياب المساءلة. ويبرز الفيلم بنية دولة تتوزّع فيها المسؤولية بين جنود، وعناصر استخبارات، وحرس سجون، وشرطة، ومدّعين، ومحاكم، ووزارات، ممّا يجعل تتبّع المساءلة أصعب حتى عندما تكون الإصابات واضحة.

القول بوجود آليات للشكوى أو مفتشين أو قوانين لا يوازي التأكد من أنّ هذه الآليات تؤدّي فعلاً إلى تحقيق العدالة أو أنّ المفتشين منعوا الانتهاكات أو أنّ السجون خضعت لرقابة مستقلة.

العالم محلّ محاكمة

عند سؤاله عمّا إذا كان يخشى على سلامته إثر حديثه، يقول مارمارلي: «لن ألعب لعبة إخفاء الحقيقة عن العالم». «ولو كلفني الأمر ثمناً فسأدفعه». وتُعيد ليا تسمل، المحامية المحاربة التي تمثل الفلسطينيين منذ بدايات السبعينيات، تحدياً للحكومة الإسرائيليّة عندما تتحدّث عن معتقلين فلسطينيّين قد يواجهون محاكمات قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، بينما تظلّ جرائم الحرب الإسرائيليّة الموثقة في الأراضي المحتلّة من دون عقاب في المحاكم الإسرائيلية: «ليأتوا بمحاميين من الخارج»، تقول، «فسنرى حينها».

الشهود والخيبة

كثيرون من الناجين الذين التقتهم الجزيرة للفيلم شعروا أن العالم قد خان العدالة بصمته طويلاً. قرب نهاية الفيلم يتوقف أحد الناجين عن سرد ما حصل له ويتوجّه بالحديث إلى كلّ من خارج الغرفة: «أين أنتم؟» يطلق تساؤلاته: «لماذا لا ترون ما نحن فيه؟ لماذا نكون وحدنا؟ ألم تروا ما يحدث؟ أين العالم؟» السؤال هذا يقف في مركز الفيلم ويقع أيضاً في قلب الجدل الحالي حول الشهادات الفلسطينية. ثمة سيل من الغضب عند سماع اتهامٍ صادم، لكن ثمة غياب غضبٍ أكبر حيال الظروف التي تجعل هذه الاتّهامات ممكنة: اعتقال بلا تهمة، ومواقع عسكرية مغلقة، ومنع المراقبين، ومحامون مُعاقَبون، وملفّات تُسحب، وثقافة سياسية تُمكن من رفض العنف الجنسي كدعاية قبل فحص الأدلة.

يوضح الفيلم أن استهداف الأجساد الفلسطينية ليس وحده الهدف، بل أيضاً استهداف فكرةٍ يعيشها الفلسطينيون: «التمسّك» أو الصمود، رفض التلاشي. يقول ناجٍ من غزة إنّ السجن استخدم الاغتصاب لإخضاع الناس بحيث لا يرفع أي فلسطيني رأسه مجدداً، «لكننا»، يقول، «رفعنا رؤوسنا».

خلال إنتاج الفيلم تواصلت الجزيرة مع عشرات من المعتقلين السابقين وأسرهم. كثيرون عبّروا عن رغبتهم في الكلام ثم تراجعوا لأسباب متعدّدة: خوف على سلامتهم أو على ذويهم داخل الضفة وغزّة حيث تستمر الاعتقالات والاقتحامات وهدم المنازل، أو لأنّهم فقدوا الإيمان بأنّ الكلام سيغيّر شيئاً. «ما الجدوى؟» كانت عبارة تكررت بطرق مختلفة. وهذا الصمت ذاته جزء من القصة التي يرويها الفيلم. من بين الذين وافقوا على المقابلة ظهر بعضهم بأسماءٍ مستعارة، وبعضهم طُمس وجهه أو صوته. طلبوا هذه الحماية لثلاثة أسباب: الخوف من ردود فعل انتقامية إسرائيلية قد تطالهم أو تطال أهلهم؛ والتكلفة الاجتماعية، في المجتمع الفلسطيني كما في غيره، المترتبة على الحديث العلني عن العنف الجنسي.

حيثما وافق الناجون على الكشف عن أسمائهم وظهورهم، قامت الجزيزة بذلك. وحيث امتنعو عن ذلك، جرت مطابقة رواياتهم مع السجلات الطبية والملفات القضائية وشهادات المحامين، إضافة إلى التوثيق الأوسع المتوفر لدى المنظمات الحقوقية.

أضف تعليق