تنهض من بين الركام — حاضنة تقنية في غزة تتحدى الحرب الإسرائيلية

تداعيات مدمرة على اقتصاد المعرفة في غزة

أبعد من تدمير المنازل والخدمات الأساسية، امتد وقع الحرب الإسرائيلية الإبادةية على قطاع غزة ليقضي عملياً على ما تبقّى من نسيج اقتصادي حيوي، وعلى وجه الخصوص قطاع التكنولوجيا وريادة الأعمال الذي كان بمثابة نافذة أمل لآلاف الخريجين في ظل البطالة الحادة والحصار الطويل.

مركز الابتكار التابع لـ UCAS: من منارة إلى أنقاض

من بين المؤسسات الأكثر تضرراً حاضنة تكنولوجيا UCAS المرتبطة بكلية العلوم التطبيقية في حي تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة، التي تحولت مقراتها ومختبراتها إلى ركام إثر هجمات أغسطس 2024. كان المركز، الذي تأسس قبل 13 عاماً، ملتقى للشباب الفلسطيني للاستثمار في الأفكار وخلق ثقافة الابتكار وريادة الأعمال دعماً للتنمية الاقتصادية.

مساهمات الحاضنة ونطاق الخسائر

عملت الحاضنة على دعم أكثر من 500 شاب وخبير تقني واستضافت عشرات المشاريع في مجالات تكنولوجيا المعلومات والتصنيع الغذائي والتجارة والصناعات الإبداعية. قبل الحرب كانت تضم 13 منشأة متخصصة بينها قاعات تدريب واستوديوهات إنتاج وساحات عمل مشتركة، ممولة بمنح من جهات دولية وإقليمية. كذلك منحت UCAS مساعدات تتراوح بين 5 آلاف و10 آلاف دولار لإطلاق المشاريع، وأطلقت مبادرات متخصصة مثل “إنصاف” لتطوير قدرات المحامين المهنية.

لكن المشهد اليوم مغاير: المقرات وما يزيد على 20 مختبراً تخصصياً دُمرت تماماً، وقتل أو سجنو عدد من الموظفين والمشاركين، وفقاً لتقارير الحاضنة. وتبيّن مسح ميداني شمل 100 شركة ناشئة في غزة الخسائر التالية:
– 80% من مقرات الشركات الناشئة دُمرت كلياً.
– 15.7% تعرضت لأضرار جسيمة، ما ترك أكثر من 95% من بيئات العمل غير قابلة للاستخدام دون إعادة إعمار شاملة.
– قرابة 23% من العاملين في هذه المشاريع غادروا غزة بحثاً عن فرص في الخارج.

يقرأ  صُنّاعُ المُلُوكِ في ميكرفيلد — بلدةٌ إنجليزيةٌ تستعدُّ لاستحقاقٍ فرعيٍّ حاسمٍ

فقدان رأس المال البشري واستهداف ممنهج للخبراء

لم تقتصر الخسائر على البنية التحتية؛ فقد نُزع جزء أساسي من رأس المال البشري الذي شكّل قلب العمل خلال السنوات الماضية. وتقول منظمات حقوقية إن الجيش الإسرائيلي استهدف بشكل منهجي عشرات المبرمجين وخبراء تكنولوجيا المعلومات ومهندسي الحاسوب في حملة بدا أنها تهدف إلى تقويض القدرات المعرفية للتجمع الفلسطيني. وقد قتل المئات من الأكاديميين والخبراء في القطاع المحاصر، ومن بينهم طارق ثابت، مدير برامج حاضنة UCAS، الذي قضى في ضربة جوية في 31 أكتوبر 2023 مع أفراد أسرته. كما قُتل قادة تقنيون بارزون آخرون بينهم براء عبد الله السقا في نوفمبر 2023، وهيثم محمد النباهين في 14 مارس، مع ذويهم.

تداعيات على منظومة الابتكار والتعليم التقني

قبل الحرب كان نحو 65 مؤسسة تعمل في قطاع التكنولوجيا بغزة. وقد خلّفت الضربات ما يقرب من تدمير مقرّات شركات البرمجة وتضرر ست حاضنات أعمال وإغلاق جميع المراكز التقنية المرتبطة بالجامعات. وترى منظمات حقوقية أن هذه الجرائم تتسق مع سياسة تهدف إلى جعل غزة غير صالحة للسكن عبر تدمير بنى الحياة الأساسية واستنزاف الكفاءات.

صمود رقمي ومسارات تعافي

أثّرت عمليات الإغلاق المتكررة للتيار الكهربائي والأنترنت على زخم الريادة. ومع ذلك، تواصل الحاضنة جهودها من مقر مؤجّر في غزة المدينة وأطلقت خطة للتعافي تستهدف إعادة تشغيل البرامج الأساسية وافتتاح مساحات عمل جديدة تشمل أكثر من مئة مستفيد في المرحلة الأولى. مشروع “إي-لانسر” لرفع القدرات التقنية، بقيادة أستاذ حاسوب مشرف على المشروع، يحاول الحفاظ على مسارات التدريب والانتقال إلى العمل الحر عبر المنصات الرقمية باعتبار المهارات الرقمية طريقاً أساسياً للتعافي الاقتصادي.

برامج تمكين مجتمعي

امتد دور الحاضنة إلى برامج تمكين اقتصادي للمتأثرين بشدة بالحرب، منها شراكة مع معهد الأمل للأيتام لدعم فتيات فقدن آباءهن، إذ يقدّم البرنامج تدريباً احترافياً في التصميم والحياكة وتوفير المعدات والمواد مجاناً لتمكين المشاركات من دخول سوق العمل والمساهمة في إعالة أسرهن. وقد وصفت إحدى المستفيدات الأثر بأنه غيّر مسار حياتها وأتاح لها فرصة الاعتماد على نفسها.

يقرأ  رئيس يبلغ من العمر ٩٢ عاماً: لا يعرف الهزيمة

خلاصة

الضربات التي استهدفت منظومة التكنولوجيا والتدريب في غزة لم تدمّر فقط مرافق ومختبرات، بل أطلقت أيضاً موجة من فقدان الخبرات والهجرة القسرية التي ستطيل عملية إعادة الإعمار الاقتصادي والمعرفي. ومع ذلك، تبقى المبادرات المحلية مثل حاضنة UCAS ومشاريع التدريب دليلاً على قدرة المجتمع على المقاومة والإصرار على إحياء قدراته رغم الخسائر الهائلة. قالت للجزيرة: «أصبحت الآن قادرة على تنفيذ تصاميم متكاملة، وأمتلك خبره عملية في الخياطة والتطريز بثقة ومهنية، وهو ما يمنحني أملاً في بناء مستقبل أفضل ودعم أسرتي في مواجهة الظروف الصعبة».

وسط الركام ونزوح المواهب، تحاول حاضنة UCAS إنقاذ منظومه الابتكار في غزة. بالنسبة لمنظميها، إعادة الإعمار ليست مجرّد إعادة بناء الحجارة، بل إعادة بناء الإنسان وتمكين الشباب من صياغة مستقبلهم بأنفسهم حتى في أقسى الظروف.

أضف تعليق