أعلنت أوكرانيا أنها استردت خلال شهر مايو رقعة أرضية أكبر مما فقدت، معكِسةً بذلك اتجاه المكاسب الصافية الشهرية الذي كانت تسجّله القوات الروسية.
نشر القائد العام أوليكساندر سيرسكيي على قناته في تيليغرام أن “نسبة الأراضي المحررة إلى المفقودة تقارب مائة كيلومتر مربع لصالحنا”، فيما قدّرت مصادر دفاعية أوكرانية صافي المكاسب بنحو 120 كم مربع استناداً إلى تقديرات منفذ “ميليتارنيي”، الذي أفاد بأن روسيا سيطرت على نحو 130 كم مربع وخسرت حوالي 250 كم مربع خلال الشهر.
ورفعت مؤسسة دراسات الحرب (ISW) في واشنطن التقدير إلى مستوى أعلى، مبيّنةً أن الروس استولوا أو تسللوا إلى نحو 40 كم مربع في مايو لكنهم فقدوا السيطرة على نحو 280 كم مربع. وقد لحظت المؤسسة أن أوكرانيا عكست مكاسب روسية بالفعل في إبريل أيضاً، عندما قدّرت مكاسب موسكو بنحو 28 كم مربع مقابل فقدان 116 كم مربع.
تشير هذه التقديرات إلى تزايد وتيرة المكاسب الأوكرانية. وذكر القائد العام أن كييف استرجعت نحو 600 كم مربع خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026.
مع ذلك، شهد جزء من الجبهة نجاحاً روسياً محدوداً: أفاد المراقب العسكري الأوكراني كوستيانتين ماشوفيتس في 10 يونيو بتقدّم روسي داخل شرق قونستانتينيفكا، المدينة الجنوبية من حزام تحصيني مكوّن من أربع مدن في دونيتسك؛ وسبق أن تسللت قوات روسية إلى أجزاء من المدينة في أكتوبر الماضي وتسيطر الآن على نحو 13% منها، بحسب تقييمات ISW. ويركز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استكمال السيطرة على الخُمس المتبقي من دونيتسك، غير أن مواعيد التنفيذ التي أُعلنَت تكررت ولم تُسجّل نتائج على الأرض.
تتوالى إشارات على محاولات استكشافية لمحادثات لوقف إطلاق النار: رفض بوتين في 5 يونيو دعوة زيلينسكي للحوار المباشر، بينما أعلن زيلينسكي أنه التقى الملياردير رومان أبراموفيتش الذي مثّل وسيطاً لروسيا.
هجمات متوسطة المدى تقوّض اللوجستيات الروسية
ترجع أوكرانيا نجاحاتها الميدانية جزئياً إلى استراتيجية تضييق الخناق على خطوط إمداد العدو عبر ضرب مخازن الوقود والذخائر ووسائل النقل أثناء سيرها. قال وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف إن “الإغلاق اللوجستي يعمل”، وأن عدد الضربات على أهداف العدو على مسافات تزيد عن 50 كيلومتراً من خط المواجهة تضاعف في مايو مقارنة بأبريل. وقدّر القائد العام إجمالي الضربات في مايو بنحو ألفي ضربة تقريباً.
آثرت هذه الحملة آثاراً تراكمية ملموسة: أدت أسابيع من الضربات في منطقتي خيرسون وزابوريجيا الجنوبية إلى تراجع حركة القوافل العسكرية الروسية بأكثر من 70٪ على محور الطريق السريع M-14، وهو الممر الرئيسي شرقا-غرباً، وفق ما ذكر القائد روبرت بروفدي، قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية. وفي 7 يونيو أوقفت السلطات الإقليمية الحركة على M-14 تماماً، ما اضطر المخطّطين الروس إلى توجيه المزيد من الإمدادات عبر طريقيْن يربطان بخيرسون وزابوريجيا مروراً بشبه جزيرة القرم: E105 وE97.
في اليوم التالي استهدفت القوات الأوكرانية جسرًا يحمل E105 فوق مضيق تشونهار، فبات الطريق E97 هو المنفذ الوحيد القابل للمرور. وفي 9 يونيو، حين تم تحويل نحو خمسين شاحنة وقود وذخيرة روسية إلى E97، نصبت القوات الأوكرانية كمائن ودمرت عدداً منها عند آرميانسك، وفق ما أفاد القائد ديمتري فيلاتوف لراديو سوسبيلنه. وأضاف أن تلك العملية ما كانت لتنجح لولا ضربات وحدات أخرى على ماريوبل وطريق برديانسك، التي أعادت توجيه خطوط التزويد بعيداً عن الطرق البرّية الرئيسية نحو طرق تمر عبر القرم.
أدت الضربات إلى نقص حاد في الوقود داخل القرم؛ فأعلن حاكم السيفاستوبول المحتل ميخائيل رازفوزهايف في 7 يونيو تقنين الوقود بـ20 لتراً للسيارة في اليوم، ثم عدّل القرار ليصبح 20 لتراً في الأسبوع. وأُبلغ عن حالات إجلاء لقوات من مواقع بعيدة نتيجة النقص. وقالت المجموعة الأوكرانية تحت الأرض “أتش” إن وحدات روسية تُخلّي مواقعها في شبه جزيرة كنبرن بسبب نفاد الطعام والوقود. وقال بروفدي لوكالة رويترز: “سنخلق ظروفاً تجعل بقاء العسكريين والعاملين في صناعة الدفاع في القرم أو في الأراضي المحتلة مؤقتاً، واستخدام الطرق المؤدّية إليها، أمراً بالغ الصعوبة.”
الهيمنة الجوية الروسية لا تزال قائمة على بعض المساحات في شرق أوكرانيا، لكن تفوّق الطائرات المسيرة الأوكرانية أضحى الأداة الأكثر فاعلية عملياً. أفاد القائد العام بأن الطائرات المسيرة القصيرة والمتوسطة المدى ضربت نحو 180 ألف هدف في مايو، بزيادة 12.7% عن أبريل. كما تحسّنت قدرات الدفاع الأوكراني في إسقاط طائرات “شهيد” الروسية باستخدام طائرات اعتراضية أوكرانية؛ ورغم أن موسكو أطلقت 25% المزيد من طائرات “شهيد” في مايو مقارنة بأبريل، زادت معدلات الإعتراض بنسبة 50% لتصل إلى نحو 4 آلاف إسقاط، حسب فيدوروف. ويتوقع فيدوروف تغيراً نوعياً في التخلص من هذه الطائرات مع دخول جيل جديد من منظومات الاعتراض قيد الإنتاج الكامل، والذي “يؤتمت 95% من عملية الاعتراض.”
إلى جانب هذه الضربات متوسطة المدى، واصلت أوكرانيا حملة ضربات بعيدة المدى نجحت في تدمير مصافٍ ومخازن نفط ومحطات تفريغ، ما قلّص إنتاج النفط الروسي وإيرادات الصادرات.
التعبئة الروسية تتراجع
في مواجهة تهديد الطائرات المسيرة، أنشأت روسيا وحدات لأنظمة غير مأهولة خاصة بها، لكن يبدو أنها تجد صعوبة في تعبئتها. منذ بداية العام، وقع 14,500 شخص عقوداً للخدمة في هذه الوحدات، أي نحو 21% من هدف التجنيد السنوي، بحسب ما ورد في تصريحات القائد العام. وبشكل عام، قتلت أو جُرِحت أوكرانيا عدداً من الجنود الروس يزيد بنحو 12,500 عن عدد المجندين الذين استطاعت موسكو ضمّهم هذا العام، وهو ما يعود جزئياً إلى ارتفاع أعداد الخسائر منذ الخريف الماضي — إذ قدّرت أوكرانيا الخسائر الروسية بنحو 31,500 في مايو — وإلى تراجع إقبال التجنيد رغم زيادة الحوافز المالية.
نقلت مصادر من المعارضة الروسية مثل “فازني إيستوريي” معلومات تفيد بأن 71,200 شخصاً تسلموا مكافآت انضمام في الربع الأول من 2026 وفق بيانات الميزانية، مقابل نحو 90,000 في الربع الأول من 2025، مع تقديرات بأن التجنيد في 2025 كان أدنى بنسبة 10% من 2024.
تراكم الخسائر الميدانية وتراجع القدرة على التعبئة يضعان ضغطاً حقيقياً على قدرة موسكو على تعويض النقص، بينما تستفيد كييف من استراتيجياتٍ مركّزة على ضرب الشقوق اللوجستية والاعتماد المتزايد على الطائرات المسيرة للضغط على نقاط ضعف العدو.