تورونتو، كندا — عندما استمعت ديانا غاليغو إلى خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الذي حظي بتغطية واسعة في منتدى الاقتصاد العالمي في بداية هذا العام، شعرت بوجود فجوة لا يمكن تجاهلها.
في داڤوس، توجّه كارني بنداء حماسي إلى ما وصفهم بـ«القوى المتوسطة» في العالم ليفارقوا النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة والذي، بحسبه، لم يعد ينجح؛ وقد لاقى خطابه تجاوبًا لدى جماهير عدة حول العالم.
لكن بالنسبة إلى غاليغو، الشريكة التنفيذية لمركز في سي جي للاجئين، وهي منظمة تدعم اللاجئين وطالبي اللجوء في أكبر مدن كندا، بدت تصريحات رئيس الوزراء خاوية من المضمون أمام تشدد حكومته المتزايد تجاه الهجرة.
«لقد رأينا رئيس الوزراء يذهب إلى دافوس بهذا الخطاب الجذاب، يقول إننا لا يجب أن نُقلّد جيراننا… لكن داخليًا السياسيات تروي قصة مغايرة»، قالت غاليغو للجزيرة. «كندا تغلق الأبواب الان».
غالّيغو واحدة من أكثر من عشرة خبراء — من محامين إلى أساتذة ومدافعين عن الحقوق ومسؤولين حكوميين سابقين — الذين قالوا للجزيرة إن كندا تقف عند مفترق طرق مقلق في سياساتها تجاه المهاجرين واللاجئين.
مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، تآكل الإجماع الذي ظل عقودًا يعتبر الهجرة مصلحة عامة؛ وتفاقمت اللغة المعادية للقادمين الجدد التي تُحمّلهم مسؤولية شتى المشكلات الكندية، بينما قطعت حكومة كارني التأشيرات المؤقتة واقللت من سبل الوصول إلى اللجوء. ويصف الخبراء ما يحدث بأنه «تحوّل بين أجيال».
«الخطاب العام أصبح: ’لا نريدكم هنا‘»، تقول غاليغو.
تدفق الهجرة المؤقتة
كبلد ذو تاريخ استيطاني واستعماري، شجعت كندا موجات متعاقبة من الهجرة طوال تاريخها، من موجات الاستيطان الأوروبية في أوائل ومنتصف القرن العشرين إلى برامج متخصصة جلبت اللاجئين والعمال ذوي المهارات العالية والمنخفضة إلى السواحل الكندية.
لسنوات طويلة اعتُبر هذا التدفق إيجابيًا: الهجرة غذّت الاقتصاد، ووفّرت أيديًا لسدّ قطاعات عمل رئيسية، وعملت كعلاج لتزايد شيخوخة السكان.
لكن في السنوات القليلة الماضية شهدت كندا واحدة من أعنف التحولات في نظرة الجمهور إلى الهجرة — واستغلت الحكومة الشعور المتراجع لدى العامة لخفض برامج وفرض قوانين أكثر تشدّدًا.
بدأت التغييرات السياسية في عهد رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو، إذ زادت حكومته الليبرالية بشكل كبير من أعداد المهاجرين المؤقتين أثناء جائحة كوفيد-19 لسدّ فجوات سوق العمل.
واصْلت الأرقام الارتفاع بسرعة، وبحلول أكتوبر 2024 بلغ عدد المقيمين غير الدائمين في كندا نحو 3.15 مليون شخص — أي ما يعادل نحو 8 في المئة من السكان، وفقًا لأرقام رسمية.
في الوقت نفسه، بدأت مشكلات نظامية — من نقص السكن الميسور التكلفة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وطول قوائم انتظار المستشفيات — تضغط على كثير من الأسر الكندية.
تصلّب المواقف العامة تزامن مع ذلك، وأظهر استطلاع عام 2024 أن غالبية الكنديين، للمرة الأولى منذ عقود، اعتقدت أن «الهجرة زائدة عن الحد».
ومنذئذ، وردت تقارير عن حوادث عنف كراهية في عدة مدن كندية كبرى، حيث بدا تدفّق المهاجرين أكثر وضوحًا.
تحت ضغط هذا الخطاب الغاضب، تعهّدت حكومة ترودو عام 2024 إعادة الهجرة إلى «معدلات مستدامة»، وبدأت سلسلة تخفيضات كان أبرزها على تأشيرات الطلاب الدوليين.
«الواقع أن ليس كل من يريد القدوم إلى كندا سيتمكن من ذلك — تمامًا كما أن ليس كل من يريد البقاء فيها سيستطيع»، قال مارك ميلر، وزير الهجرة الكندي السابق، في سبتمبر من تلك السنة.
«معتقدات خاطئة»
هبطت أعداد القادمين بسرعة مع إلغاء تأشيرات الدراسة والعمل، ما أجبر آلاف الأشخاص على مغادرة كندا أو البقاء بلا وضع قانوني. وبداية هذا العام، بلغ مجموع المقيمين غير الدائمين نحو 2.67 مليون، وفق أرقام حكومية، أي تراجع بنسبة 15 في المئة عن ذروة أكتوبر 2024.
«لا أظن أنه يمكن إلقاء مسؤولية أزمة الإسكان في كندا على الهجرة وحدها، لكن لا شك أن الارتفاع الكبير في الأرقام خلال عهد ترودو كان له أثر سياسي»، قال ألان روك، وزير العدل الكندي السابق ونائب برلماني ليبرالي، للجزيرة.
وأوضح روك أن الحكومة كانت «تقرأ الأوضاع وتستشعر أن الكنديين يربطون الصعوبات الاقتصادية والمالية المحلية بالهجرة».
في المقابل، اغتنم سياسيون يمينيون تلك المزاجات العامة: فقد دفعت المعارضة المحافظة الحكومة الليبرالية في وقت سابق هذا العام إلى تقليص الخدمات الصحية عن أشخاص وصفتهم بـ«اللاجئين المزيفين»، كما تبنّت مطالب بتعديل «حق المواطنة بالميلاد» مستشهدين بمنتقدين في الولايات المتحدة.
وقالت حزية المحافظين إن القاعدة التي تمنح المواطنة لكل من يولد على الأراضي الكندية «تشكل عبئًا آخرًا على نظامنا لا تستطيع كندا تحمّله»، مضيفة أن «مع وجود أكثر من 7 في المئة من سكان كندا بوضع مؤقت — ووصولات تفوق بكثير قدرة سوق السكن والرعاية الصحية وفرص العمل — ثمة حاجة لتغيير».
أدان المدافعون عن الحقوق هذا الخطاب واتهموا صانعي السياسات بربط المهاجرين واللاجئين زورًا بالمشكلات الاجتماعية لتبرئة أنفسهم من فشل طويل الأمد في تمويل الرعاية الصحية والتعليم وخدمات أخرى على نحو كاف.
على سبيل المثال، وجدت دراسات حول قضية السكن أن الهجرة تزيد الطلب على المخزون السكني، لكن تأثيرها على الأسعار أقل أهمية بكثير مما توحي به الخطابات العامة.
«القيادة لا تعني مجرد الاستسلام لرأي عام مبني على معتقدات خاطئة»، قال روك للجزيرة. «نحن نشترك في دعم توجه دولي متصاعد لتشديد الحدود وبناء الجدران وتكريس تصورات خاطئة بشأن اللاجئين والمهاجرين. هذا خيانة للقيم التي كانت هذه البلاد دائماً تقف من أجلها، وأجد ذلك مقلقاً.»
كارني يزداد تشدداً
منذ توليه رئاسة الحكومة في نيسان/أبريل 2025 واصل مارك كارني المسار نفسه الذي بدأت به إدارة سلفه ترودو في شأن الهجرة. في أواخر مارس مرّرت حكومة الليبراليين التي يقودها قانوناً واسع النطاق — المعروف بمشروع القانون C‑12 — يمنح أوتاوا سلطة إلغاء التأشيرات جماعياً، بما في ذلك لأصحاب الإقامة الدائمة، إذا رأت أن في ذلك «المصلحة العامة».
القانون أيضاً يقيد سبل الوصول إلى نظام تحديد وضع اللاجئ في البلاد بطرق وصفها محامون للجزيرة بأنها «تعسفية» وربما تتعارض مع دستور البلاد، وبخاصة الوثيقة الكندية لحقوق الإنسان والحريات. الحكومة بررت الإجراء — الذي من المتوقع أن يواجه طعناً دستورياً في المحاكم — بأنه جزء من مسعى لتسريع نظام لجوء مثقل بالقضايا ومنع ما تصفه بـ«الاحتيال».
نهاية العام الماضي، كان نحو 300 ألف قضية معروضة أمام الهيئة المستقلة التي تفصل في مطالبات اللجوء في كندّا، المعروفة باسم مجلس الهجرة واللاجئين الكندي (IRB). متحدث باسم وزارة الهجرة واللاجئين والمواطنة (IRCC) قال للجزيرة إن مشروع القانون C‑12 طُرح «بينما تتصاعد ضغوط الهجرة عالمياً».
وأضاف أن القانون يقدّم «تدابير لمعالجة تحديات مثل الزيادات المفاجئة في طلبات اللجوء والحالات التي قد تُستغل فيها الإجراءات الحالية للتحايل على مسارات الهجرة النظامية»، مؤكداً أن ذلك «يمكننا من توفير حماية أسرع للمحتاجين» وأنه يحترم التزامات كندا بموجب اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين والميثاق الكندي لحقوق الإنسان والحريات.
لكن الخبراء يرون أن القانون لن يعالج ازدحام القضايا أمام المجلس. واتهموا المشرّعين بعدم تبديد — بل بالتغذية على — خطاب كراهية الأجانب بدلاً من التعامل مع المخاوف الحقيقية للمواطنين أو مع المشكلات البنيوية في نظام اللجوء. «الحكومة تخلق لدى الجمهور انطباعاً بأن الناس يخدعونا ويستغلون النظام [و]أن ثمّة خللاً يجب إصلاحه»، قالت جوليا ساند، محامية في منظمة العفو الدولية كندا. وتابعت: «معاناة الناس حقيقية — أزمة سكن، تضخم، بطالة، ركود الأجور واتساع الفوارق. بدل أن تتحمّل الحكومات مسؤولياتها أو تجري التغيير اللازم لمعالجة هذه القضايا، تبحث عن فئة تلومها — ومن أسهل لومهم من لا يملكون حق التصويت ولا يمكنهم إسقاطكم؟»
انكماش الدعم العام و«شهر العسل» السياسي
رغم هذه التحفظات، لم تُرهق سياسات الهجرة المتغيّرة في كندا اهتمام الجمهور أو تثير معارضة شعبية واسعة. جهود واسعة من منظمات المجتمع المدني في بداية العام لحث الحكومة على تعديل مشروع C‑12 لم تسفر عن تغييرات جوهرية. إضافة إلى ذلك، آثرت الحكومة التراجع عن برنامج صحي مخصص للاجئين، وقررت تمديد تجميد طلبات إعادة التوطين للاجئين، وأعلنت عن تخفيضات مالية كبيرة في عدد من الوزارات، بما فيها وزارة الهجرة.
أُبلغ أيضاً عن تخفيضات مُرتقبة في ميزانيات مجلس الهجرة واللاجئين، مما زاد المخاوف من تفاقم التأخيرات. «غياب خطة حقيقية للتعامل مع تراكم القضايا يساهم في تكوين رأي عام سلبي تجاه اللاجئين»، تقول مورين سيلكوف، محامية لاجئين وعضو سابق في المجلس. «أعتقد أن على الحكومة أن تبادر بتفنيد بعض الأساطير المتداولة»، أضافت، مشدّدة على أهمية ذلك خصوصاً في أوقات تنتشر فيها خطاب معادٍ للمهاجرين في دول أخرى.
مع ذلك، لا يزال كارني يحظى بمؤشرات قبول مرتفعة، وقد دافَع عن سياساته في عامه الأول بوصفها رد فعل «حازم» على ضغوط خارجية، بما في ذلك من إدارة ترامب. «لا تزال الحكومة تبدو وكأنها في فترة شهر عسل من نوع ما»، يقول جون كارلو، أستاذ مساعد متخصص في السياسة والهجرة الكندية بجامعة تورونتو متروبوليتان. ويصف الفترة بأنها مقلقة، مع «انسحاب كبير من الإنفاق الاجتماعي واستثمار متزايد في العسكرة وتطبيق قوانين الحدود».
غياب الرغبة في الاستماع
الكثير من المعنيين يرون أن مشروع C‑12 كشف أن الحكومة ليست معنية بسماع أصوات المجتمعات التي تعمل مع المهاجرين واللاجئين لصياغة سياسات متوافقة مع إطار حقوق الإنسان. «لا يريدون سماع المعارضة»، يقول ناقدون.
المقاومة ستستمر
على الرغم من ذلك، يصرّ المدافعون عن الحقوق على مواصلة النضال. «لا يمكننا التوقف عن المقاومة»، قالت لويسا أورتز‑غارزا، منظمة حقوق المهاجرين في خدمات باركديل القانونية المجتمعية، مخاطبة قاعة مكتظة خلال فعالية «لا مزيد من فرق وتسُلط» في تورونتو. انضمّ عشرات الأشخاص إلى الحدث لإدانة كراهية الأجانب والمطالبة بمنح وضع هجرة قانوني لكل المهاجرين واللاجئين في كندا.
«ما تفعله الحكومة فعلياً هو وضع الناس ضد بعضهم البعض»، قالت أورتز‑غارزا، مشيرة إلى تقسيم «المواطنين ضد المهاجرين» وحتّى «مهاجرين ضد مهاجرين» بفعل الفكرة القائلة إن بعض المهاجرين «سلكوا الطريق الصحيح» وآخرين «قفزوا الطابور» أو استغلّوا النظام. «نحاول فتح هذه الحوارات وجمع الناس — حلفاء، مواطنون، مهاجرون — حتى نتمكن فعلاً من الحديث عن الموضوع وتذكير الناس بالوحدة».
تحذيرات من تراجع حقوقي
حذّرت منظمات حقوقية مثل العفو الدولي من أن كندا «ليست بمنأى» عن تراجع في ملف حقوق الإنسان، وأن الدفع نحو تقييد الحريات والوصول إلى الحماية يفرض على المجتمع المدني والمحامين والناشطين البقاء موحّدين ومصرّين على التصدّي لهذه السياسات ومساءلة الجهات صاحبة القرار. الحكومة بدورها تقول إنها تحركت استجابةً لضغوط عالمية وبهدف تنظيم النظام، لكنّ النقاش حول ما إذا كانت الأدوات المقترحة تُعالج الأسباب الحقيقية أم تغذّي الخوف والتمييز ما يزال مستمراً. «ستستمر الأمور في التدهور حتى تُحاسَب الحكومات وتتحمل مسؤولية أفعالها»، قالت. «نعم، قد يبدأ لوم المهاجرن على أنه كبش فداء، لكنه لا ينتهي عندهم ابدا.»