وزير الخارجية الإسرائيلي جيدعون ساعر أعلن هذا الأسبوع أنه سيعلق التواصل مع الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بعد تقارير أفادت بأنها شبهت معاملة إسرائيل للفلسطينيين بنظام الفصل العنصري الذي ساد جنوب أفريقيا سابقًا.
تأتي هذه الأزمة الدبلوماسية بعد تقرير لموقع يورأكتيف الأوروبي نقل أن كالاس أدلت بتصريحات مماثلة خلال محادثات رفيعة المستوى مع مسؤولين مكسيكيين في أيار/مايو، مستندًا إلى مصادر لم يُكشف عن هوياتها. وذكرت التقارير أن الدبلوماسية الأوروبية شبّهت سياسات إسرائيل في غزة والضفة الغربية المحتلة بنظام التمييز العنصري الذي حكم جنوب أفريقيا حتى منتصف التسعينيات.
ما الذي حدث؟
في منشور على منصة إكس يوم الخميس، قال ساعر إنه “لا خيار أمامه سوى قطع كل الاتصالات” مع الممثلة العليا حتى تتراجع عن ما وصفه بـ«افتراء دموي» بحق إسرائيل. وردت كالاس على نفس المنصة مؤكدة التزام الاتحاد بالحوار وبحل الدولتين، لكنها لم تنفِ بشكل قاطع ما نقلته وسائل الإعلام.
إصرارها على عدم النفي قاده إلى الاستنتاج أن الصمت «يتحدث عن نفسه»، بحسب ساعر.
تأتي هذه الخلافات بينما تواجه إسرائيل إجراءات قضائية مستمرة في محاكم دولية تتعلق باتهامات بالإبادة الجماعية وارتكاب جرائم حرب في غزة. ومع وجود انقسامات عميقة بين الدول الأعضاء، يرى محللون أن تداعيات تصريحات كالاس ستظل رمزية بدرجة كبيرة.
سياق أوسع
تُشير التطورات إلى مشكلة هيكلية أعمق: حُدود صلاحيات الممثلة العليا وخدمة العمل الخارجي الأوروبي (EEAS) تتعرض للتهميش، محشورَتين بين عواصم تحتفظ بالسيادة في سياسة الخارجية ومفوضية أوروبية توسّعت تدريجيًا في المجال الجيوسياسي تحت إدارة أورسولا فون دير لايين، كما أوضحت نيله أندرز، محللة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، لقناة الجزيرة.
خدمة العمل الخارجي الأوروبي هي الجهاز الدبلوماسي للاتحاد، وتقوده كالاس.
العلااقات بين الاتحاد وإسرائيل
سياسة الاتحاد تجاه إسرائيل تميزت بالغموض، محاولًة الموازنة بين الدفاع عن حقوق الإنسان والحفاظ على شراكة خاصة. لا تزال معاهدة الشراكة بين الاتحاد وإسرائيل، الموقعة عام 1995 والنافذة منذ 2000، قائمة على الرغم من الضغوط المتزايدة؛ فهي تُبقي الاتحاد أكبر شريك تجاري لإسرائيل وتؤطر التعاون في مجالات الاستثمار والبحث والابتكار والتعليم.
دول مثل أيرلندا وإسبانيا وسلوفينيا كانت من أشد المطالبين بتعليق هذه الاتفاقية، لكن مقاومة دولٍ كألمانيا وإيطاليا والمجر وجمهورية التشيك أعاقت أي توافق بالإجماع. كما دعت خبراء الأمم المتحدة الاتحاد لتعليق الاتفاقية استنادًا إلى حكم محكمة العدل الدولية الذي دعا الدول الأعضاء إلى الامتناع عن مساعدة إسرائيل في الحفاظ على وضع غير قانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
السبل المتاحة للعقوبات
منذ تصاعد مشاريع الاستيطان الإسرائيلية بعد بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023، اعتمد الاتحاد عقوبات محدودة ضد منظمات استيطانية في 2024 ومرة أخرى في أيار/ما هذا العام. لكن أي إجراءات أوسع، مثل تعليق اتفاقية الشراكة، تتطلب الإجماع، “مما يعني أن أي دولة عضو تملك عمليا حق النقض”، كما قالت أندرز، مضيفة أن الثقل السياسي لألمانيا يجعلها قادرة على تجميع أقلية معطلة حتى في القضايا التي تُطبق فيها قواعد التصويت المؤهل.
التدابير المستهدفة التي أُقِرّت تحظى بدعم أوسع لأنها ضيقة النطاق، أما خطوات أشمل ففشل الإرادة السياسية في بلدان رئيسية مثل ألمانيا في إقرارها، ومن غير المرجح أن يتغيّر ذلك في القمة الجارية ببروكسل.
تحولات مواقف بعض الدول الأعضاء
المستشار الألماني فريدريش ميرتس تبرأ من كلمات كالاس وأكد موقف برلين الحازم إلى جانب إسرائيل: «لا أشارك هذا الأسلوب في التعبير»، قال أمام الصحافيين. واصفًا تصريحات المسؤولة الأوروبية بأنها «خروج عن المألوف»، انتقد آرمن لاشيت—رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البوندستاغ—العبارات واعتبرها «اندفاعات معادية للسامية» تسيء إلى السياسة الأوروبية الخارجية.
قال فيليكس بيرينسكوتر، أستاذ العلاقات الدولية في كلية كينغز لندن، إن السياسة الخارجية الألمانية تُظهر تضامنًا قويًا مع إسرائيل، لكن هناك فحصًا أدق لما يعنيه هذا الالتزام عمليًا؛ الحكومة ترى أن أفعال إسرائيل لا تدعم أمنها في نواحٍ متعددة، لكنها حذرة من إلقاء المحاضرات أو إصدار مواقف علنية شديدة الانتقاد، فتنتقد خلف الأبواب المغلقة.
في المقابل، تحركت دول أوروبية كبرى أخرى، من بينها فرنسا وإيطاليا، نحو مواقف أقل انسجامًا مع إسرائيل في الآونة الأخيرة، ما يعكس تشرذمًا أوسع داخل الاتحاد حول كيفية التعامل مع الصراع وآثاره القانونية والإنسانية. قدّ تظل الخلافات دلالية في ظاهرها، لكنها تكشف عن هشاشة التوافق الأوروبي إزاء أزمة تتقاطع فيها الاعتبارات الأخلاقية والقانونية مع المصالح السياسية والاقتصادية. في سبتمبر، اعترفت فرأنسا رسمياً بدولة فلسطين، في إطار موجة من الاعترافات دولية متتالية. سبقت فرنسا كل من إسبانيا والنرويج وإيرلندا التي اعترفت جميعها بدولة فلسطين العام الماضي، فيما فرضت مدريد عقوبات على إسرائيل على خلفية حربها في غزة.
في وقتٍ سابق من هذا الشهر، كلّفت كل من فرنسا وإيطاليا المدّعين العامين بفتح تحقيق في سلوك بنغفير، وزير الأمن القومي اليميني المتطرف في إسرائيل، بشأن معاملة مواطنيهما أثناء اعتراض قافلة مساعدات كانت متجهة إلى غزة.
فهل يمكن أن تتدهور علاقات إسرائيل مع الاتحاد الأوروبي أكثر؟
على الرغم من ردود الفعل القوية المتقطعة لبعض دول الاتحاد، يرى بيرنسكوتر أنّ الخلاف الدبلوماسي بين ساعر وكالّاس من غير المرجح أن يكون مؤشراً على أزمة أكثر عمقاً بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي.
بل اعتبر أن هذا الشجار يمكن تفسيره على أنه «تدخّل استراتيجي مقصود» من إسرائيل في النقاشات والديناميات الداخلية للاتحاد الأوروبي. وقد تعرض جهاز الخدمة الخارجية للاتحاد الأوروبي (EEAS) لتمحيص بعد أن شكك كل من ألمانيا وفرنسا في دوره متهمينه المنافسة مع الأجهزة الدبلوماسية الوطنية.
«كالّاس محاصَرة في صراع على السلطة مع رئيسة المفوضية، فون دير لاين، بشأن قيادة السياسة الخارجية للاتحاد»، قال بيرنسكوتر، مضيفاً أن تصريحاتها قد استُغلّت من قبل إسرائيل «لتقويض جهة في الاتحاد اتّجهت نحو موقف أكثر انتقاداً».
«الحكومة الإسرائيلية ماهرة في رصد كيفية الانحياز والتدخل في النقاشات السياسية التي تؤثر عليها»، أضاف. «يبقى السؤال: كيف تسربت هذه التصريحات؟»