مع استعادة لياقته عاد إليه النشاط أيضاً، وعادت معه الطاقه التي استنزفت بعد التشخيص. كانت الحصص التدريبية تمنحه سبباً للخروج من المنزل، والمباريات تمنحه أملاً ينتظره.
ما اختبره كايدي على مستوى الخبرة الشخصية يحظى اليوم بدعم متزايد من الادلة العلمية.
طالما ربط العلماء والأطقم الطبية بين ممارسة التمارين البدنية وتحسّن الصحة النفسية. وأظهر بحث حديث أجراه معهد جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس أن عدد الأيام التي يعاني فيها الأشخاص من سوء الحالة النفسية يقل بشكل ملحوظ لدى من يمارسون الرياضة بانتظام.
وفي مراجعة شاملة نُشرت عام 2023 في المجلة البريطانية للطب الرياضي — استندت إلى أكثر من ألف تجربة شملت 128 ألف مشارك — خلصت الدراسة إلى أن النشاط البدني أكثر فعالية بمقدار مرة ونصف من الاستشارات أو بعض الأدوية الأساسية في تخفيف أعراض الاكتئاب والقلق.
يرى الباحثون أن جزءاً من التفسير يكمن في الدماغ نفسه: فممارسة التمارين الهوائية تُحفّز نمو خلايا عصبية جديدة في منطقة الحصين، المسؤولة عن الذاكرة وتنظيم المزاج.
ولعل الأهم من ذلك أن كرة القدم منحت كايدي مجتمعا. بين زملائه الذين فهموا ما مرّ به وجد قبولاً حيث كان يتوقع الحكم والإقصاء. يعترف أنه كان يحمل بعض الصور النمطية عن المرض النفسي، وأنه قاوم التشخيص لأشهر، قلقاً بشأن كيف سينظر إليه الآخرون؛ لكن داخل النادي تلاشت هذه التسميات.
كان الجميع، كما يصفه، “على نفس الصفحة”، ومن ذلك القاسم المشترك نما شيء أشبه بالصداقة الحقيقية.
لم يمض وقت طويل حتى أوصلته كرة القدم إلى بطولة في إيطاليا، إحدى البطولات الدولية المتزايدة التي تستخدم كرة القدم كأداة للشفاء النفسي والاندماج الاجتماعي. انطلقت بطولة كأس الأحلام العالمي عام 2016، وجمعت لاعبين من أنحاء العالم — من الأرجنتين واليابان والسنغال وإسبانيا وغيرهم — مع مشاركين انتُقوا من خدمات الطب النفسي وبرامج التعافي، مؤمنين بأن الملعب قادر على تقديم ما لا تستطيع العيادة تقديمه.
القوة الدافعة وراء هذه البطولات هي اللجنة الدولية لكرة القدم من أجل الصحة النفسية، برئاسة الطبيب النفسي الإيطالي سانتو رولو. تأسست اللجنة عام 2013 بعدما اجتمع أطباء نفسيون والعاملون في الرعاية الاجتماعية من ثماني دول في طوكيو ووقّعوا إعلاناً يلتزم فيه الرياضي كمركبة للاندماج والتعافي بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون مع مرض نفسي.
أُقيمت البطولة في أوساكا وروما، ويستعد المنظمون الآن لإقامة دورة أحلام عالمية مقبلة في بيرو، على أن يعلن عن موعدها لاحقاً. وفي سبتمبر 2024 توسع المفهوم أكثر مع انطلاق أول نسخة أوروبية من كأس الأحلام.
على مدى السنوات التالية أصبحت كرة القدم أكثر من مجرد طريق للعودة إلى الصحة بالنسبة لكايدي؛ بل تحولت إلى مهنة ورسالة. بعد حصوله على مؤهلات التدريب عبر مؤسسة نادي فولهام في 2016 بدأ يفكر في كيفية منح الآخرين نفس الشعور بالهدف والانتماء الذي وجده على أرض الملعب. وفي 2019 أسّس “مايندز يونايتد”.
ما بدأ بسبعة لاعبين وكيس كرة قد نما ليصبح منظمة مجتمعية تضم أكثر من 400 عضو، تقدم جلسات كرة قدم وأنشطة اجتماعية وشبكات دعم للأشخاص الذين يعانون من مرض نفسي أو إعاقة أو استبعاد اجتماعي. يشارك النادي بفرق لمختلف الأعمار من 18 إلى 70 عاماً، ويتلقى إحالات من خدمات الصحة النفسية وجمعيات مكافحة التشرد ومنظمات مجتمعية غربية لندن، ويحظى بدعم جهات بينها الخدمات الصحية الوطنية ومجلس كنسينغتون وتشيلسي.
أُنشئت شعبة للسيدات في 2021، وبالشراكة مع اتحاد كرة القدم في ميدلسكس أضيفت قسمة نسائية لدوري شمال غرب لندن للصحة النفسية في العام التالي. بحسب النادي، أفاد 95% من اللاعبين بتحسّن في رفاههم النفسي.
على امتداد بريطانيا تقود منظمات مثل Coping Through Football في شرق لندن وKick Start FC في ويلتشاير وSport in Mind برامج كرة قدم مخصصة للأشخاص الذين يعيشون مع المرض النفسي والإدمان والعزلة الاجتماعية.
الحركة آخذة في التوسع دولياً أيضاً. بعد لقائه أعضاء المنتخب الوطني الإيطالي للصحة النفسية في بطولة الفوتسال “La Testa Nel Pallone” في ليتشي يونيو 2024، شرع كايدي في تشكيل أول منتخب وطني بريطاني للصحة النفسية. جمع التشكيلة في غضون ثلاثة أشهر فقط؛ اقترح منظمو اتحاد الثقافة والرياضة الأوروبي تسميته “Team GB”، لكنه رفض لأنّه أراد ترك المجال لاحقاً لاسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية لتشكيل منتخبات خاصة بها.
وصل منتخب إنجلترا لاحقاً إلى ربع نهائي كأس الأحلام 2024.
في مركز النادي المجتمعي بغرب لندن يجتمع متطوعون ومدرّبون وأشخاص يواجهون التشرد ومن يعانون من حالات نفسية من خلفيات متنوعة داخل غرفة فسيحة تضم طاولات بلياردو وركناً للفن يطل على شارع قاتم مزدحم بالسيارات وسوبرماركت ممتد، وتعلو خلفه صفوف من المنازل الراقية؛ مشهد صغير لكنه نابض من لندن المعاصرة بكل تعقيداتها.
ونفس الشعور بالانتماء يمتد إلى أرض الملعب.