لندن، المملكة المتحدة — بعد مرور عشر سنوات على استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، تُظهر استطلاعات الرأي أن الجمهور ما زال يتصارع مع تداعيات قراره. استقالة كير ستارمر لتهيئة المجال لتعيين رئيس وزراء سابع خلال عقد واحد تُعيد إلى الذاكرة السلسلة المقلقة التي أطلقها قرار الخروج منذ استقالة ديفيد كاميرون عقب الاستفتاء عام 2016.
قصص موصى بها
أظهرت دراسة حديثة أجرتها YouGov بمناسبة الذكرى العاشرة للاستفتاء أن نسبة البريطانيين الذين يعتبرون مغادرة الاتحاد الأوروبي القرار الصحيح انخفضت إلى نحو 30% مقارنةً بـ64% في يوم الاقتراع. اليوم ترى أغلبية واضحة تبلغ 57% أن قرار الخروج كان خطأً، وستة من كل عشرة يقيمون التجربة على أنها فشل ذريع. الحجج التي احتوتها حملة التأييد آنذاك — السيادة، الحفاظ على الجنيه، الاستقلال الاقتصادي، مكافحة الإنفاق العام المفرط وتخفيف الأعباء البيروقراطية — لم تتحول إلى إجماع بل استقرت في نموذج أقرب إلى انقسام عميق.
وعلى ضوء تحليل حديث لبنك إنجلترا يشير إلى أن الاقتصاد البريطاني تقلص بنحو 6% بسبب أثر الخروج، بات كثير من الاقتصاديين يجمعون على أن مرحلة “الروح المعنوية” انتهت؛ وقد تحوّل الندم على الخروج إلى ظاهرة شائعة يعرفها بعض المعلقين باسم «ندم البريكست». لكن الإرث الأكثر بقاءً للخروج قد لا يكون اقتصادياً بقدر ما هو مجتمعي — إعادة تشكيل تدريجية لثقافة السياسة، لتحمّل درجات متزايدة من التطرف، ولغة عامة تحدد من هو المنتمي ومن هو الخارج، وكيفية استبعاده حتى لو بلغت الاستقطابات سمومها.
تركة سامة من السلبية
المخاوف والعنصرية المرتبطة بالهجرة في بريطانيا، خصوصاً ضد أصحاب البشرة الملونة، لها جذور تاريخية طويلة. منح الاستفتاء ذريعة جديدة للمواقف التمييزية عندما حوّل مسألة عضوية الاتحاد الأوروبي المعقدة إلى استفتاء حول السيطرة على الحدود، ما أضفى على سياسة الهجرة شحنة أخلاقية استُغلّت بقوة. بحسب طاهر عباس، مدير مركز التطرف والاندماج والعدالة الاجتماعية في جامعة أستون، فإن البريكست لم يكن حدثاً مفاجئاً بل نتيجة لعقود من الشك الأوروبي داخل صفوف المحافظين، لكنه نجح أيضاً في تعبئة الرأي العام وضمّ قطاعات واسعة من الناس إلى هذا التيار.
ما كان في السابق هامشياً تحول إلى خطاب مقبول نسبياً: فرضية اعتداء البلد، وصف اللجوء بأنه تجارة ربحية، الادعاء بأن أقليات مثل المسلمين لا تشارك «القيم البريطانية» — عبارات كانت كفيلة بإقصاء ساسة من الحياة العامة في السابق لكنّها باتت تُروّج بصورة متزايدة. ومع الخطاب أتت سياسات؛ تنافست حكومات متعاقبة على الظهور بأشدّ المواقف تجاه الهجرة: معالجات في الخارج للمهاجرين، تهديد الخروج من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ومبادرات ترحيل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة قضت المحاكم بأن بعضها غير قانوني.
أفعال كانت تُعدّ سابقاً مرفوضة — احتجاز المهاجرين واللاجئين بلا حدود زمنية معلنة، تجريم عمليات الإنقاذ في البحر، والمزج الخطابي بين اللاجئين والمجرمين — أصبحت مقبولة تحت شعار «حماية الحدود». شعارات مثل «أوقفوا القوارب» التي وظفها حزب المحافظين لإثبات عناده في قضية الهجرة وُظفت لاحقاً أيضاً من قوى يمينية متطرفة، على غرار تومي روبنسون، الذي يحظى بدعم واسع من شخصيات مؤثرة.
من الخطاب إلى العنف في الشوارع
قبل أسبوع من الاستفتاء، اغتيلت النائبة عن حزب العمال جو كوكس على يد رجل قتلها وهو يردد شعارات وطنية؛ حادثة هزّت البلاد. وفي اضطرابات بلفاست هذا الشهر تحوّل خطاب الكراهية ضد ذوي البشرة الملونة إلى حرق واعتداءات؛ بعد حادث طعن نسب إلى مواطن سوداني تسارعت الاحتجاجات ليقوم معممّون بليالي من الهجمات على بيوت وأعمال ومركبات، والبحث عن مساكن يسكنها مهاجرون. لم يكن ذلك عشوائياً: مراقبون تطوعوا وأبلغوا شرطة أيرلندا الشمالية قبل أشهر عن قوائم تستهدف عناوين محددة تبيّن أنها نفسها التي تعرّضت للهجوم.
ليس كل اليمين المتطرف أو السياسات العنصرية في بريطانيا مرتبطاً بالبريكست حصراً، لكن الانقسام ساهم في تجذر خطاب كراهية أعاد إحياء قوميات تشكك في المكتسبات الديمقراطية التي نُضِلت بعد الحرب العالمية الثانية، بحسب نيكولا خان، الأنثروبولوجية وخبيرة الهجرة بجامعة إدنبرة. وقالت إن التنوع الثقافي، قيمة بريطانية عزيزة، يواجه مخاطر محو تدريجية بسبب هذا التركيز المختزل على الهجرة.
الخلاصة أن عقداً مرّ على الاستفتاء ترك أثره ليس فقط على اقتصاد متقلّص وفرص ضائعة، بل على نسيج المجتمع واللغة السياسية المقبولة، وقد تكون عواقبه أكثر عمقاً وأصعب انعكاساً من مجرد أرقام نمو أو ركود. الانقسام بات جزءاً من المشهد، والبلدّ يحتاج إلى نقاشات واعية تعيد الاعتبار للمجتمع المتنوع وتُحبط مناخات العنف والكراهية قبل أن تتجذر أكثر. تدرك غالبيّة الناس ذلك، لكنّهم يفتقرون إلى الوسائل الفعّالة للرد والمقاومة، كما أُشير.
ثقل تجارب التهميش والعنصرية يثقل كاهل المسلمين في بريطانيا، ولا سيما النساء اللواتي يختارن ارتداء زيّ يُميّز انتماءهن الديني أكثر من أي مجتمع أقلية آخر.
تتواصل حملات تصوير المسلمين كغرباء عن “القيم البريطانية” ليس في الخطاب السياسي السائد فحسب، بل أيضاً في الفضاء الرقيم.
التمييز في الشارع لا يميّز بين طبيبة مسلمة بريطانية من الجيل الثالث ومواطن من الاتحاد الأوروبي من ذوي البشرة الملونة والمهاجر الذي تصفه الصحافة الشعبية بـ”غير الشرعي”. وبالتالي يواجه المسلمون البريطانيون سيفين: عنصرية قائمة على الإثنية، وعنصرية قائمة على الدين.
محرك التضليل ينتقل إلى الإنترنت
الاستقطاب والانقسام اللذان عمقا على أثر بريكست يُظهران حقائق مزعجة. في مجتمع منقسم، يتحوّل خطاب المعلومات إلى وقود لحروب معرفية تستغل طبقاتٍ داخلية محرومة.
ينطبق ذلك على مجتمعات الطبقة العاملة البيضاء المحرومة التي تغليّ من أثر السياسات التقشّفية وانهيار قطاعات صناعية في مدن شمال بريطانيا، فتُحمّل الهجرة وحدها مسؤولية معاناتها. هذه المجتمعات كانت من بين المؤيدين الكبار لخروج بريطانيا من الاتحاد، في حين أظهرت استطلاعات الرأي أنًّ الأقليات العرقية كانت أكثر ميلاً للبقاء.
يقول أميل خان، رئيس “فالنت” — وهي منظمة تعمل على تفكيك شبكات التضليل — إن انتصار حملة “الخروج” أكّد فاعلية أساليب جديدة في التواصل المعلوماتي، وأن التكنولوجيا والبيانات يمكن أن تتجاوز الحواجز التقليدية للإعلام والمؤسسات المجتمعية.
بعد بريكست دخل جيل من الاستراتيجيين إلى السوق “أصغر سناً، أكثر دراية بالتقنية وأقل تقيّداً بالقواعد التي التزم بها جيل سابق”، كما وصف خان.
وهذا سمح أيضاً بظهور فاعلين يقدمون خدمات مساعدة، مثل مزارع البوتات، التي وسّعت قدراتها وسهّلت انتشار التضليل — مشكلة قد تتفاقم مع ابتكاراتٍ متسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي.
يؤكد خان أن جماعات مثل المسلمين تُستهدف باستمرار في هذه الحملات، لكن الهدف النهائي غالباً ما يتجاوزهم ليصل إلى السيطرة على الحكومة والتأثير في السياسه.
المحاسبة المقبلة
من المرجح أن تستمر أشكال الضغط الاقتصادي على المملكة المتحدة في فرض نقاشات حول أفضل سبل تقارب بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي، في مناخ تظلّ فيه قضايا السيادة والهجرة موضع حساسية، وفي ظلّ حزبٍ متجدّد مثل “ريفرم يو كي” بزعامة فاراج مستعدّ دوماً لوصم أي تنازل بالخيانة.
وبينما تستمرّ هذه المناقشات، تظهر الآثار المجتمعية بوضوح، وهي مأسوية. عشر سنوات من جعل الهجرة المفتاح التفسيري لكل مظالم المجتمع والمشكلات الاقتصادية قد خشّنت الخطاب وطبّعت التطرف، مما عرض عائلات وأفراداً من خلفيات غير بيضاء، وبشكل خاص المسلمين البريطانيين، لمخاطر متزايدة.
إن لم يُصحح هذا المسار، فلن يكفي الاقتصاد الصحي وحده لاستعادة الثقة المتآكلة بين مواطني بريطانيا.