عندما تواجه انجلترا غانا، المستعمرة البريطانية السابقة، ثمة أمور تستحق الانتباه. راقب كوبّي بوتنغ ماينو، واحداً من ألمع المواهب الشبابية في كرة القدم، ثم راقب براندون توماس-أسانتي، جيروم أوبوكو وأنطوان سيمينيو. تتقاطع قصص هؤلاء الأربعة في الكثير من التفاصيل: وُلدوا جميعاً في إنجلترا، تشربوا المجتمع والثقافة الكروية الإنجليزية، ويحملون جذوراً غانية. ومع ذلك، فقط كوبّي ماينو يمثّل منتخب إنجلترا بينما اختار الآخرون تمثيل غانا.
هذه الأمثلة تدفعني لإعادة التفكير في ولائاتي. تجعلني أتساءل من أعلّق له حقيبة المشجعين بصدق. لكن سنعود إلى هذا لاحقاً.
للمتشدّقين بفصل الرياضة عن السياسة: كثير من لاعبي إنجلترا في هذا المونديال هم أبناء أو أحفاد هاجروا من دول الكاريبي وإفريقيا، وكثير من هذه الدول كانت مستعمرات بريطانية سابقاً. كرة القدم لم تكن يوماً مجرد لعبة؛ لقد كانت دائماً مرآة للمجتمع.
أظهرت أبحاث مرصد الهجرة بجامعة أوكسفورد أن ما يقرب من ربع اللاعبين المختارين للمنتخبات على مستوى كأس العالم 2026 وُلدوا في بلد مختلف عن البلد الذي يمثلونه، ويمثل 23.6% من اللاعبين تمثيلاً لدول غير موطن ولادتهم. قبل عشرين عاماً، في كأس العالم 2006، لم يكن هذا الرقم يتجاوز 9%. تغيّرت قوانين الأهلية لدى فيفا، وتوسّعت بالتالي قواعد انتقاء المواهب.
نلمس اليوم لاعبين تدرّبوا في أفضل أكاديميات أوروبا يعودون لتمثيل أصولهم. هذا الحدث قلّص الفجوة بين القوى التقليدية وباقي العالم؛ فنشهد ساحل العاج يواجه ألمانيا، وكيب فيردي تقف بثبات أمام إسبانيا. ليس كل شيء مثاليّاً، لكن التغيّر لصالح الأفضل واضح. من أميركا الجنوبية إلى الكاريبي ثم أميركا الشمالية وإفريقيا، حين تحفر أعمق تدرك حقيقة واحدة تتكرر: كثيرون منا عانوا من براثن الاستعمار الأوروبي. الشتات ليس هامشاً؛ الشتات هو القصة.
اعترف بأن لدي ميلاً خاصاً لمنتخب الأسود الثلاثة.
عندما كان شقيقي الأصغر وأنا نحلم بمستقبل احترافي في كرة القدم (وهو ما تحقق له لاحقاً) كنا كثيراً ما نناقش لأي منتخب سنلعب دولياً. من ناحية وُلِدنا ونشأنا في إنجلترا في تسعينيات وألفينات القرن الماضي، وكانت وعينا الكروي يتشكّل عبر جيل إنجلترا الذهبي الشهير. ومن ناحية أخرى كانت نيجيريا، وطن والدينا، مصدر الفخر والهوية والفوضى الجميلة على المستطيل الأخضر وخارجه. وهناك أيضاً الولايات المتحدة حيث قضينا جزءاً من نشأتنا ولعبنا في أنظمة الشباب.
حُبّي لإنجلترا ونيجيريا ولَد في واحدة من كُليات كرة القدم: ملعب ويمبلي الأصلي. كنت في الرابعة من عمري، لكن الذكرى لم تفارقني؛ رؤية البرجين الشهيرين في 16 نوفمبر 1994، اليوم الذي تلا عيد ميلاد أخي الثاني. ذهبت مع والدي وعمّي لمشاهدة مباراة إنجلترا ونيجيريا؛ نيجيريا كانت آنذاك بطلة أمم إفريقيا 1994 وقد أبهرت العالم في مونديال 1994، فريق موهوب بحق. سجل ديفيد بلات هدف المباراة الوحيد برأسية في الشوط الأول، وعرفت حينها أنني لن أكون كما كنت. ذلك اليوم جعلني أعشق كرة القدم، وجعلني أتحمّل الألم أيضاً: مشاهدة نيجيريا تخسر ومع ذلك تشتعل في داخلي شرارة غريبة. لدرجة أني عندما أهدر غاريث ساوثغيت ركلة الجزاء أمام ألمانيا بعد عامين بكيت بمرارة، دموعي كانت ساخنة تسيل على وجهي كما لو أنها قد تقلي البيض.
ثم جاء 1998 لأتعلم أن كرة القدم نوع من الماسوشية؛ إنجلترا تخسر أمام الأرجنتين، ونيجيريا تخسر أمام الدنمارك. ولاءي لكلا المنتخبين، رغم مواهبهما، حطمني مرات ومرات. وعلى مدى 28 سنة بعدها أستطيع كتابة أطروحة عن خيبات الأمل تلك، لكن هذا ليس جلسة علاج.
ما أريد التحدث عنه هو الواقع المزعج والمستمر لأن تكون أسود وتحب هذه الدول الغربية التي وُلدت ونشأت فيها.
أول أبطالي الحقيقيين خارج الأسرة، الأشخاص الذين جعلوني أحلم وأُفكّر بشكل أكبر، كانوا لاعبين بريطانيين سود. فيف أندرسون، أول لاعب أسود لإنجلترا عام 1978. لوثر بليزي: سجل ثلاثية ضد لوكسمبورغ 1982 ليُصبح أول لاعب أسود يسجل للمنتخب الكبير. بول إينس قاد إنجلترا كأول قائد أسود في يونيو 1993. وفي مارس 2021، أصبح أولي واتكنز اللاعب الأسود المئة الذي ينال أول مشاركة مع إنجلترا، وبحلول يونيو 2026 ارتفع العدد إلى 127 بعد ظهور ريو نغوموها ضد نيوزيلندا في ترامبا.
هذه ليست إحصاءات جامدة؛ هذه محطات محفورة بصمود ونضال.
أستحضر أبطالي: إيان رايت، بول إينس، ليس فيرنانديز، أندرو كول، ريو فيرنانديز؛ ثم إخوتي الأكبر سناً كليدلي كينج، جيرمين ديفو، شون رايت-فيلبس، ميكا ريتشاردز؛ ثم من هم في عمري: داني ويلباك، كريس سمولينغ، كايل ووكر، دانييل ستوريدج، راهيم سترلينغ؛ ثم الجيل الأصغر: ماركوس راشفورد، جيسي لينغارد، جادون سانشو، ترينت ألكسندر-أرنولد، بوكايو ساكا؛ ثم موجة جديدة: جود بيلينجهام، ريس جيمس، كوبّي ماينو، ريو نغوموها. هؤلاء روّاد، هؤلاء جبابرة. الطريقة التي ألهمني بها إيان رايت وأندرو كول هي ذاتها التي يلهم بها جود بيلينجهام أو كوبّي في الاحتفال، أو ريس جيمس في اندفاعة الجهة اليمنى، أو دقة بوكايو ساكا المشابهة لجلسات استوديو متقنة.
ومع كل هذا الفخر ثمة تناقض لا أفلته: نفس البلد الذي يصنع من اللاعبين السود رموزاً للتفاخر الوطني يمكن أن يجعل انتماءهم مشروطاً.
تظهر الصورة بوضوح في تعامل الإعلام الإنجليزي مع هؤلاء اللاعبين.
رأينا ذلك مع ماركوس راشفورد، جادون سانشو وبوكايو ساكا. ورأيناه أيضاً مع رحيم سترلينغ الذي عومل بقسوة أكبر مقارنة بزملائه. ستان كوليمور تحدث كثيراً عن هذا. الحالات كثيرة لا تُعدّ، وكلمات وأفعال الإعلام قد تُشوّه وتجرح اللاعبين. أنظر إلى أندرو كول، السبب في أني أصبحت مشجعاً لمانشستر يونايتد، وإلى حكم غلين هودل أن كول يحتاج خمس فرص ليسجل؛ تلك النظرة تحوّلت إلى واقع ثبت في الذاكرة. مثل هذه الأمور تجعل الاحتفاء بإنجلترا أمراً صعباً أحياناً: الاعتداءات الدقيقة، النكبات الخفية، طريقة التقليل منك حتى وهم يحتفلون بإنجازك حين تؤدي.
لذلك حين أرى في هذا الكأس لاعبين اختاروا مسارات مختلفة — غويلا دو يمثل ساحل العاج بينما ديساير دو يمثل فرنسا، نيكو ويليامز يختار إسبانيا بينما إيناكي ويليامز يختار غانا، ديريك لاكاسن يمثل غانا بينما برايان بروبي يمثل هولندا — أفهم كل جانب من قرارهم.
أفهم لماذا يختار البعض إنجلترا بدل غانا: هناك مكانة وراحة، وهناك اعتبارات عملية مثل الاستقرار والموارد وسياسات الاتحادات؛ هذه أمور حقيقية وليست تافهة، ولا أحكم على من يختارها.
لكن أمراً ما في حركة تغير مستمرة.
إبراهيم مبايي اختار السنغال بدل فرنسا. أيوب بودي اختار المغرب بدل فرنسا. كيب فيردي تقدم أداءً ملفتاً في هذا المونديال. فرق أفريقية تضيق الخناق. خلال العقد الأخير أصبح أمم إفريقيا من أفضل المسابقات القارية على الإطلاق، ربما أفضل من اليورو وكوبا أميركا، وبدأ أثرها يظهر في كأس العالم. المغرب، مدعوماً بمواهب الشتات وأكاديمية محمد السادس، وصل إلى نصف نهائي 2022 كأول منتخب إفريقي يحقق ذلك. مواهب الشتات تعود أكثر فأكثر. ليس لأنها مُجبرة، بل لأنها تريد.
لذا، كإنجليزي-نيجيري-أميركي، عندما أشاهد غانا تواجه انجلترا، أستطيع أن أستوعب خيارات كوبّي بوتنغ ماينو، براندون توماس-أسانتي، جيروم أوبوكو وأنطوان سيمينيو. في المحصلة، لقد تعرّضنا جميعاً للاستعمار — للأسف. بعضنا يقاوم ذلك بنضال واعٍ، والبعض يتركه يبتلع هويته. كما قال نيكولاس جاكسون ذات مرة: نحن نقتل أنفسنا من أجل إفريقيا. هذا الأمر لا يخص القارة وحدها؛ إنه يهم الشتات، أميركا الجنوبية، الكاريبي، الولايات المتحدة؛ يهمنا جميعاً عبر الجنوب العالمي وشتاته. كرة القدم مرآة المجتمع، ونريد أن نجعل العالم أفضل لنا وللأجيال القادمة، داخل الملعب وخارجه. لذا حين تلعب غانا ضد انجلترا، لا أشاهد مجرد مباراة؛ أشاهد التاريخ يتجادل مع نفسه، وآمل أن ينتصر المستقبل.
الآراء المعبر عنها هنا تعود للمؤلف ولا تعبّر بالضرورة عن سياسة التحرير لدى الجزيرة.