البوسنة زنابق وتنانين — كأس العالم ٢٠٢٦

عندما تأهلت البوسنة والهرسك إلى نهائيات كأس العالم اجتاح البلاد زخم من الحماسة المعدية؛ لم تكن مجرد حمّى كرة قدم عابرة.

بعد ثلاثين عاماً على انتهاء الحرب، وبعد أن نجونا من الإبادة ووُضعنا تحت اتفاق دايتون الشهير بسياقاته المقيِّدة، عدنا إلى أرض الملاعب العالمية لنهتف بأن بإمكاننا أخيراً أن نحلم خارج حدود ذلك الاتفاق الذي فُرض علينا وأنشأ هياكل سياسية مُضرة وضيّق الخناق على وطننا.

الكرة أظهرت لبّ تعريفنا الذاتي: نحن بسطاء وقساة معاً، نصمد في المحن ونُقسو على أنفسنا في زمن السلم. نحن تنانين، ونحن أيضاً زنبقيّوّن — رقة الزنبق لا تتنافى مع شراسة التنين.

في الرابع والعشرين من يونيو، عندما هزم منتخبنا قطر وتأهل إلى دور الـ16 لأول مرة في تاريخه، عمّ الفرح البلاد. لم يكن ذلك فرحاً فحسب بل شعور بالانعتاق والوحدة. قد نبرع نحن البوسنيون في الشجار والاعتراض والاستخفاف بأنفسنا، لكن كم نحب هذا البلد العنيد، وكم نعشق أولئك الشباب الأزرق.

جُيّشت حشود هائلة بالزي الأزرق لم تشغل شوارع سياتل وسراييفو فحسب، بل احتفلت في كل مدينة وبلدة في العالم يسكنها بوسنيون. حتى أولئك المصطافون في أماكن نائية عقدوا حفلات مشاهدة في الفنادق وأخذوا الضيوف إلى الشوارع للغناء والابتهاج.

في جمهورية صربسكا، سبق أن وقف أصحاب السلطة إلى جانب خصوم منتخبنا. لكن هذه المرة لم ينجُح خطاب الكراهية لدى كثيرين؛ احتفلوا في منازلهم أمام الشاشات، وتجرأ بعضهم على إظهار فرحهم علناً.

في الجارتين صربيا وكرواتيا تخطّى الناس السياسة العرقية واحتفلوا بصراحة معنا، ناشرين رسائل دعم على منصّات التواصل.

صور المشجعين البوسنيين وهم يجوبون شوارع مدن كندية وأميركية انتشرت عالمياً. وقبل مباراة سويسرا، أذهل جمهور بوسني السكان المحليين أثناء مرورهم في حي شهير بإنغلوود بترديدهم «فلسطين! فلسطين!».

يقرأ  طيارون في قوات الدفاع الإسرائيليةيحتجون ضد الحرب في غزة أمام مقرّ القيادة العسكرية

بين الهتافات ارتجل المشجعون أغانٍ. لكنها لم تكن أغانياً قومية متعصّبة كما نشاهد أحياناً؛ لم تكن أغانٍ مُدبَّرة من نجومٍ كبار خصيصاً للمونديال، بل أغانٍ قديمة التصقت بالمباراة طبيعياً وتعكس إلى حد بعيد النفسية الوطنية.

الأولى أغنية ساخرة لفرقة «Dubioza Kolektiv» الشهيرة، بعنوان يمكن أن نترجمه: «أنا من البوسنة خذوني إلى أمريكا» — أغنية تقطع في أوهام الحلم الأميركي وتقول للبوسنيين المتماهين بسرعة إن يحلموا حلماً آخر، حلماً أكبر، حلم الوطن. طريفة وحنينية في آنٍ معاً.

والأغنية الثانية، الأكبر شأناً، أغنية حبٍّ للفنان الراحل خالد بيشليتش «Poljem se širi miris ljiljana». أغنية ناعمة وحميمية، ويمكن أن تُترجم أبياتها هكذا: «يفوح عطر الزنبق في الحقل، والزهور تشم رائحة حبيبتي. والصقور الصغيرة تعود من الجنوب، كأنها تحمل حبها إليّ. في هذه المدينة ليس لي أحد، يا حبيبتي، أموت إذا ما كنت لغيري.» كلمات تكاد تذوب من الخجل والحنين.

نعم، بلادنا حاربت قبل ثلاثين عاماً، لكننا لا نُنشد أبداً أغانٍ من نوع «نحن الأفضل» أو «سحقوا الجميع».

هذا غير مسبوق، وخارج التوقعات. اختيارنا للأغاني يُدلّل على كيفية رؤيتنا لأنفسنا: قساةٌ ونحمل ندوب الحرب، لكننا نسخر من كل شيء — غالباً من أنفسنا — ونغنّي عن الحب.

نُطلِق على أنفسنا لقب «التنانين»، إشارة إلى قائد المتمرّد والمقاتل الشهير حسين جراداشيفيتش (1802–1835). وفي الوقت نفسه ندعو أنفسنا «زنبقاً»، كما في أغاني بيشليتش.

كان مُفترضاً أن تُبيدنا التاريخ، لكننا نجونا وتحولنا إلى بذور. ولهذا بجانب العلم الرسمي الأزرق–الأصفر المنقوش بالنجوم، ترى أحياناً أعلاماً بيضاء تحمل شعاراً من الزنابق الذهبية. العلم الأبيض هو علم البوسنه المستقلة، العلم الذي تحت مظلته نجونا ودخلنا به إلى الأمم المتحدة. (ملاحظة: هنا وردت كلمة بها خطأ مطبعي.)

يقرأ  أوكرانيا تحرك إجراءات لحظر أكبر كنيسة أرثوذكسية بتهم صلات مزعومة بموسكو

العلم الآخر كان تسوية، صفقة سيئة أخرى — مثل دايتون، مثل النشيد الوطني الذي تقرر أن يكون بلا كلمات بعدما عجز قادتنا المحكومون بالسياسة العرقية عن التوصل إلى نصّ موحّد.

لكننا لسنا شعباً بلا كلمات. وترى ذلك في كأس العالم: تسمعنا نغنّي الزنبق وترى أزهاره تتفتح في الملعب.

إلى جانب نجوم المخضرمين مثل إدين دزيكو، فريقنا شاب. نصف لاعبيه أولادٌ لِأهلٍ لاجئين وُلدوا بعيداً عن الوطن ذا القلب المتشكّل على هيئة قلب.

هؤلاء أولادٌ لم يُفترض أن يوجدوا، طاردت أسرهم ثم طُرِدوا. واليوم يركضون في مرج سياتل الأخضر كما لو كانوا يلعبون في مروج البوسنة.

يقاتلون، لكنهم لا يلعبون بقذارة. ذلك الهدف ضد قطر بواسطة كريم ألاجبغوفيتش، الذي دخل قائمة أصغر الهدافين في كأس العالم، كان عملاً فنياً.

ذكرني ذلك بركلة الجزاء الرشيقة والحاسمة التي سجّلها إسمير بايركتاريفيتش لإقصاء المنتخب الإيطالي الحاصل على أربعة ألقاب في التصفيات. من الصعب إعادة مشاهدة ذلك الهدف دون التفكير في رمزيته الهائلة: طفلٌ من نسل ناجين من إبادة سربرنيتشا، ولد ونشأ في الولايات المتحدة، عضوٌ في الجيل الجديد من الزنابق الذهبية. فتى بوسني–أميركي سيقف الآن في مواجهة وطنه الثاني، الولايات المتحدة، في الثاني من يوليو.

بضربة أو ضربتين هدفين، سحق هؤلاء الفتيان كل الخطابات السياسية البذيئة التي تسعى إلى الفرقة وحماية سلطة النخب الفاسدة. هم إدين، إسمير، يوفو، إرمين، كريم، مارتن، عثمان، سياد، دينيس، طارق، نهاد، ستيبان، نضال، أمير، بنجامين، أرمين، جنيس، إرميدين، صمد، هاريس، نيكولا واحد، نيكولا ثانٍ، إيفانان، إيفان آخر، عماران… والمدرب سيرجي. أغلبهم لا يلعبون في أندية كبرى، وثمنهم ليس باهظاً (بعد)، لكنهم هنا للبقاء.

ساعدهم على زرع البذور. شاهد المباراة التالية. شاهد الصغار يواجهون الكبار على أرضهم. شجّعهم. وغنّ معهم.

يقرأ  كأس آسيا: بنغلاديش تهزم أفغانستان وتحافظ على آمالها في بلوغ مرحلة السوبر فور

الآراء الواردة أعلاه تعبر عن كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية للمؤسسة.

أضف تعليق