في مدينة تعز اليمنية، لفت انتباه المارّة أمام مطعم "أبو سلطان" مشهد نادر في البلاد: زوج وزوجة يعملان جنباً إلى جنب، يجمعهما هدف واحد هو تأمين حياة كريمة لأسرتهما، وإدخال نوع جديد من الطعام إلى المدينة المنكوبة.
يقدم الزوجان البرغر والبطاطا المقلية والبيتزا والدجاج المقلي، وهي أطباق شائعة في كثير من مدن العالم ولكنها نادرة في تعز التي ظلت تحت الحصار والقصف طوال سنوات الحرب الأهلية.
لا تزال الأدوار التقليدية في اليمن تقضي بأن يعمل الأب ويبقى البيت مسؤولية الأم، ولا تقدم على عمل ثانٍ إلا بعد الانتهاء من واجباتها المنزلية. ولكن حياة بالغ الضباعي (36 عاماً) وزوجته عزيزة مختلفة تماماً.
في كل صباح، يستيقظان الساعة السادسة ويتناولان الإفطار مع طفلهما الوحيد، ثم يتوجهان إلى مطعم "أبو سلطان" للوجبات السريعة لقضاء يوم عمل كامل. بالغ يعمل كرئيس طهاة، بينما تدير عزيزة شؤون المطعم اليومية. ويعزو بالغ نجاح المطعم الذي يستقبل نحو 30 زبوناً يومياً، مع العديد من طلبات التوصيل لطلاب المدينة، إلى هذه الشراكة.
يقول بالغ للجزيرة: "العمل مع شريك الحياة الذي يشاركك طموحك يذلل الصعاب. لديها عين لا تخطئ على التفاصيل الإدارية والتشغيلية، مما مكننا من تغطية جميع جوانب العمل بكفاءة عالية".
عمل بالغ سابقاً في السعودية، لكنه كان يعرف أن إقامته مؤقتة لأنه يريد العودة لأسرته في اليمن. عندما عاد، حمل معه فكرة افتتاح مطعم وجبات سريعة، وهو مفهوم جديد نسبياً في البلاد. يقول: "جئت بالفكرة من السعودية، وحضرت معي بعض المعدات، لكن تمويل المشروع كله وإدارته بمفردي كان صعباً جداً. زوجتي هي من تدخلت، وساعدت في تمويل المطعم وتولت مسؤولية الإدارة".
كان بالغ قريباً من العودة للسعودية بسبب شكوكه في جدوى المشروع، لكن عزيزة حثته على الاستمرار وتحملت الأعباء المالية والإدارية. ويضيف: "تركيزنا الأساسي هو تطوير مطعمنا وبناء هوية حقيقية للوجبات السريعة في تعز".
السند الأكبر
على الرغم من أن وجود النساء في المطاعم قد لا يكون شائعاً في اليمن، إلا أن البلاد لديها تقليد طويل في القيادة الأمومية. فمنذ 960 عاماً، أصبحت أروى بنت أحمد الصليحي، من الدولة الصليحية، أول امرأة تحكم في العالم الإسلامي.
تقول عزيزة للجزيرة: "في البداية، ربما نظر المجتمع بعين الحذر إلى امرأة تعمل في مطعم. لكن من خلال المثابرة والاحترام، أثبتت أن المرأة قادرة على الإدارة والنجاح في أي مجال تختاره، وكان زوجي أكبر داعم لي".
في صالة المطعم، تستقبل عزيزة الزبائن وتبذل قصارى جهدها لجعلهم يشعرون بالراحة، وهو ما يشجعهم على العودة. بالنسبة لمشروع عمره شهران فقط، بناء قاعدة زبائن أوفياء أمر حاسم، وكرم الضيافة بدأ يؤتي ثماره.
وتشرح عزيزة: "إن ديناميكية العمل المشترك بين الزوجين، ومحاولاتي لجعل الزبائن يشعرون بالترحيب، كلها تجعلهم يعودون. السر في الثقة التي وضعها زوجي في داخلي من اليوم الأول. لا نعمل بنظام رئيس ومرؤوس، بل كشريكين في المصير. عندما رأى الزبائن أن كلمتي مسموعة في العمل وأني أتحمل المسؤولية الكاملة، تحول نظرتهم تلقائياً من زوجة مساعدة إلى مديرة تنفيذية. هذا في حد ذاته هو أعظم انتصاري".
في مجتمع محافظ مثل تعز، حيث إدارة المطاعم تقليدياً دور رجالي، يحرص الزوجان على تخطي هذه التحديات. تتابع عزيزة: "أما بالنسبة لكلام الناس، فقد قررت من أول لحظة أن نجاحي سيكون ردّي الأقوى. أدركت أن الناس قد ينتقدون في البداية، لكن ليس لديهم خيار سوى احترام العمل الجاد والمهني".
بعد إغلاق المطعم، تتحول عزيزة إلى دورها كأم وربة منزل، وهذا يتطلب تعاوناً جديداً مع زوجها. تقول: "في المنزل، أحرص على الفصل بين حياتنا الأسرية وضغوط العمل. هذا يتطلب قدراً كبيراً من التفاهم المتبادل مع زوجي الذي يقدرني حقاً، خاصة أننا نقضي اليوم بأكمله جنباً إلى جنب. نصيحتي لمن يخطط لبدء مشروعه الخاص هي: لا تتردد في البدء، لكن لا تقفز قبل أن تضع خطة واضحة وتؤمن حقاً بشريكك".
منافسة النساء للرجال
يعكس "أبو سلطان" ظهور المشاريع الصغيرة التي تقودها النساء في اليمن، والتي تغير الاقتصادات المحلية بهدوء.
مُثَنَّى عُديمي (36 عاماً) هو أحد الزبائن الذين يختارون بوعي الشراء من المطاعم التي تديرها النساء، معتقداً أنها تأتي بجودة منزلية. يقول عُديمي للجزيرة: "أعتقد أن الطعام المطهو في البيت يكون أنظف ويُعدّ بعناية أكبر، لذلك عادةً ما أشتري من مؤسسات تديرها النساء، سواء كانت وجبات سريعة أو أطباق يمنية تقليدية. الطعام نظيف، ولذيذ، وأسعاره معقولة. جميعنا مسؤولون عن دعم هؤلاء النساء في أعمالهن، إنهن يستحقن حياة أفضل ومستقبلاً أكثر إشراقاً لأنفسهن ولأسرهم".
ساعد ظهور رواد الأعمال من النساء في اليمن على إجبار أصحاب الأعمال من الرجال على التكيف. طارق الملّاح (40 عاماً) الذي يدير متجراً لمستلزمات التنظيف والألعاب في تعز، يرى عدداً متزايداً من سيدات الأعمال اليمنيات يقتحمن قطاع التجزئة. يقول: "كل يوم، نرى نساء يطلقن أنواعاً جديدة من المشاريع. أنا بنفسي أشتري أدوات التنظيف من متجر تملكه وتديره امرأة. وقد فقدت الحقيقة عدداً كثيراً من زبائناتي لأنهن يفضلن الشراء من النساء. لكن فشل بعض الأعمال لا يعني أنها فشلت بسبب أنهن نساء، بل واجهن تحديات صعبة فقط". لا يختلف الوضع بالنسبة للرجال، ففيهم من يفشل وفيهم من ينجح في سوق العمل.
أما المرأة فقد بدأ دورها يتغير. يقول نثير عبد الهادي، وهو عالم اجتماع لديه خبرة طويلة في تدريب النساء على ريادة الأعمال، إن ازدياد المشاريع التي تديرها النساء في اليمن يأتي في وقت ترتفع فيه بطالة الذكور وتتفاقم الضغوط المالية على الأسر. ويضيف أن مساهمة النساء في إعالة أسرهن تُحدث تغييرات جوهرية في المجتمع اليمني.
ويشرح عبد الهادي قائلاً: "إن نمو مشاريع النساء ليس مجرد رد فعل على الأزمة، بل يعكس أيضاً وعياً متزايداً لدى المرأة بقدرتها على الإنتاج والمساهمة في التنمية الاقتصادية. فقد ساعد دخلهن في تحسين مستوى المعيشة وتأمين احتياجات أطفالهن، خصوصاً في الأسر التي فقدت معيلها أو تضررت مصادر دخلها بسبب الحرب. وهذا أيضاً عزز ثقافة التعاون وتقاسم المسؤوليات داخل الأسرة، مما رفع مكانة المرأة كعنصر منتج وشريك في اتخاذ القرار، دون المساس بدورها الأسري والمنزلي."
وتقول أروى العمري، مديرة وحدة سيدات الأعمال في محافظة تعز، إن النساء لم يعدن مجرد متلقيات للمساعدات الإنسانية، بل أصبحن شريكات فعليات في إعالة أسرهن. وأضافت العمري للجزيرة نت: "تشهد تعز زيادة ملحوظة في المشاريع التي تديرها النساء، وهذا مدفوع جزئياً بتشجيع المنظمات الإنسانية للمرأة لإطلاق أو توسيع أعمالها. لا توجد أرقام محددة لمشاريع النساء لأن مشاريع جديدة تُفتتح كل يوم، لكن الطفرة هائلة. اليوم، يمكنك التجول في الأسواق وترى النساء يدِرن متاجرهن الخاصه ويتعاملن مع الزبائن بشكل مباشر."