بنتونفيل هي بلدة صغيرة في شمال غرب أركنساس، تحولت مع الزمن إلى رمز للعمليات التجارية الضخمة والأنظمة المؤسسية الكبرى. هذه البلدة النابضة بالحياة تحمل في جذورها إرث متجر “والتون”، وهو متجر صغير للبقالة افتتح في ساحة بنتونفيل المركزية عام ١٩٥٠ ليخدم المجتمع المحيط. سرعان ما حقق المتجر نجاحاً، فافتتح صاحبه سام والتون متجراً آخر قريباً تطور ليصبح أكبر متاجر التجزئة في العالم: وول مارت.
خلال تلك الفترة وحتى الستينيات، شهدت الولايات المتحدة طفرة ما بعد الحرب غيّرت المشهد التجاري الناشئ. تحول الحلم الأميركي في الضواحي إلى محفز لتكيف متاجر التجزئة مع نسيج اجتماعي متطور، استهدف خدمة الأسر التي تبحث عن الضروريات بأسعار معقولة وفي وقت قصير. ونتيجة لذلك، ظهرت خدمات متنوعة في المتاجر الصغيرة والسلاسل التجارية، مثل مضخات البنزين ذاتية الخدمة.
لكن الثمانينيات والتسعينيات فتحت آفاقاً جديدة للتجارة الأميركية قائمة على التحديث. تحولت السوبرماركت إلى ما يشبه “متجر الخدمة الواحدة”، متجاوزة بكثير المفاهيم السابقة للراحة. في رحلة واحدة إلى المتجر، استطاع الآباء المشغولون شراء حاجيات الأسبوع، وتزويد مخازن المنزل بمستلزمات التنظيف، وتعبئة الوصفات الطبية، وإطعام أسرهم في مطعم المتجر، كل ذلك أثناء انتظار ظهور صور إجازاتهم عبر خدمة تحميض الأفلام السريعة. أصبح الحصول على وجبة جاهزة سريعة وسهلاً بفضل قسم الأطعمة المجمدة الشهير، وكحلوى فوق الكعكة، كانت أفلام VHS متاحة للشراء لتتناسب مع “عشاء التلفاز” الشهير.
الفنانة البريطانية لوسي سبارو تشير إلى هذه اللحظة باسم “بداية الراحة”، وهو أيضاً عنوان أحدث أعمالها الفنية الضخمة وأول معرض متحفي لها في الولايات المتحدة. معرض “بداية الراحة” في متحف “ذا مومنتاري” يستحضر ذكريات سلاسل المتاجر المحلية وتصاميم التغليف القديمة، وزمن كانت فيه الحياة، كما وصفتها الفنانة في افتتاحية المعرض، “تصبح أكثر تركيزاً على المتعة وأقل على المشقة”.
بالنسبة للكثيرين، يمكن أن تكون السوبرماركت الحديثة مكاناً مخيفاً، وتجمع سبارو الضخم يثير شعوراً مماثلاً بالانجراف مع التيار. لكن ضخامة “بداية الراحة” تثير مشاعر البهجة والراحة، بدلاً من الفوضى الحسية الجديدة. مليئة بأكثر من ٢٠ ألف قطعة مصنوعة يدوياً، تغطي مجموعة واسعة من الأعمال الفنية اللبادية مساحة معرض تبلغ ٤٠٠٠ قدم مربع، مما يخلق تجربة غامرة للزوار، أو بالأحرى “المتسوقين”.
كثير من السحر يأتي من التفاصيل الدقيقة التي تعمل معاً لتشكيل تجربة حسية كاملة. على سبيل المثال، بينما يتجول الزوار في الممرات، تسمع في الخلفية موسيقى على غرار ألحان السوبرماركت القديمة. لكن الموسيقى تُقاطع بين الحين والآخر بإعلانات مألوفة ومضحكة بصوت مشوش، تطلب من والدي أو أوصياء فتاة صغيرة مفقودة اسمها لوسي التوجه إلى قسم التصوير.
في حفل الافتتاح الشهر الماضي، ارتدت الفنانة ثوباً مناسباً للمناسبة: فستاناً قماشياً أزرق فاتح بأزرار وخطوط عمودية. وأوضحت سبارو وفريقها أن هذا الزي المخصص مستوحى من الزي الرسمي الأصلي لموظفي وول مارت من أرشيف الشركة، في إيماءة خفيفة إلى موقع المعرض المناسب.
تمتلك سبارو قدرة رائعة على خلق مساحات ترحيبية لأي شخص تقريباً. كل معرض من معارضها الشهيرة على مر السنين هو نتاج عالمها الخيالي الخاص، وشعور بالضعف والانكشاف يرافق دعوتنا لدخوله. “عمل لوسي غريب لكنه مقلق”، كما يقول بيان المعرض. “إبداعاتها اللبادية الناعمة والملونة تسحر الزوار وتنزع فتيل دفاعاتهم، بينما أبحاثها الدقيقة وملاحظاتها الثاقبة تثير مشاعر عميقة من الحنين والمجتمع وحوارات حول التاريخ المشترك”.
هذا الشعور الإنساني العميق منعش في سياق الاستهلاك الأميركي والبيروقراطية المتنامية. خاصة في الآونة الأخيرة، أصبحت مهمة التسوق البسيطة تجربة مثيرة للانقسام، وبالنسبة للعديد من الأميركيين، فإن رحلات المتجر تذكرهم باستمرار بميزانيات الأسر المتضائلة والأسعار المرتفعة، مما يجعل من المستحيل تقريباً ربط بيئات البيع بالتجزئة العادية بأي شيء سوى الإرهاق أو التوتر.
وجود البهجة والدهشة الطفولية في “بداية الراحة” يقدم نقلة نوعية مهمة. إدخال هذا الشعور في بيئة حسية يسمح لكل مشاهد بتحويل تركيزه نحو المتعة وعجائب الابتكار التجاري والحنين المصاحب له.
استحضار القوة العاطفية للألعاب الناعمة، اللباد كمادة يثير مشاعر الدفء والأمان. أثناء السير في قسم الفواكه واللحوم في معرض سبارو، يكاد يكون من المستحيل تجاهل هذا الانطباع، حيث تنظر إليك أكياس البرتقال الشبكية وأكوام الجريب فروت العصيرية وقطع لحم الخنزير الطازجة بابتسامات خجولة.
لهذا السبب، يبدو من السهل الانغماس في عالم خيالي حيث تمتلك العديد من منتجات سبارو اللبادية أرواحاً فردية. ربما يكون لخوخ جورجيا شخصية أكثر حيوية من جيرانها الأناناس الشائك، وربما تكون شرائح اللحم البقري في الممر المقابل صلبة من الخارج لكنها طرية في القلب. بطريقة ما، يبدو كل شيء ممكناً في عالم يمزج بين الروح النشطة للتجارية والإبداع البطيء والمدروس لنفس الأشياء من خلال القص والحشو والخياطة والتزيين.
عند الخروج من تجربة السوبرماركت، يواجه الزوار المزيد من الإصدارات اللبادية للأشياء الشائعة في مداخل المتاجر: آلات بيع توزع مشروبات الكوكاكولا أو بيبسي من اختيارك، وكابينة تصوير، وسيارة ميكانيكية تعمل بقطع النقود، وجهاز صراف آلي إلكتروني كان قد وصل إلى ذروة انتشاره في ذلك الوقت.
بعد الالتفاف إلى المنطقة المنفصلة، يستقبل الزوار تركيب ضخم من الأرض إلى السقف يضم أكثر من ٣٠٠٠ موزة محشوة. هذا المشهد هو إعادة إنشاء “غرفة الموز” الخاصة بالفنانة، وهي مكان مريح في استوديوها للاسترخاء و”أن تكون محاطاً بالسعادة”، كما تقول. تلقت سبارو أول موزة محشوة لها عندما كانت في التاسعة من عمرها كهدية من والدها، ثم تلقت نسخة أكبر سُميت “سيباستيان”. وجود سيباستيان طوال المعرض وكرمز لممارسات الفنانة هو دليل إضافي على الدهشة الطفولية التي لا تتزعزع المتجذرة في كل ركن من أركان عمل سبارو.
على الجانب الآخر من غرفة الموز، توجد نسخة من “كهف اللباد”. هذا المكان، الذي كان سابقاً محطة إسعاف تحولت إلى استوديو سبارو، يقدم نظرة أعمق على عمليتها الفنية والعمل الجماعي الذي يدخل في صنع آلاف القطع، واحدة تلو الأخرى. تدعم سبارو خمسة مساعدين متفرغين وأربع قطط وعاملين مستقلين، وبالطبع سيباستيان.
إلى جانب نافذة مزيفة تعرض المنظر نفسه من الاستوديو، المطل على سيارتين ملونتين تركنان في الخارج غالباً، بما في ذلك سيارة جيب وردية زاهية تحمل لوحة ترخيص كتب عليها “F3LT U”، يمتلئ كهف اللباد بآلاف المفاجآت الأخرى. كما يشير بيان المعرض، يوجد “قسم موارد بشرية مكون من موز يرتدي نظارات”، و”ساعة وقواق صفراء كنارية”، و”داب دابس” وهي لوحات تجريدية مكونة من مسح الفائض عن طرف زجاجة الطلاء.
معرض “بداية الراحة” مستمر حتى ١١ يوليو ٢٠٢٧.