أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفاً منتصراً بعد موافقة حركة حماس على تسليم أسلحتها في غزة. لكن اتفاق نزع السلاح الذي أُعلن الخميس يتضمن أيضاً انسحاب إسرائيل من القطاع ونقل السلطة تدريجياً إلى إدارة فلسطينية، وهي شروط قوبلت ببرود واضح من السياسيين الإسرائيليين والصحافة الإسرائيلية.
لم تصدر الحكومة الإسرائيلية تعليقاً رسمياً بعد، لكن مسؤولاً إسرائيلياً كبيراً طلب عدم ذكر اسمه قال للصحفيين الجمعة إنه رغم التقارير عن “تقدم دبلوماسي في قطاع غزة”، لن تنسحب إسرائيل من مواقعها الحالية قبل ما تعتبره “نزعاً حقيقياً لسلاح حماس”. أما ترامب فقال إن إسرائيل “سعيدة جداً” بالاتفاق.
كثير من الإسرائيليين ما زالوا متشبثين بخط متشدد تجاه الفلسطينيين في غزة بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، الذي انطلق من القطاع. وهذا يحدث رغم أن إسرائيل شنت لاحقاً حرب إبادة جماعية على غزة، قتلت أكثر من 73 ألف فلسطيني ودمرت القطاع. استطلاع جرى في مايو/أيار وجد أن 82% من المستطلعين اليهود الإسرائيليين يؤيدون الطرد القسري للفلسطينيين من بيوتهم في غزة، و56% يؤيدون طرد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل من بيوتهم أيضاً. استطلاع آخر بعد شهر وجد أن 64% من المشاركين يرون أنه “لا يوجد أبرياء” بين الفلسطينيين في غزة.
وكثير من السياسيين الإسرائيليين، بمن فيهم وزراء في الحكومة، قالوا إن مستوطنات يهودية غير قانونية شبيهة بتلك التي تقسم الضفة الغربية المحتلة ستقام قريباً في غزة. لذلك فإن احتمال انسحاب إسرائيل من القطاع والبدء في إعادة إعماره أمر غير مقبول لكثير من الإسرائيليين، ويسارع السياسيون إلى إدانة اتفاق نزع السلاح.
وزير الأمن الوطني الإسرائيلي إيتمار بن غفير، من اليمين المتطرف، وصف الاتفاق بأنه “غير مقبول”. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: “الالتزام بوقف اغتيال قتلة حماس يعني الموافقة على تنظيم حماس للمذبحة القادمة. يجب أن تستمر الاغتيالات في غزة، ويجب أن يحصل تشجيع الهجرة. إسرائيل يجب أن تنتصر.” ومصطلح “تشجيع الهجرة” يُفهم على نطاق واسع بأنه يعني التطهير العرقي.
كذلك كان سياسيون يعتبرون وسطيين متشككين، مثل رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، المنافس الرئيسي لبنيامين نتنياهو في الانتخابات المقبلة. وقال إن أي اتفاق لا يحقق أهداف الحرب، أي تدمير القوة العسكرية والسياسية لحماس، هو فشل كامل. وكتب: “لقد مرت نحو ثلاث سنوات على صباح 7 أكتوبر، وعادت حماس لتقوية نفسها بعدد من الإرهابيين مشابه لما كان مساء 6 أكتوبر.”
نتنياهو لم يعلق بعد، لكن المستطلعة والمستشارة الأمريكية الإسرائيلية داليا شايندلين قالت إن المخاطر كبيرة أمام رئيس الوزراء مع اقتراب موعد الانتخابات. فرصته الأكبر في تفادي السجن إذا أدين بتهم فساد عديدة تكمن في فوزه بانتخابات أكتوبر/تشرين الأول. لكن المعارضة تتقدم في كثير من الاستطلاعات، وقد تتمكن من الحصول على مقاعد كافية لتشكيل حكومة.
قالت شايندلين إن حسابات نتنياهو لا علاقة لها بالصدمة العامة من هجوم 7 أكتوبر، بل بالسياسة. وأضافت: “سيهتم بشكل أساسي، وربما حصرياً، بما يعتقده شركاؤه في الائتلاف الحالي.” وأوضحت أن الانسحاب من غزة أمر مستبعد، وأي مناورة يقوم بها نتنياهو للحفاظ على ائتلافه وتشجيع الناخبين اليمينيين يجب أن تتم دون إغضاب حلفائه في الولايات المتحدة، الذين يبدو أن نفاد صبرهم يزداد تجاهه.
وقالت: “لن يريد نتنياهو أن يراه ترامب والأمريكيون يقوض أي خطوات محتملة لتنفيذ هذا الاتفاق. لذلك قد يقوم بتحريك رمزي جداً للجيش الإسرائيلي داخل غزة.” وأشارت إلى أن أحد التكتيكات قد يكون انسحاب الجيش إلى المواقع التي كان يفترض أن يكون فيها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025. ومنذ ذلك الاتفاق قتلت إسرائيل أكثر من 1200 فلسطيني، ووسعت مراراً المنطقة التي تسيطر عليها متجاهلة الاتفاق.
إدارة توقعات الولايات المتحدة تجاه إسرائيل ستكون مشكلة ليس لنتنياهو فقط، بل لكل السياسيين المتنافسين على قيادة البلاد. قال مسؤول أمريكي مجهول إن ترامب سيكون “محبطاً جداً جداً” إذا لم تلتزم إسرائيل باتفاق نزع السلاح. وقال دوف واكسمان، أستاذ الدراسات الإسرائيلية في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، إن نتنياهو يواجه أصلاً معركة شاقة لتشكيل أي حكومة، وأكثر من ذلك إذا وافق على هذا الاتفاق.
تمكن نتنياهو سابقاً من تجاوز المتطلبات المفروضة على إسرائيل بخصوص غزة، وحافظ على وحدة ائتلافه اليميني المتطرف، رغم أن بعض أعضائه هددوا مراراً بإسقاط الحكومة إذا انتهت الحرب دون هزيمة كاملة لحماس. قد يلتزم الصمت حالياً تجاه الاتفاق الجديد، لكنه سيضطر في النهاية إلى الكلام. وقال واكسمان إن ذلك قد يكون مشكلة حقيقية، لأنه إذا انتقد الاتفاق فسيخاطر بإغضاب ترامب الذي لم يؤيده في الانتخابات بعد، لكن نتنياهو يأمل أن يقدم له هدية خلال دورة الانتخابات، سواء كانت دعوة أخرى للعفو عنه، أو التطبيع مع السعودية، أو ربما الاثنين معاً. لكنه مضطر إلى إبقاء ترامب إلى جانبه.
فبينما يزداد شك الإسرائيليين في أن أمن إسرائيل ما زال في صدارة أولويات إدارة ترامب، فإن الغالبية الساحقة من الجمهور والمؤسسة السياسية ما زالت تعتبر المظلة الأمنية الأميركية ضرورة. بل إن بعض الأطراف استغلت أي شق صغير في هذه المظلة كذريعة لانتقاد نتنياهو.
قال نمرود غورين، رئيس مؤسسة “ميتفيم” لدراسات السياسات الخارجية الإقليمية: “أظهر نتنياهو في الماضي قدرة كبيرة على التعامل مع مثل هذه الأمور”. وأضاف: “سيحرص على أن يحصل ترامب على إعلانه وحفل توقيعه وكل المشاهد المناسبة، لكنني لا أراه ينسحب من غزة”.
وتابع المحلل الإسرائيلي: “أعتقد أن فكرة انسحابه تتجاوز مجرد الرأي العام، فهي تتعارض مع فلسفته وأيديولوجيته ونظرته للعالم، القائمة على أن إسرائيل يجب أن تكون حاضرة خارج حدودها وفي كل مكان يمكن أن تتحول فيه النوايا السيئة إلى أفعال. وإذا كان هناك شيء، فأراه يصعّد الأمور قبل الانتخابات بدلاً من الحديث عن الانسحاب”.