نمو متسارع.. هل يحافظ تايوان على زخمه الاقتصادي؟

حققت جزيرة تايوان واحدة من أكبر قصص النجاح الاقتصادي هذا العام، بفضل الطفرة الهائلة في الطلب على الذكاء الاصطناعي. فخلال الأشهر الأخيرة، قفزت بورصة تايوان لتصبح الخامسة عالمياً من حيث القيمة السوقية للأسهم المتداولة، متجاوزةً كلاً من بريطانيا وكندا والهند.

وهذا الصعود الكبير جاء في جزء كبير منه مدفوعاً بصادرات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التي تشهد طلباً قوياً من الولايات المتحدة. ففي العام الماضي، استوردت أمريكا بضائع من تايوان بقيمة 201 مليار دولار، أي ما يقارب ضعف ما استوردته عام 2024 والذي بلغ 116 مليار دولار. وفي مايو الماضي، تجاوزت تايوان الصين لتصبح ثالث أكبر مصدر للواردات الأمريكية، بعد المكسيك وكندا.

ويصف خبراء هذا التسارع في السوق التايوانية بأنه عودة إلى وضعها السابق كـ”اقتصاد نمر”، وهو تعبير يُستخدم للإشارة إلى النمو السريع في شرق آسيا. ويعزو كثير منهم الفضل في ذلك إلى قطاع التكنولوجيا المزدهر في الجزيرة. يقول تشاد باون، وهو زميل أول في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي: “الذكاء الاصطناعي يساعد في تفسير الأهمية المتزايدة لتايوان”.

لكن هناك من يحذر من أنه رغم قوة السوق التايوانية حالياً، فإن عوامل مثل الاضطرابات في العلاقات الدولية والقلق الديموغرافي قد تعقّد آفاق الجزيرة على المدى الطويل. ويقول رضا حسما، المستشار الأكاديمي في معهد الصين بجامعة ألبرتا: “يبدو الأمر رابحاً للجميع في الوقت الحالي، لكن تايوان تؤجل فقط واقعاً غير قابل للاستمرار”.

شهد الناتج المحلي الإجمالي لتايوان نمواً بلغ 8.63 بالمئة في عام 2025، واستمر هذا المسار الصاروخي في الربع الأول من هذا العام حيث ارتفع بنسبة 13.69 بالمئة. وأظهرت بيانات حكومية صدرت مؤخراً أن الجزيرة تحافظ على هذا الزخم، إذ نما اقتصادها بنسبة 12.92 بالمئة في الربع الثاني المنتهي في يونيو.

يقرأ  وزير سوداني: الحرب أعادت تشكيل التركيبة السكانية للبلاد بشكل عميق

ويقول ديكستر روبرتس، الزميل غير المقيم في مركز الصين العالمي بمجلس الأطلسي: “نمو الناتج المحلي يسير بوتيرة مذهلة”. ويتوقع أن يستمر هذا الاتجاه على المدى الطويل، لأن تايوان تنتج نحو 90 بالمئة من الرقائق المتقدمة المستخدمة في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة. ويضيف: “هذا لن يختفي، فنحن نعرف أن العالم وأمريكا بحاجة إلى ذلك”.

ورغم أن طفرة الذكاء الاصطناعي ظاهرة عالمية، فإن الولايات المتحدة أصبحت سوقاً رئيسية لهذه الرقائق، إذ تتدفق مليارات الدولارات إلى هذا القطاع سنوياً. وقد تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعزيز مكانة بلاده بوصفها “القائد العالمي في الذكاء الاصطناعي”، وقالت إدارته إنها اجتذبت أكثر من 2.7 تريليون دولار من الاستثمارات في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي منذ بداية ولايته الثانية.

ولضمان وصول أمريكا إلى تكنولوجيا أشباه الموصلات المتطورة في تايوان، وقعت إدارة ترامب اتفاقاً تقوم بموجبه تايوان باستثمار 500 مليار دولار في الولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يأتي نصف هذا المبلغ كاستثمارات مباشرة من شركات تايوانية في مجال أشباه الموصلات والتكنولوجيا، بما في ذلك تطوير التصنيع التكنولوجي على الأراضي الأمريكية. أما الجزء المتبقي فيتكون غالباً من ضمانات ائتمانية لاستثمارات إضافية تايوانية في أمريكا. وبموجب الاتفاق، يُسمح للشركات التايوانية باستيراد ما يعادل 2.5 ضعف طاقة مصانعها الأمريكية دون التعرض لرسوم جمركية عالية. وفي اتفاق تجاري لاحق، وافقت تايوان على خفض رسومها الجمركية على 99 بالمئة من الصادرات الأمريكية. كما عززت تايوان صادراتها التكنولوجية إلى الولايات المتحدة عبر استثمارات في المكسيك المجاورة، حيث تنتج مصانع عبر الحدود مدخلات تستخدم في مراكز البيانات بولاية تكساس.

لكن حسما يحذر من وجود مؤشرات مقلقة في العلاقات التايوانية الأمريكية. فترامب سعى منذ فترة طويلة إلى القضاء على العجز التجاري مع الحلفاء الاقتصاديين، وانتقد الدول التي تصدر إلى أمريكا أكثر مما تستورد منها. ويشير حسما إلى أن تايوان تبني فائضاً تجارياً كبيراً مع الولايات المتحدة يقارب 200 مليار دولار ويتزايد باستمرار، وهو ما قد يثير رد فعل عنيفاً. ويقول: “هذه علاقة غير متوازنة وغير مفيدة لتايوان على المدى الطويل”، معتقداً أن ترامب لن يتحمل فائضاً تجارياً كبيراً طويلاً، وأنه سيسعى قريباً إلى إعادة التفاوض على الاتفاقات مع تايبيه. من جهته، يحذر روبرتس من أن ترامب “متقلب المزاج”، ومثل هذه الطباع تجلب “عدم اليقين”. وهناك أيضاً مسألة الاضطراب السياسي في أمريكا، فترامب يعاني من نسب قبول منخفضة، ولا يحق له قانونياً الترشح لولاية رئاسية ثالثة.

يقرأ  اعتبار الفرع الإقليمي الرابع متطرفًا يشعل غضب حزب «البديل من أجل ألمانيا»حزب «البديل من أجل ألمانيا» غاضب بعد تصنيف فرعه الإقليمي الرابع على أنه متطرف

أما على الصعيد الداخلي، فيقول روبرتس إن الطفرة الاقتصادية التايوانية “حقيقية جداً” و”واضحة جداً”، لكن هناك نقاط ضعف واضحة. فقطاعات التصدير التقليدية مثل البلاستيك والمنسوجات لا تحقق أداءً جيداً. كما أن نسبة صغيرة فقط من السكان التايوانيين تعمل في قطاع الذكاء الاصطناعي. ويضيف: “معظم الشباب ليسوا في قطاع التقنية العالية، وهذه مشكلة حقيقية”. وبينما أدى الازدهار في سوق الأسهم إلى ما يسمى “تأثير الثروة”، حيث يشعر من ترتفع قيمة محافظهم بأنهم أكثر ثراءً ويميلون إلى إنفاق أكثر، فإن هذا لا يساعد عموم السكان إلا بشكل محدود.

وبما أن معظم الوظائف في تايوان تتركز خارج قطاع الذكاء الاصطناعي، يحذر اقتصاديون من أن الجزيرة قد تشهد ما يسمى “اقتصاد الفجوة” أو K-shaped، حيث الأثرياء يحققون نمواً بينما الفئات الأفقر تركد أو تتراجع. ويوظف قطاع الرقائق 350 ألف شخص كحد أقصى. وفي الوقت نفسه، تساهم شركة TSMC، أكبر شركة رقائق في تايوان، بنحو 40 بالمئة من سوق الأسهم وتوفر أربعة بالمئة من نمو الناتج المحلي للجزيرة. ويصف حسما هذه النسبة غير المتوازنة بأنها “غير قابلة للاستمرار”. كما تعاني تايوان من شيخوخة سكانية سريعة، إذ يبلغ نحو خمس السكان فوق سن الخامسة والستين.

وهناك نقاط ضعف أخرى أيضاً، فالجزيرة تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة من الخارج، وخاصة النفط، وتعاني من ندرة المياه. ثم هناك القوة العظمى المجاورة: الصين. فحكومة بكين تعتبر تايوان، وهي جزيرة تحكم نفسها بنفسها، جزءاً من أراضيها، وتتخذ إجراءات صارمة للحد من قدرة الجزيرة على إقامة علاقات دبلوماسية مستقلة. وقد أضاف هذا الصراع وقوداً إلى الجدل حول نمو تايوان، إذ نقل عن متحدث باسم الحكومة الصينية القول إن الاقتراب المتزايد من القطاع التكنولوجي الأمريكي سوف “يستنزف المصالح الاقتصادية لتايوان” و”يُفرغ” صناعتها الرئيسية من محتواها. ويقول حسما إنه إذا انعكست طفرة الذكاء الاصطناعي على تايوان، فإن كل ذلك سيؤدي في النهاية إلى “وصفة لتغيير انتخابي وتحول في الحكومة” في تايبيه.

يقرأ  مسلحون يقتلون ١٣ شخصًا على الأقل في إطلاق نار داخل مسجد في شمال غرب نيجيريا

أضف تعليق