مجلس السلام في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هيئة فاشلة ويجب التخلي عنها

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخميس، إن حماس وافقت على تسليم سلاحها والانتقال إلى المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. وقد قوبل هذا الإعلان بارتياح من جهات إقليمية مختلفة، ووصفه ترامب بأنه “اتفاق تاريخي”.

غير أن المشكلة أن نزع السلاح لن يحدث على الأرجح. فحماس اشترطت صراحةً ألا تفرط في أسلحتها إلا إذا التزمت إسرائيل بالتزاماتها في الاتفاق، وهذا ما لم تفعله منذ التوصل إليه في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. أما مجلس السلام، وهو الهيئة المكلفة بالإشراف على وقف إطلاق النار وإعادة إعمار غزة، فلم يفعل شيئًا للضغط على إسرائيل للامتثال.

هذا مجرد واحد من إخفاقات هذا المجلس المتعددة، الذي لم يقدّم شيئًا يُذكر خلال ستة أشهر من وجوده. فهو يفتقر إلى السلطة والتمويل وآليات التنفيذ والمركز القانوني داخل النظام الدولي ليتمكن من الاضطلاع بولايته المعلنة. وبدلًا من أن يمهّد الطريق لخفض التصعيد، خلَق مظهرًا من التقدم الدبلوماسي أصبح غطاءً سياسيًا لاستمرار الإبادة الإسرائيلية في غزة.

الطريق الوحيد للمضي قدمًا هو التخلي عن هذا المجلس وإعادة المسؤولية إلى الأمم المتحدة.

لا شيء يُحققه المجلس

تأسس مجلس السلام بموجب المادة التاسعة من خطة السلام المكونة من عشرين بندًا التي أعلنها ترامب في أكتوبر/تشرين الأول. ومن المقرر أن يشرف على هيئة فلسطينية تقنية مؤقتة تدير غزة، وعلى قوة تثبيت دولية تتألف من جنود حفظ سلام متعددي الجنسيات. نظريًا، كان على المجلس أن يشرف على إعادة إعمار غزة وعلى الانسحاب التدريجي لإسرائيل. لكن عمليًا، لم يحقق أي تقدم في أي من هذين المسارين.

ورغم الوعود الكبيرة التي أطلقتها إدارة ترامب حول تحويل غزة إلى مشهد حضري حديث، لم يكن هناك أي تحرك في هذا الاتجاه. وما زال معظم السكان يعيشون في خيام وسط ظروف مروعة.

يقرأ  جهود إنقاذ جارية بعد تصادم قطار مميت في إندونيسيا

في الشهر الماضي، خفّض المجلس خطة إعادة الإعمار إلى مشروع تجريبي قرب رفح، على الحدود المصرية، في منطقة يسيطر عليها فلسطينيون متعاونون مع إسرائيل. وستتولى إسرائيل فحص الفلسطينيين الذين يُسمح لهم بالإقامة في هذا المشروع.

والأخطر من ذلك أن المجلس يحاول منح نفسه الحق في مصادرة الممتلكات الفلسطينية أو استخدامها “مجانًا”. وهذا مؤشر على استعداده للعمل كواجهة لاستمرار سرقة إسرائيل للأراضي الفلسطينية.

أما الانسحاب الإسرائيلي، وهو العملية الرئيسية الأخرى التي كان يفترض أن يشرف عليها المجلس، فقد أصبح شبه منسي. فإسرائيل واصلت قتل الفلسطينيين بقصف متكرر، وواصلت التوسع على المزيد من الأراضي الفلسطينية.

منذ بداية وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول، قتلت إسرائيل أكثر من 1100 مدني فلسطيني. كما واصلت هدم المنازل الفلسطينية ودفع “خطها الأصفر” إلى الأمام، موسعة سيطرتها إلى حوالي 70 بالمئة من أراضي غزة، مقابل 53 بالمئة عند بداية وقف إطلاق النار.

لم يتخذ مجلس السلام أي إجراء إزاء هذه الممارسات الاستعمارية الإسرائيلية، ولم يصدر أي تصريحات علنية تدينها.

وفي الوقت نفسه، حمّل المجلس الفلسطينيين مسؤولية غياب التقدم. فقد وصف ممثله السامي نيكولاي ملادينوف حركة حماس بأنها “العقبة الرئيسية” أمام تنفيذ وقف إطلاق النار، رغم عدم تسجيل أي هجمات فلسطينية منذ بدايته.

هذا التوجّه الأحادي يكشف الوظيفة الحقيقية للمجلس: فهو ليس أداة لصنع السلام، بل غطاء لاستمرار الاحتلال.

وأبقى مجلس السلام أيضًا على الترتيبات التي تسمح لإسرائيل بالتحكم في تدفق المساعدات إلى غزة. فرغم أن خطة ترامب تنص على ألا تتدخل حماس أو إسرائيل في دخول المساعدات وتوزيعها، فإن الجيش الإسرائيلي ما زال يحدد كمية ونوعية المساعدات المسموح بدخولها إلى القطاع.

كبار الدول الأوروبية والصين رفضت الانضمام إلى مجلس السلام. والدول التي أشارت في البداية إلى استعدادها للمشاركة في قوة التثبيت الدولية جمدت التزاماتها أو سحبتها.

يقرأ  الجيش الأمريكي يقتل ثلاثة في ضربة بحرية استهدفت قارباً شرق المحيط الهادئأخبار عسكرية

هذا الافتقار إلى الثقة ينعكس أيضًا في الإخفاق التمويلي. فرغم التعهدات الأولية بمبلغ عشرة مليارات دولار من الولايات المتحدة وسبعة مليارات إضافية من دول أخرى، يُقال إن حساب البنك الدولي الذي أُنشئ للمجلس لم يستقبل أي أموال. وبدلًا من ذلك، اعتمد المجلس على بضعة ملايين من الدولارات أُودعت في حساب خاص لدى جي بي مورغان، ذهب معظمها إلى الرواتب والنفقات الإدارية بدلًا من إعادة الإعمار أو حماية المدنيين.

عودة الأمم المتحدة

ربما يكون أبرز دليل على فشل مجلس السلام هو سعيه إلى منح نفسه حصانة من الملاحقة القضائية. ففي مشروع قرار، يظهر أن المجلس يسعى إلى توفير حماية لأعضائه وهيئاته الإدارية، بما في ذلك مكتب الممثل السامي، والخبراء الفلسطينيين، والقوات العسكرية الدولية، والمتعاقدين من خارج البلاد.

بعبارة أخرى، يريد المجلس أن يعمل فوق القانون. والهدف واضح: فرض هيكل حكم خارجي يخفي الاستعمار الإسرائيلي لغزة خلف هيئة دولية.

استمرار وجود مثل هذه الهيئة هو عار دولي، ويجب أن ينتهي.

الاستجابة المناسبة تتمثل في ضغط جماعي من الدول الداعمة لحل الدولتين والتسوية السلمية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، من أجل إعادة العملية إلى مظلة الأمم المتحدة. وينبغي أن تكون الفصائل الفلسطينية في طليعة هذا الجهد.

على الأمم المتحدة أن تتحمل المسؤولية وتنقل أي مهام ذات صلة من مجلس السلام إلى هيئات الأمم المتحدة القائمة.

قد يقول المنتقدون إن الأمم المتحدة فشلت في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لأكثر من سبعة عقود. وهذا صحيح. لكن مظلة الأمم المتحدة توفّر إطارًا قانونيًا دوليًا يربط العمل بالقانون الدولي ويكشف بوضوح أي انتهاكات. وهذا يعطي هيكلًا وأدوات قانونية يمكن للفلسطينيين استخدامها لمتابعة الدفاع عن حقوقهم.

علاوة على ذلك، هناك وكالة أمم متخصصة، وهي الأونروا، معنية بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وهي الأقدر على مواجهة التحديات الهائلة لسكان مهجّرين وفقراء. إن عودة الأونروا مهمة ليس فقط بصفتها هيئة لتقديم الخدمات، بل أيضًا بوصفها كيانًا يحمي حقوق اللاجئين الفلسطينيين ووضعهم.

يقرأ  ميدفيديف يوقف سلسلة انتصارات ألكاراز ويواجه سينر في نهائي إنديان ويلز

الأمم المتحدة وهيئاتها لديها آليات للمساءلة والشفافية يمكن أن تقلل من إساءة استخدام الموارد اللازمة لإعادة بناء غزة. وفي حين أن إنهاء الاحتلال يعتمد على الإرادة السياسية للقوى الكبرى، فإن مظلة الأمم المتحدة تحافظ على الوضع القانوني لغزة كأرض محتلة وتحمي حقوق السكان الخاضعين للاحتلال.

يمكن للأمم المتحدة أيضًا أن تلعب دورًا في نشر قوة التثبيت الدولية. وينبغي نشر هذه القوة ليس في غزة فقط، بل أيضًا في الضفة الغربية لحماية الفلسطينيين من هجمات المستوطنين. وإعطاء هذه القوة تفويضًا أمميًا سيشجع مزيدًا من الدول على المساهمة في تشكيلها، ويساعد على بناء ائتلاف أوسع من الدول المعنية باستقرار وحماية غزة والضفة الغربية. وقد يكون هذا خطوة أولى تمهّد لانسحاب إسرائيل من هذه الأراضي المحتلة.

على المجتمع الدولي أن يتحرك الآن. يجب التخلي عن مجلس السلام، ونقل كل المسؤولية المتعلقة بغزة إلى منظومة الأمم المتحدة. ويجب تمكين الأمم المتحدة من تولي القيادة في أي ترتيبات قادمة.

استمرار الوضع الحالي في غزة يعني استمرار معاناة الفلسطينيين وتعميق عدم قابلية الأرض للسكن، ما يمهد عمليًا للتهجير القسري للفلسطينيين من أرضهم. المطلوب بشكل عاجل هو آلية تقودها الأمم المتحدة، قابلة للتنفيذ فورًا وقائمة على القانون الدولي.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الجزيرة.

أضف تعليق